طلال أبو غزالة: العالم يشهد حاليا ميلاد نظام اقتصادي عالمي جديد (الجزيرة نت-أرشيف)

حاوره بأبو ظبي: جهاد الكردي

أكد طلال أبو غزالة رئيس مجموعة أبو غزالة الدولية، رئيس الائتلاف العالمي لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات والتنمية التابع للأمم المتحدة، أن منطقة الخليج مقبلة على طفرة جديدة من الرخاء، مشيرا إلى أنها لم تتأثر تأثرا كبيرا بتداعيات الأزمة المالية العالمية بسبب قوة أسسها الاقتصادية ونعمة النفط.

ولفت في حوار مع الجزيرة نت على هامش اجتماع الدورة الرابعة للائتلاف العالمي لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات والتنمية في أبو ظبي الذي انعقد يومي 5 و6 ديسمبر/كانون الأول الجاري، إلى أن العالم يشهد حاليا ميلاد نظام اقتصادي عالمي جديد لا تهيمن عليه أميركا وأوروبا ويبزغ فيه نجم مناطق ودول صاعدة مثل الصين والهند ودول الخليج، موضحا أن مجموعتي السبع الكبار والعشرين ليس لها فاعلية حاليا.

كما توقع أن يشهد العقد الجاري ميلاد عملة عالمية جديدة بديلة للدولار. وفيما يلي نص الحوار:

كيف ترى اقتصاد دول الخليج العربي بعد مرور عامين على الأزمة المالية العالمية؟

في رأيي لقد انتهت الأزمة المالية العالمية، ودخلت الولايات المتحدة وبلدان الاتحاد الأوروبي مرحلة الأزمة الاقتصادية وهو ما نشاهده حاليا من انهيارات متتالية لاقتصادات دول غربية. لكن في منطقة الخليج بصفة خاصة والمنطقة العربية بصفة عامة لم ولن تتحول الأزمة المالية إلى أزمة اقتصادية.

 

وأعتقد أن أساسيات اقتصادات الخليج قوية بل إن بعض دوله ستحقق نموا غير عادي في العام المقبل مثل قطر، حيث من المتوقع أن تزيد نسبة النمو عن 20% وهي نسبة أعلى بأضعاف من نسب النمو في دول كأميركا أو أوروبا.

 

ولا أزال أعتقد أن دول منطقة الخليج مقبلة على عهد جديد من الرخاء بسبب البترول. وعندما أكدت منذ أربع سنوات أن سعر برميل النفط سيصل عام 2010 إلى 100 دولار كان الجميع ينظر إلى بدهشة واستغراب، ولكن ما تنبأت به يتحقق حاليا إذ وصل سعر البرميل أول أمس إلى 92 دولارا، وأعتقد أن هذه البلدان ستوجه جزءا كبيرا من إيراداتها إلى التعليم والصحة ومشاريع البنية التحتية مما يضمن ازدهارا لها خلال السنوات القليلة المقبلة.

 

"
انتهت الأزمة المالية العالمية ودخلت الولايات المتحدة وبلدان الاتحاد الأوروبي مرحلة الأزمة الاقتصادية، وهو ما نشاهده حاليا من انهيارات متتالية لاقتصادات دول غربية
"

كما أعتقد أن ثقل الدور التنموي والسياسي لدول الخليج على المستوي العربي والعالمي سيتزايد خلال السنوات المقبلة، ولا بد لهذه الدول بفضل ما لديها من إمكانات ومن خلال حسن إدارتها لثروتها أن تجعل من محيطها العربي قوة اقتصادية وسياسية مهمة وذلك عبر الوصول إلى إطار عربي أوسع يستطيع أن يخدم تنميتها.

 

قد أصبحنا نرى بعضا من دول مجلس التعاون تقوم بدور أساسي في قضايا مهمة عربيا وعالميا، والدليل على ذلك دور قطر والسعودية، كما أعتقد أن لهذه الدول دورا كبيرا في توطيد علاقة العالم العربي بالصين القوة الصاعدة الأقوى في النظام الاقتصادي العالمي الجديد. وأعتقد أن السنوات المقبلة ستشهد إحياء لما يعرف بطريق الحرير وذلك من خلال سوق اقتصادي يربط دولنا العربية بالصين مما يدفع لإنشاء تكتل اقتصادي مهم للغاية. وأنا من المؤمنين بأن الخير يأتينا من الشرق.

 

 لكن اقتصادات وتجارة وعملات دول الخليج العربية ما زالت مرتبطة بأميركا وأوروبا، وقد كشفت الأزمة المالية العالمية تضرر بلدان الخليج بسبب هذه العلاقة الوطيدة.

  

يجب أن نؤمن بأن عالمنا منذ 15 سبتمبر/أيلول 2008 قد تغير كليا، فلم يعد النظام الاقتصادي العالمي القائم على هيمنة أميركا وأوروبا على العالم متواجدا بل انتهى كليا إلى غير رجعة. والشاهد على ذلك هو أن الانكماش بل والانهيار الذي يعيشه اقتصاد أميركا والعديد من بلدان أوروبا لم نشهد له مثيلا في بلدان الخليج أو الصين أو الهند. نعم، تأثرت نسب النمو في هذه الدول لكن لم نشهد انهيارها كما كان يعتقد سابقا، كما تغيرت نظرة قادة أميركا بصورة جذرية للعالم حيث سمعنا الرئيس الأميركي باراك أوباما يقول منذ أيام أثناء زيارته لكوريا إن ازدهار أميركا يعتمد على ازدهار آسيا. كما أكد سابقا أن ازدهار أميركا يتوقف على ازدهار الصين.

 

وبلا شك هذه ثقافة اقتصادية جديدة تناقض الثقافة الاقتصادية التي كانت سائدة أيام بوش الابن الذي قال في أواخر أيام فترته الرئاسية "لا يجوز ترك أي دولة تخرج مستفيدة من الأزمة المالية العالمية".

 

وأعتقد أن مجموعة السبع الكبار عفا عليها الزمن ودخلت في ذمة التاريخ، فكيف يكونون كبارا ومؤثرين وبينهم ثلاث دول متعثرة واقتصاداتها معرضة للانهيار. كما أعتقد أن مجموعة العشرين لن تكون مؤثرة حيث كوّنها الرئيس الأميركي السابق جورج بوش الابن على عجلة من أمره.

 

والأمر المثير للعجب أن أسس نهوض وقوة الدول والأمم تتغير حاليا بشكل كبير. فخلال السنوات الماضية كان الاعتقاد السائد أن الدول ذات الكثافة السكانية الأعلى مثل الصين والهند لن تحقق صعودا بسبب كثرة عدد سكانها، لكننا سمعنا أخيرا لمدير صندوق النقد الدولي كلاما جديدا يناقض ذلك ويؤكد أن قوة البلدان خلال السنوات المقبلة لا تعتمد على إمكانياتها الصناعية بل تعتمد بشكل رئيسي على عدد سكانها. وأكد أن الاقتصادات الواعدة خلال السنوات المقبلة هي اقتصادات البرازيل والصين والهند ودول الخليج حيث إن مواردها البشرية تعد المحرك الأساسي في نموها الكبير.

 

"
ثقافة أميركا الاقتصادية الجديدة تناقض الثقافة الاقتصادية التي كانت سائدة أيام بوش الابن الذي قال في أواخر أيام فترته الرئاسية "لا يجوز ترك أي دولة تخرج مستفيدة من الأزمة المالية العالمية"

"

واليوم نري غالبية أجهزة الحاسوب مصنعة في الصين والهند، ولتجارة هذه الدول أسواق ضخمة سواء في داخل بلدانها أو في أميركا وأوروبا أو في آسيا وأفريقيا. ولن تستطيع أميركا مهما أوتيت من قوة أن تقف ضد صادرات الصين سواء في أميركا نفسها أو في أية بقعة أخري من العالم، الأمر الذي يؤكد لنا أننا أمام نظام اقتصادي عالمي جديد لا تهيمن عليه أميركا وأوروبا.

 

وعلينا نحن العرب والخليجيين أن ننتبه لذلك مبكرا ونوثق علاقتنا مع الصين بشكل أكبر, خاصة أنني أتوقع أن تستمر تأثيرات الأزمة المالية الخطيرة على أميركا وأوروبا لعدة سنوات مقبلة. وينبغي أن لا نأمل في انتعاش قريب لهم مطلقا.

 

وأعتقد أن ما نسمعه عن انتعاش في الغرب هو مجرد تمنيات، فعجز الموازنة يتزايد بشكل لا مثيل له في تاريخه، وكذلك عجز مماثل في الميزان التجاري والحساب الجاري وزيادة ضخمة في المديونية وارتفاع البطالة. 

 

 ألا تعتقد أن رؤيتكم المتفائلة جدا إزاء أوضاع اقتصادات دول المنطقة تتناقض مع ما نعيشه حاليا من حالة شبيهة بالكساد في بعض دولها وتراجع كبير في أسواق المال والعقار؟

 

أنا أؤكد أن بلدان الخليج تأثرت بالأزمة المالية العالمية لكن لا بد أن نفرق في حديثا بين الضرر على مستوى الاقتصاد الحقيقي أو الإنتاجي، وبين الاقتصاد المالي أو الافتراضي الذي يتمثل بصورة أساسية في أسواق المال والمصارف.

 

ودعني أسألك هل أدت الأزمة المالية العالمية إلى توقف المصانع والشركات في الخليج؟ وهل سمعنا عن ظواهر إفلاس لشركات ومصارف كما حدث في أميركا وأوروبا؟ نعم، لا خلاف على أن أسواقنا المالية تراجعت بشكل كبير لكن أسواق المال لا تشكل أية إضافة حقيقية للدخل القومي ولو ارتفعت الأسواق أو انخفضت بمليارات الدولارات فإنها لا تؤثر في الدخل القومي لأية دولة.

 

وينبغي أن نضع الأمور في نطاقها الصحيح، فدبي فقط هي التي تأثرت وتضررت بشكل أكبر بالأزمة المالية العالمية، والسبب في ذلك هو أن دبي تعد الآن واحدة من أكبر المراكز المالية الخمسة في العالم وبالتالي اهتم بها العالم من هذه الزاوية فقط. لكن على مستوى اقتصاد دبي الحقيقي فإن الوضع لم يكن سيئا جدا كما صوره الإعلام الأجنبي ولم نسمع عن حالات إفلاس وانهيار لبنوك وشركات، ولم نسمع عن تزايد مخيف لمعدلات البطالة أو عجز فادح في الميزانية أو مدينونية ضخمة يستحيل سدادها.

 

"
الحملة الإعلامية الغربية التي تعرضت لها دبي كانت مقصودة، لأن الغرب وأميركا لا يريدون لأي نموذج عربي أو إسلامي أن يبزغ

"

وبكل تأكيد فإن الأساسيات الاقتصادية لم تتأثر وما عليك إلا أن تنظر للبنية الاقتصادية العامة وليس إلى قطاعي العقار والمال فقط، وما نراه حاليا هو مشكلة نقص في السيولة لدى بعض البنوك والمؤسسات والشركات العقارية، كما أن مشتري الوحدات العقارية لديهم صعوبات في سداد قيمة وحداتهم التي تراجعت قيمتها كثيرا. وإن كانت القيمة لا تزال في حالات كثيرة أعلى من سعر الشراء لكن الأفراد يقارنون بأعلى سعر وصلته أيام المضاربات ويعتبرون أنفسهم خاسرين، لأن قيمة الوحدات أقل من تلك الأسعار الوهمية. وفي الحقيقة هم ما زالوا رابحين مقارنة بسعر الشراء وهذه حقيقة يعرفها الجميع.

 

وأعتقد أن الحملة الإعلامية الغربية التي تعرضت لها دبي كانت مقصودة، لأن الغرب وأميركا لا يريدون لأي نموذج عربي أو إسلامي أن يبزغ.

 

وقد أكدت الأزمة المالية أن الغرب هو الغرب ولا يحب لنا النهوض. فعلى الرغم من أن دولنا كانت هي الضحية للأزمة المالية العالمية التي لم نصنعها بل وردتها لنا أميركا والغرب، فقد هاجمونا أشد هجوم مؤكدين أن استثماراتهم تعرضت لخسائر فادحة ونسوا أن هذه الاستثمارات في مراحل سابقة أيام الازدهار كانت تحقق أرباحا خيالية. وهذا يؤكد أن الغرب ينظر لمنطقتنا كمصدر للربح وسوق لاستثماراتهم وليس شريكا اقتصاديا حقيقيا.

 

  أكدتم سابقا أن العالم مقبل على عملة جديدة بديلة الدولار، فهل تعجل الأزمة المالية العالمية بتأثيراتها على اقتصادات غالبية دول العالم بهذه العملة؟

 

أعتقد أن العقد الحالي من القرن الحادي والعشرين لن ينتهي إلا بظهور العملة الجديدة. وقد أثبتت الأزمة المالية العالمية بما لا يدع مجالا للشك أن الدولار كان وبالا على العالم وفي مقدمته أميركا. واليوم داخل أميركا نسمع ونشاهد خبراء أميركيين يطالبون بالعملة الجديدة، وأعتقد أنه لا يوجد بديل أمام أميركا خلال السنوات العشر المقبلة إلا العملة الجديدة، ويعتبرها هؤلاء الخبراء في مصلحة الاقتصاد الأميركي لأن تجربة الأزمة المالية العالمية أثبتت لهم أنه طالما كان الدولار عملة الاحتياط والأسعار والتعامل الرئيسية فإن انخفاضها سيكون مأساويا على الاقتصاد الأميركي نفسه، وهو ما حدث بالفعل لأنه لو لم تكن هناك عملة الدولار المهيمنة على العالم اليوم لما شهدت أميركا هذا التراجع السريع.

 

ومن المهم التأكيد على أن المطالبة بالعملة الجديدة لم تكن وليدة الأزمة المالية العالمية الراهنة، بل نادت بها بريطانيا خلال محادثات بريتون وودز قبل نحو 65 عاما، وبعدها بسنوات طويلة ظهرت حقوق السحب الخاصة. وأعتقد أن العملة الجديدة ستكون شبيهةً بها مع التأكيد على أن اليورو يستحوذ حاليا على 30%، واليوان الصيني على 20% من إجمالي التعاملات العالمية، مما يعني أننا نسير تدريجيا نحو تجزئة العملات حاليا، وهذا أمر جيد ويشجع على ظهور العملة الجديدة.

 

 ترأستم اجتماعات الدورة الخامسة للائتلاف العالمى لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات والتنمية التابع للأمم  المتحدة في أبو ظبي، فكيف ترى المنطقة الخليجية اليوم في مضمار تكنولوجيا المعلومات؟

 

هذا الائتلاف تأسس عام 2006 بدعم من الأمم المتحدة بوصفه منبرا عالميا لوضع رؤية مؤتمر القمة العالمي حول مجتمع المعلومات موضع التنفيذ العملي، وطالبني الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون منذ ثلاثة أيام بأن أستمر في رئاسته لتنفيذ مشاريعه التقنية وأبرزها مشروع المعاون الإلكتروني الذي سيتم نشره بالمجان على العالم خلال شهر مارس/آذار المقبل.

 

وأعتقد أن المنطقة العربية تحقق حاليا إنجازات كبيرة في مجال تكنولوجيا المعلومات والاتصالات. وعلى سبيل المثال نحقق حاليا أعلى مستويات النمو في الدخول إلى الإنترنت حيث سجل المعدل زيادة تصل إلى خمسة أضعاف مقارنة بمعدلات الزيادة العالمية خلال العشر سنوات الماضية حيث ارتفع عدد المواطنين العرب الذين يتصلون بالإنترنت من 20 مليون شخص عام 2000 إلى 65 مليون شخص عام 2010.

"
إننا بحاجة ملحة إلى زيادة الإنفاق على البحث العلمي في المنطقة العربية حيث إن هذه النسبة حاليا أقل من 1% من الناتج الإجمالي

"

 

وأعتقد أن ما ينقصنا هو الإرادة. كما أعتقد أننا بحاجة ملحة إلى زيادة الإنفاق على البحث العلمي في المنطقة العربية حيث إن هذه النسبة حاليا أقل من 1% من الناتج الإجمالي بينما تصل في الدول الأورةبية إلى 10% في المتوسط.

 

سيتم خلال الأسبوع الحالي إطلاق المنظمة العربية للبحث العلمي والتعليم تحت مظلة الجامعة العربية.

 

ولا بد أن نهتم بالتعليم حيث إن الدول العربية بحاجة ملحة إلى اختراع نظام تعليمي جديد يصلح للمجتمع الرقمي. وينبغي أن نعطي أهمية لقطاع تكنولوجيا المعلومات ونزيد استثماراتنا فيه حيث إن هذا القطاع يعد الوحيد الذي لم ينكمش خلال الأزمة المالية العالمية بل حقق تباطؤا محدودا في النمو وعاد مؤخرا إلى نموه السابق ومن المتوقع أن تتضاعف الاستثمارات الموجهة إليه.

المصدر : الجزيرة