حفلات الخمر تؤرق فرنسا
آخر تحديث: 2010/5/15 الساعة 19:27 (مكة المكرمة) الموافق 1431/6/2 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2010/5/15 الساعة 19:27 (مكة المكرمة) الموافق 1431/6/2 هـ

حفلات الخمر تؤرق فرنسا

حفلات شرب الخمر بالميادين العامة يرى فيها مسؤولون فرنسيون تهديدا للأمن العام (رويترز)

للحرية حدود، حتى في فرنسا التي تلقب بأنها "بلد الحريات"، لأن هذه الحرية إذا كانت غير منضبطة تصبح قاتلة، وهو ما يزعج هذه الأيام السلطات الفرنسية التي تفكر بجدية في سبل تفادي كوارث تنجم عن حفلات جماعية أصبحت منذ شهور موضة تستقطب الشباب الفرنسي يشربون فيها الخمور في الهواء الطلق.

أولى هذه الحفلات -حسب بعض الصحف الفرنسية- شهدتها مدينة نانت غرب البلاد في نوفمبر/ تشرين الثاني من عام 2009، وفقد فيها آنذاك خمسون شخصا وعيهم بسبب الإفراط في الشرب وأدخل الكثير منهم إلى العناية المركزة بالمستشفيات.

وزادت شعبية هذه الحفلات بشكل كبير على مدى الأشهر الستة الماضية، وسهلت سرعة انتشارها الدعاية لها عبر الموقع الاجتماعي على شبكة الإنترنت "فيسبوك"، كما زاد معها قلق السلطات وبدأت تؤرق المسؤولين لما يصاحبها من أعمال عنف، خصوصا وأن أكثر المغرمين بهذه الحفلات من الشباب.

حفلة مدينة نانت حضرها نحو عشرة آلاف شخص وانتهت بمقتل شاب (الفرنسية)
ناقوس الخطر

النقطة التي أفاضت الكأس وهب معها الكثير من المسؤولين الفرنسيين لدق ناقوس الخطر كانت مقتل شاب فجر الخميس الماضي في حفلة من هذا النوع شهدتها مدينة نانت وحضرها نحو عشرة آلاف شخص.

فقد خرج الشاب عن المألوف ولعبت الخمر برأسه حتى سقط من فوق جسر علوه نحو خمسة أمتار، وأصيب بكسور في الجمجمة والصدر، لفظ معها أنفاسه في المستشفى.

الحادث أشعل أضواء الخطر في عدة مؤسسات فرنسية، وتزايدت معه الدعوات من الحكومة والمعارضة على السواء لتقنين مثل هذه التجمعات ووضع ضوابط لها، خصوصا وأن مدنا فرنسية أخرى غير نانت امتدت إليها هذه الظاهرة.

فمدينة مونبولييه جنوب البلاد شهدت حفلة مماثلة مساء الأربعاء حضرها الآلاف، والعاصمة باريس يتوجس مسؤولوها خيفة من أخرى من المنتظر تنظيمها قرب برج إيفل يوم 23 مايو/ أيار الجاري، ويتوقعون أن يحضرها نحو خمسين ألف شخص.

أما الأجهزة الأمنية في مدينة نيم جنوب فرنسا، فحسمت أمرها وسدت باب الذرائع بأن منعت منذ أسبوع حفلة كانت مقررة اليوم السبت، واعتبرت أنها تشكل إخلالا بالأمن العام.

أحد برلمانيي الحزب الاشتراكي المعارض في مدينة نانت قال إن الشباب لا يأتون إلى مثل هذه المناسبات للاحتفال بل للانتشاء بتناول المخدرات، ويعضد كلامه هذا كون السلطات الأمنية في المدينة اعتقلت بعد الحفلة التي توفي فيها الشاب المذكور 41 شخصا باتهامات تتعلق بالاتجار بالمخدرات والتناول الجماعي للخمور وارتكاب أعمال عنف.

وإضافة إلى ذلك قال المدعي العام للمدينة إن نسبة الخمرة لدى الشاب المتوفى بلغت 240 ملليغراما في كل مائة ملليلتر من دمه، وهو ما يعني ثلاثة أضعاف ما يعتبره الفرنسيون "نسبة عادية" بعد حفلة شرب.

بريس أورتوفو دعا إلى لقاء موسع لدراسة سبل ضبط هذه الحفلات (الأوروبية-أرشيف)
دعوات للضبط

عمدة مدينة نانت جاك مارك أيرول دعا الحكومة الفرنسية إلى ضبط وتنظيم مثل هذه التجمعات، وقال لإذاعة فرنسية "لن نسمح لمثل هذا الأمر أن يمر، إنها مشكلة قومية ولابد من التعامل معها بهذا المستوى".

وقال رئيس الكتلة البرلمانية للحزب الحاكم جان فرنسوا كوبي بدوره إن المشكل في هذه الحفلات هو الحوادث التي بدأت تشهدها، وكذا الإفراط في تناول الخمر والمخدرات، لهذا "لا بد من رد الأمور إلى نصابها".

أما الحكومة فهي بدورها مصممة على معالجة الأمر، ووعدت بالسعي من أجل سن تدابير للسيطرة على مثل هذه الفعاليات، وأعلنت وزارة الداخلية عن عقد لقاء لبحث موضوع حفلات الخمر هذه الأسبوع القادم، يرأسه وزير الداخلية بريس أورتوفو ويحضره ممثلون عن باقي الوزارات ومسؤولو الأجهزة الأمنية ومسؤولو البلديات التي بدأت تظهر فيها مثل هذه الحفلات.

وزير الشباب والتضامن الفرنسي مارك فيليب دوبريس هو الآخر قال إن المنع ليس حلا، ودعا إلى تقنين مثل هذه الحفلات ووضع ضوابط لها، وأكد أنه "يجب معالجة الأسباب وليس النتائج".

وتعيد هذه التحركات الرسمية الفرنسية إلى الأذهان تحركات مماثلة لتقنين الحفلات الراقصة الصاخبة التي شكلت موجة في الثمانينات من القرن الماضي، والتي شكل قانون صدر في مايو/ أيار 2002 آخر ما اهتدى إليه الفرنسيون لضبطها، وهو قانون ينظم التجمعات التي يفوق عدد الحاضرين فيها 250 شخصا، والتي "من شأنها أن تشكل تهديدا على المشاركين فيها".

هذا القانون يفرض على المنظمين أن يودعوا لدى السلطات إشعارا قبل شهر من تنظيم الحفل، يصفون فيه التدابير التي يجب اتخاذها لضمان أمن وصحة المشاركين وكذا ضمان الراحة والهدوء لباقي المواطنين، وهو الاتجاه الذي يبدو أن الجهود الجديدة ستسير فيه.

وربما لن يكون الفرنسيون مستقبلا أحرارا في أن يتجمعوا بالعدد الذي يشاؤون لكي يشربوا متى يشاؤون وقدر ما يشاؤون وحيثما يشاؤون، لأن الحرية المطلقة ستطلق العنان للإجرام والتخريب، ولأن ما يعتبره الكثيرون "حقهم في الشرب" قد يهدد حقهم في الحياة ويشكل اعتداء على حق غيرهم في الأمن.

المصدر : وكالات,الصحافة الفرنسية

التعليقات