كوخ في جوبا استغرق إنشاؤه شهرا كاملا حسبما قال صاحبه (الجزيرة نت)
 
لا تزال كدمات الحرب التي عمرت طويلا في جنوب السودان تظهر على وجه مدينة جوبا -كبرى مدنه- ومن أبرزها مخيمات تؤوي نازحين هربوا بأرواحهم من أتون القتال، وبعد أن وضعت الحرب أوزارها وجدوا أنفسهم في مواجهة قتال جديد مع تكاليف المعيشة، بعيدا عن بلداتهم الأصلية.
 
الكثير من النازحين -الذين كانوا في جوبا، والذين قدرهم مسؤول حكومي للجزيرة نت بعشرات الآلاف- عادوا إلى بلداتهم الأصلية، لكن آخرين لم يجدوا لذلك سبيلا، إما لأنهم فقدوا ممتلكاتهم التي كانت ستغريهم بالعودة، وإما لأن أبناءهم قد قطعوا أشواطا كبيرة في الدراسة بالمدينة، ولم يعد من الممكن العودة بهم إلى الماضي.

"أعشاش" للبشر
لا يملكون من متاع الدنيا إلا أكواخا دائرية على شكل أسطوانة يعلوها سقف هرمي مسنن، تعرف الواحدة منها هنا باسم "الراكوبة"، يبنونها بالأعواد والقش والطين كما تبني الطيور أعشاشها، وكل بيت منها لا يتعدى غرفة واحدة، ولضيقها وصغرها الشديد لا يدخلونها إلا إذا أرادوا أن يخلدوا إلى النوم، فتلك وظيفتها الوحيدة في حياتهم.

"
عندما تغوص في أحشاء المخيم تجد في كل كوخ من أكواخه قصة إنسانية مليئة بالمعاناة، فبعضهم كلفه الهرب بروحه من أزيز الرصاص المشي أسبوعا أو عشرة أيام
"
ورغم صغر حجمها فإن أقل ما يمكن أن يستغرقه إنشاء بيت صغير منها يتسع لمكان نوم شخص واحد فقط هو شهر بالتمام والكمال، كما شرح للجزيرة نت أحد شبان مخيم "غوسيني" للنازحين، الذي يقع غير بعيد عن مجمع الوزارات في مدينة جوبا.

ولما استغربنا طول هذه المدة لبناء "عش" صغير مثل هذا، مضى الشاب يشرح لنا قائلا "يجب أن تعلموا أن المواد التي نستخدمها في بناء هذه البيوت ليست في متناول اليد، فنحن نبحث عن أخشابها قطعة قطعة في كل مناحي المدينة، ثم بعدها عندما نصل مرحلة السقف نحتاج إلى وقت طويل لجمع القش من الأحراش والأدغال المجاورة".

شظف العيش
عندما تغوص في أحشاء المخيم تجد في كل كوخ من أكواخه قصة إنسانية مليئة بالمعاناة، فبعضهم كلفه الهرب بروحه من أزيز الرصاص المشي أسبوعا أو عشرة أيام، والمحظوظون منهم تم تكديسهم وتكويمهم في عربات عسكرية نقلتهم إلى جوبا في بداية التسعينيات من القرن الماضي.

ومثلما يشتركون مع الطيور في طريقة بناء "أعشاشهم"، فإنهم يشتركون معها أيضا في نمط العيش، إذ ليس لهم مصدر عيش أو دخل مستقر يمكن الاعتماد عليه، وأقصى ما يمكن أن يكسبه أحدهم في اليوم -حسب مدير مدرسة إيباتا المجاورة للمخيم ألكسندر جاد أسدراكا- لا يتعدى ثلاثة دولارات.

مياه شرب يميل لونها إلى الحمرة في معسكر نازحي جوبا (الجزيرة نت)
غير بعيد عن هذه الأكواخ اتخذ عدد من رجال ونساء وحتى أطفال المخيم أماكن يبيعون فيها لسكان باقي الأحياء بعض اللوازم اليومية من زيت وسكر وخضار وصابون وغير ذلك، في حين بنى بعضهم أكواخا أخرى اتخذوها مقاهي ومطاعم يلجأ إليها بعض الفقراء بدورهم ليملؤوا منها البطون.
 
حديث خيالي
الحديث في عالم هؤلاء النازحين عن الكهرباء والماء والخدمات الصحية والغذاء السليم يعتبر ضربا من الخيال، فهم بتعبير أحدهم "يقنعون أنفسهم بأنهم يعيشون، حتى ولو كان هذا العيش على هامش الحياة".
 
ونحن نهم بمغادرة المخيم، مرت بأطرافه شاحنة تجر صهريجا، فسارع كثيرون من سكانه بسطولهم وبراميلهم إليها، إنه موعدهم اليومي الذي يشترون فيه ماء لا يهم إن كان لونه يميل إلى الحمرة، فليس لهم بديل عنه يروون به العطش.

المصدر : الجزيرة