متظاهرون في جوبا يرفعون لافتة تدعو للانفصال (الفرنسية-أرشيف)

يثير علو نبرة الانفصال في جنوب السودان -على ضوء تصريحات قادة  الحركة الشعبية لتحرير السودان قبل الاستفتاء المرتقب على تقرير مصير الإقليم- تساؤلات عديدة بشأن سبب تغذية هذا التيار، وأسباب تراجع مشروع الوحدة، رغم تبنيه من القوى السياسية في الشمال والجنوب على حد سواء.
 
وعلى الرغم من الأجواء التي خلقتها اتفاقية السلام والتي أثمرت شراكة في الحكم بين حزبيْ المؤتمر الوطني والحركة الشعبية على كل المستويات خلال الفترة الانتقالية التي امتدت لست سنوات، ومن نص الاتفاقية على أن تكون الوحدة جاذبة في الاستفتاء، فإن الهوة بين الطرفين تتسع يوما بعد يوم، وهو ما جعل معظم التوقعات تصب في أن الجنوب سيصوت لصالح الانفصال.
 
ويرى كثير من المراقبين أن تراجع المشروع الوحدوي في السودان يدل على فشل في نظام الحكم بالسودان، وفشل للوحدة الجاذبة التي تبناها واضعو الاتفاقية، كما يدل على فشل مشروع السودان الجديد الذي طرحته الحركة الشعبية لتحرير السودان كمشروع لها منذ انطلاقتها، ويرمي لإقامة ما تصفه بالسودان الجديد -كل السودان وليس الجنوب فقط- على أساس الديمقراطية والحرية.
 
أتيم قرنق: الحرب استمرت خمسين عاما لأننا لم نتفق على "من نحن؟"  (الجزيرة)
أسباب الفشل
ويورد القيادي في الحركة الشعبية أتيم قرنق عددا من الأسباب يرى أنها هي التي وأدت الوحدة في السودان، منها الفشل في إقامة نظام فدرالي حقيقي، واعتماد المواطنة بصورة حقيقية كأساس للحقوق والواجبات، وإقامة نظام ديمقراطي يحقق العدالة والمساواة.
 
وفي إشارة إلى التمايز العرقي وهوية السودان هل هو عربي أم أفريقي أم مزيج من ذلك كله، باعتباره من الأسباب التاريخية للصراع، قال قرنق لبرنامج الملف الذي بثته قناة الجزيرة إن "الحرب استمرت خمسين عاما لأننا لم نتفق على من نحن، هل نحن عرب؟ أكيد لسنا مائة بالمائة عربا".
 
كما اتهم القيادي في الحركة الشعبية حزب المؤتمر الوطني بالعمل على انفصال الجنوب "حتى تتسنى لهم إقامة دولية إسلامية في الشمال، غير أنهم وجدوا أهل شمال السودان ضد هذا التوجه، لذلك حاولوا أن يقولوا إن الحركة الشعبية هي التي تريد الانفصال".
 
ومع ذلك يؤكد قرنق أن "الوحدة ممكنة ولكن ليس الآن"، ويمكن أن تحمل لواءها الأجيال القادمة "التي تؤمن بأن الوحدة قوة والتعدد ليس عيبا، وإنما هو من مقومات القوة والاتحاد".
 
صلاح الدين: الصراع بين الجنوب والشمال ليس دينيا كما تحاول الحركة الشعبية تصويره (الجزيرة)
الانفصال فشل
ويقر غازي صلاح الدين مستشار الرئيس السوداني والقيادي في حزب المؤتمر الوطني الحاكم في الشمال بأن الانفصال فشل "لأنه من الصعب تبريره"، لكنه يرفض تحميله للمشروع الإسلامي، لأن الإسلاميين كما قال "لا يتبنون الانفصال، ولأن الذي يجري في السودان ليس كله إسلاميا لأن هناك قوى وطنية على الساحة".
 
وقال صلاح الدين لبرنامج الملف إن "الصراع بين الجنوب والشمال ليس دينيا كما تحاول الحركة الشعبية تصويره، لأن الحرب بدأت منذ الخمسينات وتفاقمت في فترات كانت الحكومات وقتها في الخرطوم وطنية وعلمانية".
 
وبشأن مشروع السودان الجديد ذكر أن "الحركة تبنت هذا المشروع وكسبت في ذلك أنصارا، ولكن عند الاختبار العملي ثبت أنه ليس لديها التزام حقيقي، لأن الحركة التي نراها الآن هي حركة إقليمية".
 
فرض هوية
وما بين الاتهامات المتبادلة بين طرفي اتفاقية نيفاشا يقر زعيم حزب الأمة السوداني المعارض الصادق المهدي بـ"أننا كشماليين تعاملنا مع أهلنا الجنوب باستعلاء، غير أن الجنوبيين تعاملوا مع هذا بدرجة عالية من الانتقامية والعنف والاعتماد على جهات أجنبية".
 
 الصادق المهدي حمل الحكومة الحالية مسؤولية المطالبة بتقرير المصير (الجزيرة)
لكن المهدي اعتبر أن "فرض الحكومة الحالية هوية واحدة إسلامية وعربية على السودان هو الذي خلق فكرة تقرير المصير وسط الجنوبيين".
 
وأيا كانت الأسباب التي يرى القائلون بها أنها ترجح خيار الانفصال، فإنه من المهم -حتى إن أفضت نتيجة الاستفتاء إلى الانفصال- إقامة دولة في الجنوب تعيش بسلام مع جارتها في الشمال، وذلك لن يتأتي إلا بالتوصل إلى حلول للخلافات بين الجانبين ومن أهمها مسألة الحدود والمواطنة وقسمة الموارد النفطية.

ويرى صلاح الدين أن الاستفتاء إن لم يجر بصورة حرة ونزيهة، وإن لم تحسم القضايا العالقة، "فإن ذلك قد يؤدي لاختلاف يحسم بالسلاح".
 
ومع تأكيده أن "الحكومة في الخرطوم ليست لديها أي رغبة أو تخطيط للدخول في حرب"، اعتبر أن "مماطلة الحركة الشعبية في قضية الحدود يثير تساؤلات كبيرة".
 
ولا يخفي المهدي مخاوفه من حدوث نتائج كارثية في حالة الاختلاف على نتائج الاستفتاء، ويقترح أن تدير عملية الاستفتاء لجنة محايدة تتشكل من دولة معروفة بحيادها وتستبعد منها دول الهيمنة، كما يقترح المهدي تشكيل لجنة حكماء لحل المشاكل العالقة لضمان عدم تفجر الحرب مستقبلا.

المصدر : الجزيرة