بن مخلوف: مسلمو أوروبا جسر تواصل
آخر تحديث: 2010/12/29 الساعة 19:30 (مكة المكرمة) الموافق 1432/1/24 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2010/12/29 الساعة 19:30 (مكة المكرمة) الموافق 1432/1/24 هـ

بن مخلوف: مسلمو أوروبا جسر تواصل

بن مخلوف قال إن على مسلمي أوروبا جملة من الأدوار والمسؤوليات (الجزيرة نت)

حاوره/ سمير شطارة

يعيش مسلمو أوروبا ضمن واقع من التنوع والتعددية في المشهد الأوروبي العام، ويجتازون مرحلة مفعمة بالتحولات والتحديات، تجعلهم في مركز الاهتمام والجدل أكثر من أي وقت مضى.

وقد حاورت الجزيرة نت رئيس اتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا شكيب بن مخلوف حول الحضور الإسلامي في هذه القارة، وهو حضور يشق طريقه وسط ظروف غير يسيرة أو ملتبسة بعض الشيء، فمن جانب هناك شكاوى من تضييق ومن جانب آخر تتبلور مؤشِّرات إيجابية مع الأجيال المسلمة الجديدة في المجتمعات الأوروبية.

وفيما يلي نص الحوار:

واضح أن الحضور الإسلامي في أوروبا يشق طريقه وسط ظروف غير يسيرة أو ملتبسة بعض الشيء، فمن جانب هناك أنباء عن تضييق ومن جانب آخر هناك مؤشِّرات إيجابية، فماذا تقول بهذا الشأن؟

 يتميز الواقع الأوروبي بالامتداد والتنوع، ولذا فلا مجال لإصدار حكم تعميمي. فلدينا من جانب دواعٍ فعلية للقلق، جراء حملات التشويه والتحريض أو ما يسمّى الإسلاموفوبيا، وكذلك بفعل التراجع في بعض البلدان الأوروبية عن الحقوق الأساسية والحرِّيات الدينية، بما في ذلك ما يتعلّق بتشييد دور العبادة وحقّ المرأة في اختيار اللباس، وهو ما يستدعي الاستدراك والمعالجة على جميع الأصعدة.

ومن هذا الباب نحن ندعو المسؤولين وقادة الرأي وجمعيات حقوق الإنسان ومؤسسات المجتمع المدني في أوروبا إلى تكريس مزيد من الجهود في سبيل صون الحريات العامة وقيم المساواة وتكافؤ الفرص.

لكننا في المقابل نلحظ باهتمام اتجاهات الاستقرار والتطوّر الإيجابية في واقع مسلمي أوروبا، وكذلك ما يبدر من جهات ومؤسسات وهيئات دينية وشخصيات أوروبية عدّة من مواقف إيجابية متواصلة نحو الإسلام والمسلمين. ونحن نعتبر ذلك رصيداً لتدعيم التعايش المشترك وقيم الوفاق في الواقع الأوروبي وعالمنا المتغيِّر، وهو ما يستدعي البناء الإيجابي عليه، وبخاصة في إعلاء القيم الإنسانية النبيلة، وهو ما نبّه إليه الإسلام وحثّ عليه.

وسط هذا الواقع هناك دور مهم وفاعل تنهض به مؤسسات المسلمين في أوروبا، في دعم خيار المواطنة الصالحة، والسعي المستمرّ لإزالة أيّ حيف أو مظلمة عبر المشاركة المجتمعية ومن خلال النظم القانونيّة والأخلاقيّة. ونحن في اتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا نحثّ الجميعَ، من المسلمين وغير المسلمين؛ على الوقوف الحكيم والفاعل في وجه كلّ ما يسيء إلى أواصر التعايش الودِّيّ والاحترام المتبادل.

هذا يقودنا إلى ملف وثيق الصلة، فلا شكّ أنّ المسلمين في أوروبا يعيشون ضمن واقع من التنوّع والتعدّدية. فما هو تصوّركم للتعامل مع هذه الخصوصية؟

"
نحن ننظر بإيجابية إلى واقع التنوّع في المجتمعات الإنسانية بشكل عام، لأنه يتيح فرصاً للتفاعل الإيجابي المتبادل، فالفوارق والتباينات التي تترتب على التنوّع هي مجال للإثراء إذا ما تمّ التعامل معها بمنطلق إيجابي مُثمِر
"
نحن ننظر بإيجابية إلى واقع التنوّع في المجتمعات الإنسانية بشكل عام، لأنه يتيح فرصاً للتفاعل الإيجابي المتبادل، فالفوارق والتباينات التي تترتب على التنوّع هي مجال للإثراء إذا ما تمّ التعامل معها بمنطلق إيجابي مُثمِر. فالبشر تتنوّع مشاربهم واتجاهاتهم وتتعدّد مذاهبهم الدينية والفلسفية، وهو ما يفرض على الجميع التعامل الأمثل مع هذا الواقع التعددي.

هذه النظرة الإيجابية تقتضي الاحترام المتبادل بين مكوِّنات الفضاء المجتمعي، ورفض الإساءة والتشويه والتحامل والتعصب وإثارة الضغائن والأحقاد. ومن مقتضيات ذلك تفويت الفرصة على الأصوات التي تنادي بالقطيعة والخصام بين مكوِّنات المجتمع الواحد، من قبيل أولئك القائلين بصدام الحضارات وصراع الثقافات. ثمّ إنّ علينا جميعاً السعي إلى ترجمة قيمة التعارف الإنساني، التي أكّدها القرآن الكريم ووجّه إليها الأنظار.

ومن الثمار الإيجابية لذلك؛ احترام الحقِّ في الاختلاف، أي الحقّ في أن تكون هناك خصوصيّات، مع الأخذ بعين الاعتبار أنّ تبايُن الخصوصيات هو ركيزة التنوّع. ثم يأتي تأسيساً على ما سبق؛ دور الحوار والبحث عن قواسم مشتركة، فذلك خيار لا غنى عنه في سياق التعامل الناجع مع واقع التنوّع.

لقد نبّه "ميثاق المسلمين في أوروبا"، وهو وثيقة هامّة بادر إلى وضعها "اتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا" ووقعت عليها مئات المؤسسات الإسلامية والاتحادات الكبرى في القارّة، إلى أنّ المسلمين في أوروبا وهم يعيشون في مجتمعات متعددة المذاهب والدينية والفلسفية، يؤكدون احترامهم لهذه التعددية، وهم يعتقدون أنّ الإسلام يُقِرّ مبدأ التنوّع والاختلاف بين الناس ولا يضيق بواقع التعددية القائم بينهم، بل يدعو إلى التعارف والتعاون والتكامل بين أبناء المجتمع الواحد.

تولون في "اتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا"، عناية متزايدة لملفات اجتماعية، ومن ذلك مثلاً ملف الأسرة، فماذا عن تجربتكم في هذا الشأن؟

الأسرة هي لبنة البناء الاجتماعي، وفي صلاحها واستقرارها صلاح للمجتمع واستقرار له. لهذا حرص "اتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا" على إطلاق مبادرة خاصة بالأسرة لرعايتها وتنمية العناية بها، فجاء ذلك عبر "حملة الأسرة في أوروبا"، التي نظمها الاتحاد تحت شعار "نحو أسرة مستقرة خدمة للمجتمعات الأوروبية" في شتى أرجاء القارّة.

وقد أظهرت الإنجازات والنشاطات التي تخللت حملة الأسرة في أوروبا، طوال العام 1430 هـ/2009م، كم أن هذا الملف حيوي وهام، ولذا كانت هذه الحملة الناجحة بالفعل، دافعاً لمزيد من تطوير الجهود والمبادرات الرامية لدعم الأسرة وتوطيد كيانها، وتمكينها من أداء دورها المنتظر منها. ونحن نتوجّه الآن إلى إقامة مؤسسة متخصصة بالأسرة، من المقرّر بعون الله أن تضمّ مختصين وخبراء من شتى التخصّصات ذات العلاقة.

عصفت بالدول الغربية خلال السنتين الماضيتين أزمة اقتصادية حادّة، قبل أن تهدأ في بعض الدول وتتفاقم في دول أخرى مثل اليونان وإيرلندا وإسبانيا. ماذا كان موقفكم من هذه الأزمة بكلّ ما جاءت به من انعكاسات؟

بالنسبة لنا كان واضحا أن للأزمة الاقتصادية ضريبتها الاجتماعية، أي أنها تستدعي مضاعفة الجهد في حقول الرعاية الاجتماعية والتضامن الإنساني. وهناك حاجة لتوفير الدعم النفسي والاجتماعي للمتضررين من الأزمة الاقتصادية، بمن في ذلك ذوو الذين فقدوا وظائفهم وأعمالهم أو خسروا أملاكهم وأموالهم أو تراجعت مداخليهم ومدخراتهم. ومن الأهمية بمكان حماية الأسرة وسط هذه الصعوبات، فالأسرة لا ينبغي أن تدفع الثمن وتتكبّد الأعباء الاقتصادية والاجتماعية والنفسية.

لقد أوضحت الأزمة أنّ هناك اليوم في عالمنا؛ أفرادا قلائل يملكون من المال ما لا تملكه عشرات الدول، ولذا فإنّ هناك أسئلة مفتوحة في خلفية الأزمة المالية تتعلّق بالعدالة الاجتماعية، علاوة على أنّ الأزمة هي تعبير عن إخفاقات مركّبة.

أين أعربتم عن هذه المواقف من الأزمة الاقتصادية؟

لقد عبّرنا عن ذلك في منابر عدّة، من مؤتمرات وملتقيات ومشاورات، وكذلك في أدبيات ومواقف. وعلى سبيل المثال؛ كانت قيادة الاتحاد الأوروبي، ممثلة برئاسة المفوضية الأوروبية ورئاسة البرلمان الأوروبي، قد دعت "اتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا"، إلى لقاء رسمي لتقديم تصوّر المسلمين في التعامل مع الأزمة الاقتصادية.

 وقد أوضحنا في اللقاء الذي عُقد في بروكسل في مايو/ أيار 2009، أنّ الأثر الأهمّ للأزمة الاقتصادية العالمية ليس تراجع الأرباح وانحسارها، وإنما اتساع رقعة الفقر والجوع والمرض.

ولذا فإنّ علينا استشعار التطوّرات القادمة والتأثيرات القائمة بعناية، وأن نتحقّق كذلك من أنّ معالجة الأزمة لا تجري على حساب الفئات الأضعف، كما أنّ المطلوب هو البحث عن خيارات متجدِّدة، تمثِّل شبكات أمان للبشر المتضرِّرين.

لقد قُلنا أيضا إن الأزمة الاقتصادية العالمية، مدعاة للمراجعة والمساءلة. فلا ينبغي الانكباب على احتواء الأزمة دون الوقوف على الأسباب التي أفضت إليها، وهي أسباب من صنع البشر على أيّة حال.

مع الأزمة الاقتصادية العالمية، يمكن للنقاش بشأن دور الدِّين في المجتمعات المعاصرة أن يكتسب حيوية إضافية. فما هو تعليقكم بشأن مسألة الدين ودوره في الواقع الاجتماعي الأوروبي؟

لا شكّ أنّ الدينَ حاضر في المجتمعات المعاصرة. هو، على الأقلّ، حاضر في الأعماق وفي الثنايا، وإن لم يجد الفرصةَ للتعبير عن حضوره بصورة واضحة في بعض الحالات.

وبالفعل، يكتشف الإنسان الذي توسّعت منجزاتُه المعاصرة، أنه بحاجة إلى منظومة قيمية مُرشِدة لتحرّكه، وضابطة لنشاطه، وفي هذا ما يؤكِّد دور الدين. فلا شكّ أنّ هناك أدواراً مُنتظَرَة من الدِّين في مجتمعاتنا المعاصرة، تتعلّق بمجالات شتى، تتوزّع على طَيْف القضايا والمسائل والتحديات المطروحة.

"
المطلوب، هو الوصول إلى ما يمكن أن نسمِّيه برنامج الحدّ الأدنى، على الأقل، في الفضاءات المشتركة بين الأديان، على أن يُترَك لكل فضاء ديني مستقلّ تطوير برنامجه الخاصّ بآفاق الحدّ الأقصى
"
لعلّ المطلوب، هو الوصول إلى ما يمكن أن نسمِّيه برنامج الحدّ الأدنى، على الأقل، في الفضاءات المشتركة بين الأديان، على أن يُترَك لكل فضاء ديني مستقلّ تطوير برنامجه الخاصّ بآفاق الحدّ الأقصى، وما نأمله أن يكون ذلك باعتدال وحكمة وتفاعل متبادل. أي لا بدّ من إنعاش القواسم المشتركة، أو وفق العنوان العريض الذي نقتبسه من الخطاب القرآني "تعالَوْا إلى كَلِمةٍ سواء". وفي الوقت ذاته أن يُطوِّر كل فضاء دينيّ خيارات التمايز التي يرتئيها لذاته ضمن تفاعلاته مع الواقع وتحدِّياته المتجدِّدة، دون تعد على الآخرين أو تجاوز.

علينا الإقرار بأنّ مجتمعاتنا المعاصرة بحاجة مستمرة إلى إيجاد الحلول الرشيدة والعادلة للقضايا المزمنة منها والناشئة، على أساس الحق والعدل والإنصاف وحفظ كرامة الإنسان، فضلا عن إنهاء المظالم بشتى صنوفها وصورها، وينبغي إقران إدراك ذلك كلِّه بما يستتبعه من التطبيقات الناجعة والممارسات المسؤولة. وفي صميم هذه المعالجات يأتي دور فاعل للدين.

قضية المواطنة مطروحة بقوّة في أوساط مسلمي أوروبا. فما هي خلفيات هذه المسألة وما طبيعة الدور المنشود من مسلمي أوروبا بموجبها؟

مسألة المواطنة نشأت مع نموّ الوجود المسلم في أوروبا والتطوّر الكمي والنوعي الذي طرأ عليه في العقود الأخيرة، علاوة على تزايد الاهتمام بالمسلمين وبدورهم في الديار الأوروبية. فعندما تتجذّر مجموعة بشرية في بيئة ما، فإنها تبدأ بالتفاعل مع شتى مجالات الحياة فيها، وتبدأ القضايا بالتبلور، ومنها مسألة الحضور والدوْر والمواطنة.

نلاحظ أنّ الاهتمام بالحضور المسلم في أوروبا ضمن النقاش العام جاء متأخرا نسبياً. ذلك أنه في غرب القارة الأوروبية؛ كان معظم المسلمين قد جاؤوا مهاجرين، وركّزوا جهودهم في البدء على كسب أرزاقهم وتثبيت أوضاعهم في المجتمعات الجديدة، متوجِّهين أيضاً إلى توفير احتياجاتهم الدينية والثقافية، وضمان تنشئة سليمة لأبنائهم الذين أخذوا يتفتحون على حياة من نوع فريد.

 أمّا في شرق القارة الأوروبية؛ فإنّ الوجود المسلم التاريخي قضى عقوداً مديدة من القرن العشرين، قابضا على جمر دينه، أو باحثا عن هوية مفقودة في ظل العهد الشيوعي. وفي ما بعد؛ دخل مسلمو شرق أوروبا مرحلة البحث الجديدة عن الذات، وهي مرحلة غلبت عليها الحروب والتوترات السياسية والأزمات الاقتصادية.

وفي كل الأحوال؛ فإنّ ما نراه أنّ لحضور المسلمين في الديار الأوروبية مقتضياته والتزاماته. إنّ مسلمي أوروبا مدعوُّون بالتالي إلى العمل من أجل الصالح العام مدفوعين في ذلك بباعث إسلامي، وبالتزام مترتب على المواطنة، وبتوجّه إنساني وأخلاقي كريم.

إنّ المواطنة تقوم كذلك على إدراك الواجبات، والوعي بالحقوق، ولكنّ المسلم وإن كان لا يتجاهل حقوقه؛ فإنه يحرص على أداء واجباته على النحو الأمثل، وربما يقدِّمها على طلب ما له من حقوق، دون أن يُغفل في ذلك رقابة الله تعالى التي تصاحبه في كلِّ حركة وسكنة. ولا يتوقف الأمر عند هذا الحدّ؛ بل يسعى الإنسان المسلم إلى أداء دور فاعل في محيطه الاجتماعي، وأن يتمتّع بروح المبادرة.

وكيف ترى دور مسلمي أوروبا في التواصل بين هذه القارة والعالم الإسلامي؟

بشكل عام؛ نرى ذلك عبر جملة من الأدوار والمسؤوليات، من قبيل دعم الحوار بين الحضارات، وتعزيز أجواء التفاهم بين الثقافات والمنتمين إليها، وتشجيع الحوار بين أوروبا والأطراف الفاعلة في العالم الإسلامي، واعتبار الحوار النهج الأمثل للتعايش في عالم واحد يزداد تقارباً.

كما يشمل ذلك الدفاع عن القضايا العادلة، من منطلق إنساني ينحاز إلى الحقوق والعدالة ويناهض الظلم والجور، ثم لا تغيب أهمية تشجيع تبادل المنافع بين العالمين، أي أوروبا والعالم الإسلامي، على أرضية التكافؤ والاحترام المتبادل.

لا يغيب عن الأذهان في هذا كلِّه، أنّ مسلمي أوروبا يشتركون مع مسلمي العالم بآصرة الانتماء الديني، وهم ينتمون في الوقت ذاته إلى أوروبا كإطار جغرافي وفسيفساء بشرية وثقافية باتت تعددية الملامح. إنّ هذه الخصوصية تتيح لمسلمي أوروبا فرصاً ثمينة للاضطلاع بدور فاعل في التواصل ضمن عالم متغيِّر.

المصدر : الجزيرة

التعليقات