من مسيرة لحماس جرت الأسبوع الماضي في غزة (رويترز-أرشيف)

أحمد فياض-غزة

شكلت تجربة إبعاد نحو أربعمائة من قيادات حركة المقاومة الإسلامية (حماس) في 17 ديسمبر/كانون الأول من العام 1992 إلى مرج الزهور في الجنوب اللبناني نقطة تحول مركزية على صعيد بلورة التوجهات السياسية للحركة وانفتاحها على العالم.

واستناداً إلى أحاديث منفصلة أجرتها الجزيرة نت مع عدد من مؤسسي الحركة ممن عايشوا الإبعاد، ولدت التجربة التي استمرت لعام كامل حراكا داخل حماس مكنها من المزاوجة بين المقاومة والسياسة.

ويؤكد الشيخ محمد شمعة -أحد مؤسسي ومبعدي حركة حماس- أن تجربة الإبعاد كانت غنية وهامة في تاريخ الحركة منحت قادتها في الداخل والخارج فرصة للتلاقي وتبادل وجهات النظر التي رسخت أركان الحركة.

ويرى شمعة أن تجربة الإبعاد كانت من أهم المراحل التي صقلت الحركة باعتبارها مدرسة علمت قيادات حماس فن العمل السياسي والإعلامي بفعل استفادتها من الاحتكاك المباشر للمبعدين مع وسائل الإعلام والنخب السياسية من المحيطين العربي والغربي.

 شمعة: تجربة الإبعاد كانت من أهم المراحل التي صقلت الحركة (الجزيرة نت)
وأوضح أن هم المبعدين تركز على إدارة حياتهم داخل المخيم بشكل منظم، إذ إنهم شكلوا منذ اليوم الأول للإبعاد لجانا غطت جميع متطلبات المبعدين.

الملامح السياسية
وأضاف أن تلك اللجان كانت أشبه بتشكيل الحكومة وأهم ما أنيط بها من مهام هو إقناع العالم بوجهة نظر المبعدين وكسب تعاطفهم، كما حددت الملامح السياسية لتعاطي الحركة مع الغير، وقررت عدم مهاجمة أحد، أو حساب نفسها مع أي محور من المحاور".

واعتبر القيادي والمؤسس في حماس أن تجربة الإبعاد كانت أحد أبرز العوامل التي أعطت الحركة دفعة قوية على صعيد تحديد ملامح مستقبل العمل السياسي وتجربة الحكم التي خاضتها، لأن مشوار الحركة -بحسب رأيه- ليس دراسة بقدر ما هو ممارسة وتجربة.

ويتفق المهندس عيسى النشار -وهو أحد مؤسسي ومبعدي الحركة أيضاً- مع سابقه في أن لقاءات المبعدين مع ممثلي الحركات الإسلامية من شتى أصقاع الدنيا في جلسات مطولة كانت أشبه بالمؤتمرات العلمية ساهمت في إطلاع قيادات الصف الأول والثاني على تجارب متعددة أكسبتهم مفاهيم أمنية وحركية جديدة.

وذكر أن فترة الإبعاد شهدت تدارس مستقبل وضع الحركة وحركة التغيير في المنطقة، وكان الحديث عن مستقبل العمل السياسي والمقاوم في صلب نقاشات قيادتها.

تشكيل حزب
وأضاف متحدثاً عن بدايات تجربة العمل السياسي قائلاً، "في الإبعاد وضعنا سيناريو لكيفية التعامل مع المرحلة الجديدة التي ستأتي في ظل الحديث عن حكم ذاتي في حينه واتفقنا على تأسيس حزب سياسي لأن دراستنا للتجربة المصرية وتعامل مصر مع الإخوان وعدم السماح لهم بتأسيس حزب سياسي جعلنا نفكر بإقامة حزب سياسي قبل أن تقوم السلطة".

  النشار: اتفقنا على تأسيس حزب سياسي بعد دراسة التجربة المصرية
(الجزيرة نت) 
وتابع "لذلك فإن أول دفعة عادت من مرج الزهور كلفت بتشكيل حزب الخلاص الإسلامي بعد أن تسلمت من قيادة حماس في مرج الزهور خطة بتشكيل الحزب بحيث يكون سابقاً على السلطة الفلسطينية إذا ما تشكلت".

ويعتبر النشار أن تلك المحطة كانت بداية تشكل الملامح السياسية الواضحة لنهج حركة حماس، التي وضعت من خلالها تصوراً لكيفية تعامل الحركة مع المرحلة الجديدة وإيجاد شكل سياسي يحمي وجودها ويضمن استمرارها.

من جانبه اعتبر المبعد عماد الحديدي أن تجربة مرج الزهور كانت بمثابة الدولة لحماس والبوابة الأولى للانفتاح على العمل السياسي المباشر منحت الحركة خبرة سياسية كبيرة وساهمت في صقل شخصيات قيادات الصف الأول للحركة.

وتعود أسباب غزارة تجربة الإبعاد التي استمرت عاماً كاملاً -بحسب الحديدي- لما شهدته من متغيرات كثيرة على صعيد قضية المبعدين نفسها وعلى صعيد القضية الفلسطينية وانطلاق المفاوضات بين الاحتلال ومنظمة التحرير الفلسطينية.

وأشار المبعد الفلسطيني إلى أنه على صعيد الممارسة فإن الكثير من الفعاليات والمواقف التي تبناها المبعدون للتعبير عن جوهر قضيتهم خلال حصارهم في مرج الزهور ما زالت تخيم على عقول قيادات حماس وأعادوا استخدامها عند تشكيلهم الحكومة.

وكانت إسرائيل عام 1992 أبعدت 415 فلسطينيا ينتمي معظمهم إلى حركة حماس إلى جنوبي لبنان، ولكن ردود الفعل الدولية أجبرت حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إسحق رابين الذي اتخذ هذا القرار بالتراجع عنه وإعادة الشق الأعظم من المبعدين إلى الضفة الغربية وقطاع غزة على دفعتين.

المصدر : الجزيرة