قواريق يحمل صورة ابنه الشهيد محمد يسارا وقريبه الشهيد صلاح يمينا (الجزيرة نت)

عاطف دغلس-نابلس

لم تطو الأيام بعد حكاية الشهيدين محمد وصلاح قواريق من قرية عورتا جنوب شرق نابلس شمال الضفة الغربية اللذين "اغتالهما" جنود الاحتلال أواخر مارس/آذار المنصرم بينما كانا يفلحان أرضهما شرقي القرية، وهي بحق تشكل مثالا صارخا لاستباحة الاحتلال للدم الفلسطيني.

وادعى الجيش الإسرائيلي آنذاك أنه قتل شابين حاولا طعن أحد جنوده في تلك المنطقة، ليتبين فيما بعد أنه لا صحة لادعائه، وأن الشابين تم تصفيتهما دون ذنب، وهو ما حدا بعائلة الشهيدين للمطالبة بكشف "الجريمة" ومحاسبة المسؤولين.

غير أن قضيتهم ما زالت تراوح مكانها خاصة بعد رفض الاحتلال فتح تحقيق جنائي بالأمر، وادعاء أنه سيقوم بالتحقيق عسكريا مع الجنود "بعدما تبين أن هناك تناقضا في شهاداتهم"، على حد قول النائب العسكري الإسرائيلي.

ولكن ذوي الشهيدين رفضوا ذلك واتهموا الاحتلال بالتعتيم على القضية بهدف "التغطية على الجنود"، ولا سيما أنه لم يستدع حتى الآن ذوو الشهداء لدى المحكمة العليا الإسرائيلية، ولم يستدعوا كذلك للإدلاء بشهاداتهم أثناء التحقيق.

"
 أحد ضباط الاحتلال قال لفيصل قواريق "إن لدينا جنودا مجانين كما لديكم مجانين"، محاولا بذلك -كما يقول الأب قواريق- التستر على "جريمة قتل أولادهم
"
تناقض روايات
وقال فيصل قواريق والد الشهيد محمد إن الشهيدين وهما في الـ19 من العمر اعتادا الذهاب لفلاحة الأرض وجمع بعض أدوات الخردة لبيعها، "فاستفرد بهما جنود الاحتلال وقاموا بتصفيتهما بإطلاق النار عليهما من مسافة قريبة جدا"، حسب الطب الشرعي.

وأكد في روايته للجزيرة نت أن أحد ضباط الاحتلال قال له "إن لدينا جنودا مجانين كما لديكم مجانين"، محاولا بذلك التستر على "جريمة قتل أولاده".

وقد أعلن النائب العام العسكري للمحكمة العليا الإسرائيلية التحقيق مجددا مع الجنود بعد "تناقض روايات الجنود السابقة"، لكن التحقيق مع الجنود سيكون إن تم- عسكريا وليس جنائيا كما تريد عائلتا الشهيدين.

فالتحقيق الجنائي يكشف ملابسات الحادث بالتفصيل ويتم التعرف على ما إذا كان الشابان يحاولان بالفعل طعن أحد الجنود أم أن الجنود باغتوا الشابين وأطلقوا النار عليهما مباشرة بقصد قتلهما.

حيث يشير الأب قواريق إلى أن جنود الاحتلال غيروا رواياتهم عدة مرات، حيث ادعوا أن الشابين حاولا طعن أحد الجنود على حاجز حوارة شرق نابلس الذي يبعد عن مكان استشهادهما أكثر من ستة كيلومترات.

كما ادعى الجنود أن الشهيدين ضربا الجنود بفأس، ومرة حاولا الطعن بزجاجات فارغة، "لكن الجنود اتفقوا على أن كل محاولات الاعتداء عليهم وقعت بعدما فتش الشابان وأوقفا لأكثر من نصف ساعة"، وتساءل كيف يقع الاعتداء بعد تفتيشهم وتجريدهم من كل شيء؟

وهذا بالفعل ما أكدته مؤسسة حقوق الإنسان الإسرائيلية "يش دين" المتابعة لملف الشهيدين، حيث قال الباحث الحقوقي فيها عزمي بدير إن التقارير الطبية أكدت أن النار أطلقت من مسافة سنتيمترات على الشهيدين اللذين كانا "مكتوفي الأيدي وجالسين".

تغطية للجنود
وأوضح بدير للجزيرة نت أن خطورة الأمر هي استمرار جيش الاحتلال رفض فتح تحقيق بالحادثة، رغم صدور قرار من محكمة العدل العليا يقضي بفتح التحقيق، "والأخطر أن الجيش يريد إبقاء التحقيق إن فتح أصلا عسكريا وليس جنائيا".

وأكد أن التحقيق الجنائي يعد بمنزلة شبهة للجندي خاصة بعد انتهاء خدمته، بحيث يعرقل حياته في إكمال تعليمه أو التقدم بعمله "علاوة على إصابته بالإحباط"، مشيرا إلى أن التحقيق العسكري لا يتعدى التوبيخ للجندي في كثير من الأحيان، "وكل ذلك هدفه التغطية على الجنود وحماية لهم للاستمرار بانتهاكاتهم".

ولفت إلى أن قلة عدد قضايا التحقيقات الجنائية في السنوات الثلاث الماضية لا يعني إغفال حقوق الفلسطينيين المنتهكة، والتي إن لم تلق تجاوبا إسرائيليا فستلقى ردا دوليا وإن لم يكن دوليا فسيكون عربيا وعالميا، "وإن لم يكن كذلك فيسجل تاريخيا ضد هذا المحتل المتعجرف".

المصدر : الجزيرة