بركة: عدت لغزة لأشجع الاهتمام بالفلك
آخر تحديث: 2010/3/24 الساعة 05:09 (مكة المكرمة) الموافق 1431/4/9 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2010/3/24 الساعة 05:09 (مكة المكرمة) الموافق 1431/4/9 هـ

بركة: عدت لغزة لأشجع الاهتمام بالفلك

سليمان بركة أدخل جهاز تلسكوب إلى غزة لتعليم الأطفال علم الفلك (الجزيرة نت)

حاوره أحمد فياض-خان يونس

عاد مؤخرا إلى قطاع غزة عالم الفلك الفلسطيني سليمان بركة -الذي عمل في وكالة الأبحاث الفضائية الأميركية (ناسا)- من أجل الاستقرار وتطوير الاهتمام بعلم الفلك في قطاع غزة.

ويعتبر بركة من أول من أدخل جهاز التلسكوب إلى غزة، ويحلم بإنشاء مرصد فلكي وتدريس علم الفلك في الجامعات والمدارس الفلسطينية، بعد أن أمضى سنوات في البحث والاجتهاد من أجل رفع اسم فلسطين في المحافل الدولية.




من هو العالم سليمان بركة؟

بركة: أنا سليمان بركة، عمري 45 عاما، متزوج ولدي ثلاثة أولاد وبنت، وطفل استشهد وهو ابن 12 عاما في قصف إسرائيلي أثناء العدوان الأخير على غزة، وقد تعرضت من قبل للاعتقال مرتين على يد الاحتلال الإسرائيلي بتهمة الإخلال بأمنه.

درست الثانوية العامة في مدرسة المتنبي في بلدة عبسان، والبكالوريوس في كلية العلوم والتكنولوجيا في جامعة القدس أبو ديس، وحصلت على دبلوم دراسات عليا في جامعة بنسلفانيا عام 1998 في إدارة المفاوضات والمؤسسات الحكومية، ثم على درجة الماجستير في الجامعة الإسلامية بغزة عام 2003 في الفيزياء النظرية، ونلت درجة الدكتوراه في الفيزياء الفلكية في جامعة بيير وماري كوري بمعهد الفيزياء الفلكية بباريس عام 2007.


ما الأسباب التي دفعتك للعودة إلى قطاع غزة؟

بركة: الأسباب لها علاقة بالفكرة، والفكرة أساس كل قرار، فالهوية والانتماء للدين والوطن والتاريخ والجغرافيا والثقافة كانت أحد تلك الأسباب، وأيضا فهم الإنسان الواسع لطبيعة التناقضات والمصالح في العالم، ولكون غزة حرمت ومنعت وجرى عليها حصار ظالم وحرقت بالقنابل.

"
ما أصابني مباشرة من الحرب باستشهاد ابني إبراهيم وهدم بيتي ومكتبتي، كلها عوامل تجمعت لأخذ قراري بالعودة إلى غزة
"
فعملية قراءة هذه الأحداث، وما أصابني مباشرة من الحرب باستشهاد ابني إبراهيم وهدم بيتي ومكتبتي، كلها عوامل تجمعت لأخذ القرار بالعودة، وأنا أعمل في هذه الظروف، التي أفهم أنها معقدة، وفي ظل وجود الإغلاق وقلة الموارد من أجل فعل أي شيء جدي، وخاصة في البحث العلمي.

فالإنسان بطبيعته مخلوق عظيم يستطيع أن ينجز أي شي تحت الضغط، وأحيانا ترى وأنت تسلك طريقا ما أن نبتة غضة طرية نبتت في إسفلت، ولا يوجد ظرف علمي وموضوعي يخرج هذه النبتة، وهذه إشارة في هذا الكون إلى أننا إذا أخلصنا النية فإن المسائل أسهل بكثير مما نعتقد، وقدوتي في ذلك حديث الرسول صلى الله عليه وسلم "إذا قامت القيامة وفي يد أحدكم فسيلة فليغرسها"، وكذلك إعادة حسابات أين سأكون؟ كان لها أثر في قرار العودة.

فهذا مكاني الأصلي ولا يوجد في هذا العالم أفضل من هذا المكان إلا مدينة رسول الله صلى الله علية وسلم، فأنا أفضل سنوات عمري وأهمها قضيتها في السجن، ووجودي كباحث في هذا المستوى هو امتداد لمسيرتي النضالية.

ربما يتبادر إلى الذهن أن قرار عودتك إلى غزة نابع من شعورك بعدم الارتياح للعمل مع وكالة ناسا؟

بركة: الحق يقال أني لم أجد احتراما واهتماما مثل الذي وجدته في وكالة الفضاء الأميركية (ناسا)، ولم أشعر هناك بغبن أو نظرة خطأ، وأنا لم أقرر العودة لأني طردت أو لم أجد عملا، فدافعي له علاقة بفهمي لفلسطين وسمو قضيتها وأهمية وجود الناس، حتى وجودي في أميركا لم يكن دائما، وأنا أصلا خرجت للعودة إلى قطاع غزة.


ما الذي تريد تحقيقه في غزة بعد عودتك إليها؟

بركة: لدي عدة مشاريع، أولها تعزيز فهم علم الفلك عند الناس والعمل على أن يكون مادة رئيسية تدرس في الجامعات الفلسطينية، وإقامة مرصد فلكي لرصد الأهلة لأننا نصوم تبعا للهلال، بالإضافة إلى مشروع فتح أقسام لدراسة الفلك وعلوم الفضاء بالتعاون مع الجامعات الفلسطينية والتعليم العالي، والآن أقوم بإعداد هذا المقترح على مستوى فلسطين وسيكون مركزه جامعة الأقصى، أما على الجانب الآخر فأقوم بإعداد محاضرات تأملية عن الكون وخلقه في القرآن والكتب المقدسة.

وهل ترى أن الإمكانات المتواضعة المتوفرة في غزة ستمكنك من القيام بذلك؟ أم تنتابك الخشية -في ظل التعقيدات التي يشهدها الوضع الفلسطيني- من أن تفشل في الوصول إلى ما تصبو إليه؟

بركة: بالعكس لا أخشى ولا أفكر في ذلك، لأنك أنت كإنسان مطلوب منك أن تعمل وأن تخلص النية في ما تعمل، والنتائج والأسباب والتوفيق من الله عز وجل، لكن أيضا عندما أفكر في عمل من هذا القبيل لست حالما، فالفلسطيني، سواء الشاب والشابة، ثبت علميا على مدار السنوات الستين الماضية أنه من أفضل الناس في التعلم، ويستطيع أن يعمل تحت ظروف قاهرة وأن ينجز ويتفوق، ومادتي هي البشر، والبشر في هذا البلد من خيرة خلق الله، وأنا ثقتي فيهم عالية بعد الله، فهم يستطيعون أن ينجحوا، وأنا من هذا البلد وتعلمت في هذا البلد ولم أتلق تعليما أفضل من تعليمهم.

وعلى صعيد البحث العلمي العالمي أنا مازالت أتواصل مع علماء الغرب وأعمل معهم، وأشعر بأني مساهم في الحضارة الإنسانية في علوم الفضاء، ولدي أجهزتي ومعداتي وبرامجي وهي مرخصة من وكالة (ناسا) وأعمل عليها، ولي تواصل مع شبكة الحاسوب المتعلقة بالوكالة نفسها.

وأنا ما زلت ضمن مجموعة عالمية في البحث العلمي في الفضاء، رغم غياب العمل الفلكي في غزة والوطن العربي، ولكن جئت لبناء بنية تحتية مستقبلية في علم الفضاء، وآمل أن نرى نتائج ما نقوم به خلال السنوات العشر القادمة، ونصل إلى كادر فلسطيني مميز في هذا المجال، كما أن قلة الإمكانيات لن تقف حائلا أمام تنفيذ مشاريعي في القطاع، لأن الشيء الذي نحتاجه هو كمبيوتر وإنترنت وبرامج فقط.

ألا تخشى التهديد الإسرائيلي، خاصة أن الاحتلال أسرك وقتل ابنك وهدم منزلك؟

بركة: التهديد الإسرائيلي شمل الحجر والشجر والبشر، وشمل الساعي إلى رزقه في كل مكان، ولا يحتاج إلى مبرر، فأنا مثل أي فلسطيني مرابط اختار هذا البلد لأن يجلس فيه، فكيف أخشى وقد علمت أن رزقي لن يأخذه غيري، لا أخشى إلا صاحب الأمر وهو الله عز وجل، ولا أستطيع الجزم بأن الاحتلال كان يريد استهدافي شخصيا، ولكنه عودنا على أن يفعل ما لا نتوقعه، ولم أستطع الجزم بأن الذي حدث كان بالخطأ.

سليمان بركة كان في وكالة ناسا وتركها للعودة إلى غزة (الجزيرة نت)
فصحيفة يديعوت أحرونوت الإسرائيلية نشرت تقريرا عن نشاطي، وكانت هناك تعليقات إسرائيلية بعضها كان يرى أني نموذج لتشجيع السلام، لكنه في المقابل كان هناك آخرون يطالبون بقتلي واستهدافي بالطائرات، لأنهم يرون أنني جئت لاستخدام التلسكوب لعمل دروع بشرية من أجل إيذاء الاحتلال، وفي كل الأحوال ففي داخلي أنا محتسب وجودي في البلد مثل الآخرين، ونحن نؤمن بالله عز وجل وبقوله تعالى "يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه".


هل تنوي الاستمرار في بقائك بغزة؟

بركة: نعم أريد الاستقرار فيها، ولكني سأخرج منها مؤقتا لإجراء بعض الأبحاث العلمية وأعود مرة أخرى، وهناك زيارة قريبة سأقوم بها إلى فرنسا لإنجاز بعض المشاريع العلمية وتعزيز علمي وتعميقه.


كم مكثت في وكالة ناسا، وما هي طبيعة عملك فيها؟

بركة: عملت فترة عام كامل في ناسا، تعلمت واستفدت وعملت أبحاثا في المجموعة الشمسية والطقس والفضاء، وكنت أعمل فيزيائيا ضمن طاقم لحل بعض المشاكل المتعلقة بتأمين بيئة فضائية سليمة للمركبات الفضائية من نشاطات إشعاعية شمسية كهربائية مفاجئة، وحماية رجال الفضاء من هذه الإشعاعات الكونية أو الشمسية بالكهرباء.

هل شعرت بأن الفلسطينيين وأهالي قطاع غزة متقبلون لفكرة الفلك، وما الذي تريد تنميته لديهم؟

بركة: مما لا شك فيه أنني لمست اهتماما وتفاعلا من قبل الناس، وخاصة الأطفال، وشعرت بأنني أسير في الطريق الصحيح، وظهر ذلك من خلال قيامي بتجربة الأجهزة التي جلبتها إلى القطاع، وأصبو لأن يكون عندنا بنية تحتية فلكية، ونأخذ عضوية الاتحاد العالمي للفلك كدولة مستقلة.

كما أريد أن يكون علم الفلك -وهو علم العرب في الأصل- علما رئيسيا ومادة أساسية في الجامعات والمدارس الفلسطينية، وأنا ليس لدي أدنى شك في أن الناس لديهم قدرة على الخوض في المجال الفضائي بعد سنوات قليلة.

هل دفعك استشهاد ابنك إبراهيم للاهتمام بشريحة الأطفال، وجعل جل اهتمامك ينصب عليهم في جولاتك على المدارس؟

بركة: في الحقيقة عملي مع الأطفال رسالة لمن قتل ابني بأنني جئت ليس لتحريض زملائه على القتل، بل جئت برسالة أسمى وأفضل بأن يكونوا علماء في المستقبل ويساهموا في الحضارة الإنسانية والبحث العلمي، وشعرت بمنتهى السعادة وأنا أرى الأطفال يتوافدون للتعرف على المجموعة الشمسية وأسمائها وخصائصها، وكذلك التعرف على النجوم والمجرات عبر التليسكوب، فلأول مرة يرى الطفل الفلسطيني التلسكوب على أرض الواقع، واستطاع أن يرى الفضاء من خلاله، وهذا من أهم الأهداف التي أسعى إليها.


ما الهدف من مشاهدة الأطفال الفضاء عبر التلسكوب؟

بركة: هذا يتيح الفرصة للجمهور للتعرف على الكواكب وقراءتها وأن يراها بوضوح، فأنت عندما تذهب للمتجر لشراء شيء واحد تخرج بعشرة أشياء، وأنت من خلال ذلك تستطيع أن تخلق للمتابع بعض الحوافز وتجعله يفكر ويحلم، وربما يكون من علماء الفضاء في المستقبل، وكذلك توثيق المادة العلمية المتعلقة بالفضاء لدى الأطفال.


ما هي آخر أبحاثك العلمية؟

بركة: من أهم الأبحاث العلمية التي أعمل على إعدادها، والتي تتعلق بالفضاء هي حل بعض المشاكل التي لم تحل منذ أكثر من 30 إلى 40 عاما، والتي ينعكس حلها على التنبؤ والفهم للوصول إلى بيئة فضائية سالمة وآمنة للمركبات الفضائية وأمور تخص الإنسان وممتلكاته المحمولة جوا.


هل ترى أن الوضع الفلسطيني الداخلي المتأزم ينعكس على مسألة الارتقاء بالعلم؟

بركة: صحيح، إن إشغال الناس بالسفاسف والأمور الثانوية يكون على حساب أي إنجاز عملي يؤسس لمستقبل باهر، ولا شك أن حالة الانقسام وأدب الانقسام ومصطلحات الإعلام الذي يمثله قطبا الانقسام، تحبط الكثير من الجهود التي يمكن أن تكون أكثر إنتاجية في خدمة الناس وقضاياهم والارتقاء بالعلم.

ما طبيعة جهاز التلسكوب الذي جلبته؟ وكيف تم إدخاله إلى غزة؟ وهل تخشى أن يلاحق الجهاز من قبل الاحتلال؟

بركة:

"
مادتي هي البشر، والبشر في هذا البلد من خيرة خلق الله، وأنا ثقتي فيهم عالية بعد الله، فهم يستطيعون أن ينجحوا، وأنا من هذا البلد وتعلمت في هذا البلد، ولم أتلق تعليما أفضل من تعليمهم
"
هو عبارة عن جهاز مبرمج ويعمل على الأقمار الصناعية ويعمل على تكبير الأشياء، وهو متقدم نوعا ما، ولكنه ليس شيئا خارقا للعادة، في أوروبا يمكن أن تمتلكه بكل سهولة ومتوفر بشكل كبير، لكن وجوده في غزة في ظل الحصار له خصوصية ووضع آخر، حيث ساهمت بعض الدول والأطراف السياسية في إدخاله إلى قطاع غزة، ولا أخشى أن تلاحق إسرائيل هذا الجهاز لأنه لا يشكل أي خطر على أمنها.


هل هناك علماء فلك فلسطينيون غيرك خارج وداخل فلسطين؟

بركة: هناك العديد من العلماء الفلسطينيين المتخصصين في هذا المجال والمنتشرين في داخل فلسطين وخارجها، والذين لا يعلم الناس عنهم أي شيء، فهناك البروفيسور عماد البرغوثي الباحث في علم الفضاء من مدينة رام الله، والبروفيسور عصام النمر من مدينة جنين، الذي كان ممن ساهموا في إرسال أول مركبة محمولة إلى الفضاء عام 1969.

فالعلماء الفلسطينيون يعتبرون من أبرز العلماء الذين شاركوا في النهضة الفلكية للفضاء في العالم، ولكنهم موزعة أسماؤهم على جنسيات في دول تتلقفهم وتعتبرهم من خيرة أبنائها.


ما هي رسالتك إلى الفصائل وكافة الأطراف المتنازعة في غزة؟

بركة: الانقسام الفلسطيني هو استجابة لنظرية الاستكبار العالمي لتفسخ الأمة إلى جزئيات، ومنها طرد روح التعاون بينها المبني على أساس الدين واللغة والهم والقضية، فالتفسخ الموجود في فلسطين هو ثمرة عملية لتفسخ الوطن العربي والعالم الإسلامي، ومحاولة سيادة الدولة الإقليمية على حساب الدولة القومية أو البعد الديني.

فالانقسام في الساحة الفلسطينية ضربة من الضربات القاضية التي وجهها الاستعمار والاستكبار العالمي للقضية العربية، وعلى رأسها قضية فلسطين، فالوحدة مهمة جدا لأنه ما بقيت كلمة سيئة إلا واستخدمتها الأطراف المتنازعة ضد بعضها، من تخوين وتبعية وغيرها، وهذا أشبة بوصمة عار، وسئمنا من الفصائل واستخدامها مصطلحات الضعف، فالمطلوب منا أن ندع كل هذه الخلافات، وهي إذا وزنتها لا تساوي شيئا، لأن التصارع هو على سلطة لا سلطة فيها، نحن دون المستوى المطلوب، وفلسطين أعلى منا جميعا.


ما الذي يمكن أن تقوله للباحثين في غزة وطلبة العلم؟

بركة: ليس عندي ما أقوله لأي إنسان سوى أننا بالعمل نستطيع أن نحقق ما نصبوا إليه، فالإنسان مهيأ للبحث، ولكن الدول تكبر وتنمو بإستراتيجيتها في تحديد أهداف البحث العلمي، ولا بد من السعي الدؤوب في غزة من أجل أن تصبح منارة علم، ويكون لدينا جيل متميز لديه القدرة على الخوض في مجال البحوث الفضائية، وغيرها من العلوم التي تسمو بها الأمة الإسلامية والعربية.

المصدر : الجزيرة
كلمات مفتاحية:

التعليقات