ندوة جامعة القاهرة ناقشت العلاقات المصرية السودانية في ظل الوضع الراهن (الجزيرة نت)


محمود جمعة-القاهرة
تباينت رؤى عدد من الأكاديميين المصريين والسودانيين إزاء مستقبل الأوضاع في السودان بعد الاستفتاء على تقرير مصير جنوب السودان، ففي الوقت الذي ارتأى فيه البعض أن ثمة فرصة أخيرة لكي يتمخض الاستفتاء عن وحدة إذا اجري بنزاهة وشفافية، اعتبر آخرون أن الانفصال بات أمرا واقعا لابد من التعاطي معه بما يقلل من تداعياته السلبية.
 
وعلي مدي يومين عقد مؤتمر بجامعة القاهرة تحت عنوان "العلاقات المصرية السودانية في ضوء الظروف الراهنة في السودان" تضمنت أوراقا بحثية حول التداعيات المختلفة للاستفتاء، حيث أكد المشاركون أن خيار الوحدة "لم يعد خيالا وأن هذا المؤتمر لا يعد مرثية للوحدة بل هو كلمة الأكاديميين الأخيرة للعقلاء في شمال وجنوب السودان من أجل إجراء الاستفتاء بصورة حضارية بعيدة عن التشنج والغوغائية".
 
أبغض الحلال
وأكد الدكتور محمود أبو العينين عميد معهد الدراسات والبحوث الإفريقية رئيس المؤتمر أن "انفصال الجنوب هو أبغض الحلال عند أهل السودان"، محذرآ من تداعيات الانفصال علي غالبية الجماعات الإثنية والعرقية في أفريقيا التي ستحذو حذو الجنوب في المطالبة بالانفصال .
 
وفي حديث للجزيرة نت أكد أبو العينين أنه "في حال إجراء الاستفتاء وفقآ للمعايير الدولية وبصورة نزيهة وشفافة وبعيدة عن إرهاب الشرائح الوحدوية في الجنوب، فإن نتيجة الاستفتاء ستكون حتمآ مخيبة لآمال دعاة الانفصال" .
 
محمد موسى عوض أكد أن مصر تبذل جهدا كبيرا للتقريب بين شريكي نيفاشا (الجزيرة نت)
وبدوره أكد السفير محمد موسي عوض مدير إدارة السودان بوزارة الخارجية المصرية ضرورة إجراء الاستفتاء في أجواء من الشفافية والنزاهة واحترام إرادة أبناء الجنوب ، مؤكدآ أن مصر تبذل جهدآ كبيرا للتقريب بين شريكي الحكم بهدف معالجة القضايا العالقة بينهما لتهيئة مناخ إيجابي وفرص صحية لعلاقات سوية بين الشمال والجنوب بصرف النظر عن نتيجة الاستفتاء .
 
وأكد موسي استمرار دعم مصر للسودان شمالآ وجنوبا في مختلف المجالات انطلاقا من اعتبارات التلاحم والجوار وبما يجعل خيار الوحدة جاذبا للطرفين .
 
فيدرالية جديدة
وفي حديث للجزيرة نت قلل المؤرخ السوداني الدكتور أحمد ابراهيم دياب من  أهمية المخاوف من انفصال الجنوب ، مشيرا إلى أن النخبة المثقفة يجب أن تطرح سيناريوهات خلاقة تسبق بها رؤى السياسيين وتتجاوزها إلى فضاءات أوسع .
 
وفي هذا السياق اقترح دياب تشكيل فيدرالية بين شمال السودان ومصر في حال أفضى الاستفتاء إلى انفصال الجنوب، معتبرا أن هذا الحل سوف يضمن تحقيق مصالح وادي النيل ويمثل عنصر توازن في حال استقوت دولة الجنوب بقوى خارجية .
 
وفي المقابل أكد السفير روبن بنجامين، نائب ممثل حكومة جنوب السودان في القاهرة أن انفصال الجنوب عن الشمال أصبح واقعا لا مفر منه، معتبرا أن ذلك من شانه أن يحقق  السلام بين الجانبين، ومشددا على أن خيار الوحدة بالنسبة للجنوبيين تعني استمرار مسلسل القتل والمجازر والحروب، على حد قوله.
 
اللبن المسكوب 
أما السفير سمير حسني مدير إدارة أفريقيا والتعاون العربى الإفريقي بجامعة الدول العربية فاعترف بأن  عددا كبيرا من الحكومات العربية والخارجية لم تبذل جهدا مقدرا من اجل أن تكون الوحدة خيارا جاذبا لأهل الجنوب، مطالبا "بالا نبكي على اللبن المسكوب بعد مضي ست سنوات كان من الممكن خلالها إقناع الجنوبيين بالوحدة".
 
وحمل حسني  المجتمع الدولي "الذي لم يف بالتزاماته المالية التي أقرها في مؤتمري أوسلو وباريس المسئولية الرئيسية فيما آلت إليه الأمور الآن ، مؤكدا أن هذه المبالغ التي كان يتعين دفعها للجنوب كان يمكن أن تجعل الوحدة خيارا جاذبا".
 
وأشار حسني إلى أن الجامعة العربية سترسل بعثة هي الأكبر علي الإطلاق لمراقبة عملية الاستفتاء، وتضم هذه البعثة نحو 80 دبلوماسيآ سوف ينتشروا في جنوب السودان لمتابعة سير العملية وتقديم تقرير مفصل بشأنها لأعلي سلطة في الجامعة العربية بحيث يتحدد علي ضوء هذا التقرير موقف الجامعة من الاستفتاء.
 
وأوضح حسني أن الجامعة العربية ستحترم إرادة أبناء الجنوب انفصالآ أو وحدة طالما كان الاستفتاء نزيهآ وحرآ وشفافآ، لافتآ إلي قيام الجامعة بتوقيع اتفاق مع مفوضية استفتاء جنوب السودان لتنظيم عمل بعثة الجامعة في الجنوب.
 
سمير حسني طالب بجعل الجنوب منطقة تمازج عربي أفريقي (الجزيرة نت)
لكن حسني أكد أن "إقبال الناخبين في الجنوب علي التسجيل بصورة كثيفة وانخفاض التسجيل في الشمال تعد مؤشرات تدل علي مآل نتيجة الاستفتاء، منوهآ إلي أن فترة  الستة أشهر الانتقالية التي ستعقب إجراء الاستفتاء ستشهد سعيآ لإقامة علاقات تكاملية بين الشمال والجنوب وبين العالم العربي والسودان شماله وجنوبه ، مطالبآ بصياغة علاقات جيدة لجعل الجنوب منطقة تمازج عربي وإفريقي".
 
أما الدكتور سيد فليفل العميد السابق لمعهد البحوث الإفريقية فقد حذر من خطورة انفصال الجنوب، مؤكدآ ضرورة ألا يترك جنوب السودان نهبا لقوي من خارج القارة أهدافها معروفة وتسعي إلي تفتيت السودان.
 
وأضاف فليفل للجزيرة نت أن استقلال الجنوب عن الشمال يجب ألا يعني الانفصال التام، داعيآ إلي ضرورة المحافظة علي العيش المشترك وبناء وحدة إقليمية تنموية في منطقة حوض النيل بحيث يكون السودان جسرا للتواصل بين العرب والأفارقة لاسيما وأن قواسم التواصل ماثلة في كافة المناحي والمناشط .
 
أمر واقع
وبدوره أكد هاني رسلان رئيس وحدة دراسات السودان وحوض النيل بالأهرام أن اتفاقية نيفاشا كانت نوعا من المساومة التاريخية أو الحل الوسط بين مشروعين سياسيين هما مشروع السودان الجديد والمشروع الإسلامي الحضاري، كان من المفترض أن يتعايش المشروعان طبقآ للحد الأدني من الاتفاق عبر مؤسسات وترتيبات قسمة السلطة والثروة .
 
وأضاف رسلان للجزيرة نت أنه خلال السنوات الست الانتقالية لم تشهد اكتمال بناء هذه المؤسسات بشكل كامل ولذا ظل التفاعل بين شريكي الحكم بعيدا عن روح الحل الوسط التاريخي وهو ما أفرز الوضع الحالي بالاتجاه نحو الانفصال.
 
ولفت إلي أن "الحركة الشعبية لتحرير السودان قد تغيرت أولوياتها الإستراتيجية بعد رحيل مؤسسها جون قرنق، كما أن المؤتمر الوطني لم يكن حريصا ولم يبذل جهدا كافيا للحفاظ علي الوحدة"، وخلص إلي أن الانفصال أصبح أمرا واقعآ علينا أن نقبله ونتعامل معه لاحتواء تداعياته السلبية.
 
 
 

 
 
 

المصدر : الجزيرة