عزمي بشارة قال إنه لا يمكن تحرير الوعي العربي ما لم تحل قضية فلسطين (الجزيرة-أرشيف)

حسين جلعاد-الدوحة
 
قال المفكر العربي عزمي بشارة إن قضية فلسطين هي آخر مخلفات الحقبة الاستعمارية في التاريخ التي لم تحل حتى الآن. وشدد على أنه لا يمكن تحرير الوعي العربي ما لم تحل هذه القضية مشيرا إلى أنها ليست قضية اللاجئين الفلسطينيين وحدهم فقط, بل هي قضية الأمة العربية وإحدى تجليات الإنسان العربي بوعيه بذاته وصراعه مع الاستعمار.

جاء ذلك في ندوة بعنوان "المشهد الفلسطيني في الذكرى الثانية والستين للنكبة" نظمها مركز الجزيرة للدراسات مساء الأحد بالدوحة.

واستعرض بشارة في الشق الأول من الندوة التاريخ العسكري والسياسي، وأورد شهادات القادة العسكريين العرب الذين قادوا المعارك إبان حرب 48 ضد العصابات الصهيونية آنذاك، وفند عبر إيراد تلك الشهادات المقولات الصهيونية التي طالما روجت ومفادها أن إسرائيل انتصرت في الحرب رغم التفوق العددي للعرب.

أكذوبة التفوق
وأوضح بشارة أن عدد القوات اليهودية التي شاركت في حرب 48 كان قرابة 60 ألف مقاتل وقت انتهاء المعارك، في حين لم يتجاوز عدد مقاتلي الدول العربية المشتركة في القتال مجتمعة 18 ألف جندي عربي في جميع الجبهات، وقال إن التفوق العربي العددي خلال الحروب أكذوبة.

"
بوادر السلوك العربي نحو ما يسمى السلام والتسويات السياسية ظهرت مبكرة منذ الأيام الأولى لحرب النكبة
"
ولفت بشارة من خلال استعراض شهادات العسكريين العرب إلى أن قادة الجيوش كان لديهم وعي عميق بحجم التحدي العسكري الذي يواجههم في المعارك المتوقعة بعد إعلان قرار التقسيم واتضاح نوايا بريطانيا -دولة الانتداب حينها- والوكالة اليهودية نحو إعلان ما بات يعرف لاحقا باسم دولة إسرائيل.

وبين المفكر العربي أن الوثائق تدل على أن العسكريين العرب طلبوا من رؤساء دولهم تجهيز 72 طائرة وست فرق عسكرية, مشددين على أنه لا يمكن دخول الحرب دون قوات موحدة، لكن القيادات السياسية العربية رأت أن تلك المطالب غير ممكنة، وأمرت العسكريين بدخول المعارك حسب ما هو متوفر لديهم من عتاد.

وأكد بشارة أن بوادر السلوك العربي نحو ما يسمى السلام والتسويات السياسية قد ظهرت مبكرة منذ الأيام الأولى لحرب النكبة، وأشار إلى انقسام الدول العربية إلى محاور تتنازعها المصالح المختلفة, الذي تجلى في دخول كل دولة عربية منفردة إلى مفاوضات الهدنة.

واستعرض المفكر العربي المعطيات الفكرية والسياسية والعسكرية الصهيونية في تلك الفترة التي تمثلت في المجازر التي ارتكبتها القوات اليهودية بحق الفلسطينيين لتهجيرهم، ثم تطبيقاتها السياسية لدى القادة الصهاينة عبر الإصرار منذ الأيام الأولى على تهميش ما يسمى الشرعية الدولية ورفض قرارات حق العودة الفلسطيني.

العلاقة مع الراهن
وفي الجزء الثاني من المحاضرة، ربط بشارة بين الواقع السياسي إبان النكبة، وما يجري حاليا في الواقع العربي وتفاعله مع دولة الاحتلال الإسرائيلي التي نجحت في تحييد أكبر قوة عربية وهي مصر عبر اتفاق كامب ديفد في سبعينيات القرن العشرين، ثم ما تمخض عنه لاحقا من مسارات تفاوضية أحادية مع إسرائيل كان أبرزها ما يسمى مرحلة السلام الفلسطيني.

"
لا تناقض بين أن يحصل الفلسطينيون على حقوق مدنية في دول الشتات، وبين تثبيت حق العودة إلى وطنهم فلسطين
"
وشدد بشارة على واجب المثقفين العرب في ذكرى النكبة، وقال إنه لا ينبغي الانخداع بأطروحات من يسمون المثقفين الليبراليين الذين لا يخفون إعجابهم بإسرائيل كدولة ديمقراطية في زعمهم، وقال إن ذلك يخرج القضية عن سياقها التاريخي، فلا يمكن النظر إلى إسرائيل إلا من خلال صيرورتها الاستعمارية، وباعتبار أنها كانت أبشع أنواع الاستعمار الاستيطاني الإحلالي، أي تفريغ الأرض الفلسطينية من سكانها الحقيقيين وإحلال مستوطنين مجلوبين بدلا منهم.

 وحذر المفكر العربي مما يروج حاليا في بعض الدول العربية عبر إثارة النعرات الإقليمية، وتصوير الفلسطينيين وكأنهم يشكلون خطرا على هوية الشعوب التي يعيشون فيها، لافتا إلى أن ذلك لعبة صهيونية، لن تقود إلا إلى خلق حساسيات في المجتمعات العربية مما يترتب عليه أن تصبح قضية فلسطين عبئا على هذه الشعوب، في حين أنّ المطلوب أن تمتلك الشعوب العربية وعيا مسؤولا حيال قضية العرب الأولى.

وأوضح بشارة أنه لا تناقض بين أن يحصل الفلسطينيون على حقوق مدنية في دول الشتات، وبين تثبيت حق العودة إلى وطنهم فلسطين.

المصدر : الجزيرة