الأمين العام السابق لجبهة العمل الإسلامي في الأردن زكي بني ارشيد  (الجزيرة نت)

حاوره في الدوحة: حسين جلعاد
 
رجح الأمين العام السابق لحزب جبهة العمل الإسلامي الأردني زكي بني ارشيد أن تتمخض موجات الغضب الشعبي ضد انتهاك المقدسات الإسلامية بفلسطين عن أشكال جديدة من الانتفاضات قد تغير شكل الأنظمة العربية، وخصوصا تلك التي تقيم علاقات سياسية مع إسرائيل مثل مصر والأردن.

وأبدى بني ارشيد تشاؤمه حيال حدوث إصلاح سياسي حقيقي في بلده الأردن ما دامت قواعد اللعبة السياسية محكومة بشروط الخارج، واستبعد أن تجرى الانتخابات النيابية فعلا خلال الفترة المحددة لها من قبل الحكومة الأردنية في الربع الأخير من العام الجاري.

وقلل القيادي الإسلامي من شأن الخلافات الدائرة في حركته، وقال إن مفاهيم مثل الانشقاق والانقسام لا وجود لها في فكر منتسبي الحركة الإسلامية في الأردن.

هناك أحاديث تقول إن الخلافات داخل الحركة الإسلامية في الأردن وصلت حدود الانشقاق، كيف توصف الحالة؟ هل هي انشقاق فعلا أم حالة من الخلافات الحادة؟
 
بني ارشيد: اختلاف وجهات النظر داخل الحركة الإسلامية لم يكن في يوم من الأيام غائبا عن المشهد السياسي الإسلامي. كانت الاختلافات موجودة في السابق وهي موجودة حاليا، ولا أحد يسعى لإنهاء الخلاف في وجهات النظر، ونحن ننظر إلى ذلك بوصفه نوعا من التعددية والإثراء للحركة الإسلامية، ويمكن أن يؤدي إلى تطوير أداء الحركة.

أما الحديث عن موضوع الانشقاق، فنقول إن ثقافة الانقسام والانشقاق ليست موجودة داخل الحركة، وأثبتت التجارب أن الحركة الإسلامية مرت بمنعطفات أكثر تأزما مما هو الآن لكنها خرجت متماسكة، وعليه فإنه في تقديري لا توجد إمكانية أو احتمالية لموضوع الانقسام أو الانشقاق، وذلك لسبب بسيط وهو أن من يسعى لتأسيس أي انشقاق داخل الحركة الإسلامية في الأردن إنما يخرج إلى الفراغ ولن يكون له أي قيمة أو وزن.
 
"
إن ثقافة الانقسام والانشقاق ليست موجودة داخل الحركة الإسلامية في الأردن، وأثبتت التجارب أن الحركة مرت بمنعطفات أكثر تأزما مما هو الآن، وخرجت منها متماسكة
"
كانت هناك محاولات خروج من الحركة الإسلامية لكنها فقد قيمتها ووزنها، وباختصار فإن القيمة الحقيقية لأي جزء من الحركة هو الالتحام بها وليس الانشقاق عنها، وعليه فإنني لا أرى إمكانية لحدوث انشقاق أو انقسام.
 
إثر الاعتداءات الصهيونية الأخيرة على المسجد الأقصى، دعا المراقب العام لجماعة الإخوان المسلمين في الأردن الدكتور همام سعيد إلى مهاجمة الأهداف اليهودية داخل الأردن والعواصم العربية والإسلامية، هل تتحمل الحركة الإسلامية الكلفة السياسية لذلك؟ وهل تؤثر تلك الدعوة على علاقة الإسلاميين بالنظام الأردني؟
 
بني ارشيد: هذا يحتاج إلى تفسير ما الذي قصده فضيلة الشيخ همام من هذا التعبير، ولكن في المجمل، أود أن أعبر عن وجهة نظر الحركة الإسلامية، وهو موقف معترف به وثابت من ثوابتها، وهو أن الحركة الإسلامية لا تعتمد استهداف الأهداف اليهودية لا في الأردن ولا في غير الأردن.

وأزيد أيضا، حتى إن حركة المقاومة الإسلامية (حماس) في صراعها القوي والحاد مع العدو الصهيوني لا تستهدف إلا الأهداف الصهيونية داخل فلسطين بالتحديد، وإذا كانت صدرت تصريحات في هذا الخصوص فإني أفهمها شخصيا على أن المقصود هو استهداف سياسي إعلامي معنوي، لكن لا يمكن أن يكون بأي حال من الأحوال بمفهوم الاستهداف المادي، أي القيام بأعمال عنف ضد أهداف يهودية خارج الأرض الفلسطينية.
 
 إذن كيف كان تأثير تلك الدعوة على علاقة الحركة الإسلامية مع النظام الأردني؟
 
بني ارشيد: لم ألمس أي إضافة نوعية في طبيعة العلاقة بين الحركة والنظام الأردني ناشئة أو ناتجة عن هذه الدعوة والإعلان عنها، لاسيما أن العلاقة أصلا ليست ودية ويشوبها التوتر والاحتقان منذ فترة من الزمن، وهي لم تبدأ من هذا التصريح ولا من قبل سنة أو سنتين، وإنما هناك سياسة أردنية تحاول محاصرة وإضعاف وتهميش الحركة منذ أواسط العقد الثامن من القرن الماضي.
 
وهذه السياسة مستمرة وفي حالات تصعيدية وربما تمر أحيانا بحالات برود أو هدوء، لكن المسار العام هو أن السياسة الأردنية -وتحديدا بعد توقيع اتفاقية وادي عربة (مع إسرائيل)- قد أصبحت في مسار آخر يهدد ويحاصر كل قوى المعارضة الأردنية وفي طليعتها الحركة الإسلامية، وأعتقد أن جزءا من هذا الاستحقاق الذي تدفعه الحكومة الأردنية هو الاستجابة للإملاءات والأجندة الأميركية والصهيونية.
 
نعم.. هذا يقودنا إلى الحديث عن شق آخر من المعادلة الداخلية الأردنية، حيث تستعد البلاد الآن لانتخابات نيابية والعمل جار على تعديل قانون الانتخاب، ما قراءتك للمشهد الأردني القادم بهذا الصدد، خصوصا في ظل ما أسميته "الاحتقان" بين الحركة الإسلامية والنظام الأردني؟

"
ما لم يجر تغيير في قواعد اللعبة السياسية الأردنية الداخلية، بمعنى وجود إرادة سياسية أردنية جادة في موضوع الإصلاح والتغيير، فلا يمكن أن يكون لدينا أدنى أمل أو تفاؤل بإنتاج شيء إيجابي لصالح الأردن
"
بني ارشيد: ما لم يجر تغيير في قواعد اللعبة السياسية الأردنية الداخلية، بمعنى وجود إرادة سياسية أردنية جادة في موضوع الإصلاح والتغيير، فلا يمكن أن يكون لدينا أدنى أمل أو تفاؤل بإنتاج شيء إيجابي لصالح الأردن، أو لتحقيق مصالح الأردن العليا من خلال ما يسمى الانتخابات النيابية.

الانتخابات النيابية أفرغت من مضمونها، وهي مجرد شكل ديكوري للحديث عن وجود حياة ديمقراطية وإصلاح سياسي، ولكن الحقيقة أن القواعد الناظمة والحاكمة للأداء السياسي -وخاصة فيما يتعلق بالانتخابات- هي قواعد تضبط المخرجات من خلال ضبط المدخلات والإجراءات التي ترافق العملية الانتخابية، وعليه فلست متفائلا، لأنني لم ألمس وجود إرادة سياسية لإحداث نقلة نوعية أو إصلاح، أو ما يسمى التحول الديمقراطي الحقيقي.
 
الأردن معني بإبراز صورة للخارج على أساس أنه يمارس الحياة الديمقراطية، ولكن في الداخل هو يمارس حياة عرفية تحت عنوان وعباءة ديمقراطية زائفة، وعليه فلست واثقا ابتداء من أن الانتخابات ستجرى فعلا في الربع الأخير من العام الجاري.

وأنا مقتنع بأنه إذا جرى تغيير في قانون الانتخاب فسيكون تغييرا طفيفا شكليا لا يؤثر في نتائج الانتخابات، بمعنى أنه لا يمكن التعويل على مخرجات العملية البرلمانية، ولا يمكن أن تفضي إلى مجلس نواب يمثل حقيقة وتوجهات الشعب الأردني.

وبدون تغيير حقيقي في القانون فإنه لا يمكن لنا أن نتحدث عن تغيير ديمقراطي أو إصلاح سياسي، أو انتخابات حقيقية تعبر عن طموحات الشعب الأردني.

 لقد تحدثت عن وجود إصلاح شكلي في الأردن، ما هو الإصلاح الذي ينشده الإسلاميون؟
 
بني ارشيد: الإصلاح الذي يريده الوطنيون الأردنيون أو القوى الوطنية الأردنية سواء كانت معارضة أو غير معارضة، يبدأ من وجود إرادة سياسية بإصلاح حقيقي، إزاحة نخب الفساد التي استأثرت بالسلطة والنفوذ والقرار زمنا طويلا، فاجتمعت في يدها السلطة المطلقة فأصبحت تنتج فسادا مطلقا، أصبحنا نلمس آثاره في شكل مديونية مرعبة، فالحديث يجري الآن عن ديون قدرها 12 مليار دينار، وهو رقم خيالي لم يكن أحد يتوقع حصوله.

المطلوب الآن تغيير قانون الانتخاب، ونرى أن الصيغة المثلى هي القائمة النسبية التي تحقق صيانة الوحدة الوطنية، وحضورا لكل القوى السياسية الأردنية، بحسب حجم كل منها وما يمثله.

"
المواطن الأردني مسكون بهاجس التزوير، والأردن والمواطن والجمهور الأردني بحاجة إلى إعادة الثقة بالعملية الانتخابية

"
إضافة إلى ضمان الإجراءات المرافقة للعملية الانتخابية والمقصود منها حماية نزاهة الانتخابات، إذ إن ما جرى عام 2007 كان -بشهادة مسؤولين أردنيين ومراكز حقوقية- أسوأ انتخابات شهدها الأردن في تاريخه.
 
المواطن الأردني مسكون بهاجس التزوير، والأردن والمواطن والجمهور الأردني بحاجة إلى إعادة الثقة بالعملية الانتخابية، وبدون هذه الثقة أعتقد أن العملية ستبقى تدور في دائرة مفرغة وشكلية لن تفضي إلى تحمل المجتمع الأردني لمسؤوليته من خلال المشاركة في صناعة القرار.

 معروف أن الأردن من البلدان الأكثر تغييرا للحكومات، ومع ذلك فإن أردنيين كثيرين وبعض القوى الوطنية والمعارضة يشكون من أنه لا يكاد يحدث تحسن في حياة الأردنيين، وخصوصا في الجانب الاقتصادي، كيف تنظرون إلى هذه التغييرات الحكومية دون أن يلمس الناس تغييرا ملموسا؟
 
بني ارشيد: التغييرات المستمرة في الحياة السياسية الأردنية سواء كانت على مستوى الحكومة أو غيرها، مثل حل مجلس النواب، أو إجراء انتخابات، أو طرح مشروعات متعددة بدءا من "كلنا الأردن" و"الأجندة الوطنية" و"الأردن أولا" ومشروع الأقاليم وغيرها، كل ذلك عبارة عن هروب إلى الأمام ومحاولة لإشغال الرأي العام الأردني بوجود مشاريع تطرحها المؤسسة الرسمية باستمرار، وتشغل بها الأردنيين والنخب والصالونات السياسية والإعلام.

وعمليا لا يوجد تغيير، لأن كل ما يجري الحديث حوله هو تغيير شكلي بما فيه تغيير الحكومات، وما دامت قواعد اللعبة الحاكمة والناظمة للعملية السياسية الأردنية ثابتة، فإنه لا يمكن الحديث عن خروج من مأزق.

أعتقد أن المأزق الأردني يواجه مشكلة كبيرة جدا، فتلاحظ مثلا أن الحكومة الأردنية الجديدة بدأت عملها، وبدأت معه جملة من الأزمات، سواء في موضوع وزارة الزراعة وبروز مشاكل فساد وسرقات، إضافة إلى موضوع الصحة، وأخيرا موضوع وزارة التربية والتعليم حيث كانت نتائج الثانوية العامة فضيحة غير مسبوقة في تاريخ الأردن، وأخيرا حديث وزير التربية والتعليم عن المعلمين بلغة غير لائقة، والآن يكاد يوجد شبه شلل في العملية التربوية والتدريسية.

وتتعاطى الحكومة مع كل ذلك بشكل جزئي ومفرغ، ولا توجد رؤية إستراتيجية للتعامل مع مشاكل الوطن، وعليه فكل ما يجري من تغيير هو شكلي ولا يمس الجوهر، ولا يصل إلى المضمون.
 
  بعد عملية خوست دعت القوى الوطنية والإسلامية المعارضة عموما إلى عدم توريط الأردن فيما يمكن تسميته بتقديم خدمات أمنية إلى الولايات المتحدة، سواء في المنطقة أو خارج الإقليم، فهل لقي ذلك صدى من النظام الأردني؟
 
"
عمليا لا يوجد تغيير في الأردن، لأن كل ما يجري الحديث حوله هو تغيير شكلي بما فيه تغيير الحكومات
"
بني ارشيد: للأسف لم يجد صدى، وإنما قامت الحكومة عبر وسائلها وأدواتها المختلفة سواء الرسمية وغير الرسمية بالتصعيد ضد القوى الوطنية، وقامت الحكومة باعتقال اثنين من أبرز الناشطين السياسيين الوطنيين في الأردن وهما د. سفيان التل والكاتب الصحفي موفق محادين، ثم كان بعد ذلك إصرار على إعلان موقف تساوق مع الموقف الأميركي بما يسمى دور الأردن في محاربة "الإرهاب"، لذلك وجدنا ثمرة هذا التوريط ما أعلن في باكستان بالأمس، حيث جرت محاولة لاختطاف السفير الأردني.

إذن هناك خدمات يقدمها الأردن إلى الإدارة والمؤسسات الأميركية وخاصة في المجال الاستخباري والأمني بالمجان ودون مقابل، والأردن عموما هو الذي يدفع ثمن هذا التوريط.

ولنؤكد مرة أخرى كقوى وطنية أن تلك الحروب ليست حروبنا، تناقضنا الرئيسي ليس مع إيران وأفغانستان، بل تناقضنا هو مع العدو الصهيوني الذي بات يهدد الأردن ككيان وكدولة وكمستقبل، من خلال تبني مشروع الوطن البديل.

 حسناً، في هذا السياق ما هو المطلوب عربيا وإسلاميا لحماية المقدسات الإسلامية؟
 
بني ارشيد: أعتقد أن السؤال الذي يجب أن نبدأ به هو: هل المؤسسات الرسمية العربية كدول وكجامعة الدول العربية قادرة على أن تفعل شيئا أو ليست قادرة؟، هذا ما يمكن أن يقودنا بعد ذلك إلى السؤال الثاني.

في اعتقادي واعتقاد القوى الوطنية في الأردن وغيره، نعم نحن قادرون على أن نصنع أشياء كثيرة جدا لو أردنا، فيبقى السؤال: هل توجد إرادة أم أنها مفقودة؟
 
أعتقد أن غياب الإرادة عن فعل شيء هو الذي يضعف الموقف العربي، وهو الذي يغري بنيامين نتنياهو بصلف غير معهود في مقابل تنازلات رسمية عربية بشأن إجراء مفاوضات غير مباشرة بغطاء عربي رسمي، فهو يمارس مرحلة غير مسبوقة من الاستيطان في القدس، وعملية تهويد في القدس والخليل والمقدسات.

"
أعتقد أن مصر والأردن تحديدا -وهما الدولتان اللتان تقيمان علاقات مع الكيان الصهيوني- قادرتان على أن توقفا هذه الغطرسة الصهيونية
"
الأردن رفض الحديث في أي موضوع يتعلق بالقدس أو أي خصوصية، علما بأنه حتى اتفاقية عربة -التي وقعها الأردن مع الإدارة الصهيونية- تنص على دور الأردن في رعاية المقدسات في المدينة المقدسة، إذن هناك اختراق لكل السيادات، وهناك استهتار من قبل نتنياهو وإدارته بكل المؤسسات الرسمية العربية، وهناك ضعف غير مبرر.
    
نعم مؤسسات الدول العربية قادرة لو أرادت أن تصنع شيئا، وأعتقد أن مصر والأردن تحديدا -وهما الدولتان اللتان تقيمان علاقات مع الكيان الصهيوني- قادرتان على أن توقفا هذه الغطرسة الصهيونية من خلال إعادة النظر في الاتفاقيات، إذ لا مبرر بعد ذلك لبقاء اتفاقية وادي عربة فاعلة ما دام أن الخطر لم يزل عن الأردن، وما دام أن التهويد قادم والاستيطان مستمر في القدس وغيرها.
 
 إذن.. بعيدا عن العجز الرسمي العربي، هل تراهنون على انتفاضة شعبية جديدة في فلسطين؟

بني ارشيد: من خلال قراءتي، أعتقد أن الاحتقان والتوتر في الضفة الغربية وصل إلى مديات غير مسبوقة، فهناك قمع وهناك محاولة لمنع أي جهد وطني فلسطيني للإعراب عن رفض مخططات الاستيطان والاستعمار.

وفي تقديري أن هذه الظروف هي المناسبة جدا للانطلاق في انتفاضة ربما تأخذ أشكالا أخرى، ليس في فلسطين فقط، وإنما قد تكون هناك انتفاضات في عدة دول عربية، وربما تكون مصر أول دولة عربية مرشحة ليجري فيها مثل هذا التغيير، وذلك لعدة اعتبارات سواء كان لموقفها المخزي تجاه غزة أو لضعف بنية النظام المصري، خاصة في زمن ضعف صحة الرئيس المصري حسني مبارك وعدم وضوح البديل.

المصدر : الجزيرة