غياب مشاريع مياه الشرب يفاقم معاناة أهالي جنوب كردفان (الجزيرة نت)

أشرف أصلان-الخرطوم

تمثل عملية التنمية بمفهومها الشامل كلمة السر أو مفتاح الحل وربما سبب الأزمة في سودان ما بعد الاستفتاء المرتقب على انفصال الجنوب في يناير/كانون الثاني المقبل, سواء جاءت النتيجة لصالح الانفصال أو لصالح الوحدة.

وسواء حدث هذا أو ذاك سيعاد طرح إشكالية التنمية وفقا لأطر مختلفة وأسس متباينة تنطلق من حقائق جديدة قد تفرض على أرض الواقع بعدما يصل قطار نيفاشا للسلام إلى محطته الأخيرة.

وتمثل المناطق الثلاث وهي أبيي وجنوب كردفان والنيل الأزرق أو ما تُعرف بمناطق التماس مع الجنوب، المحور الأبرز في هذا السياق باعتبار أنها ستكون الأكثر تأثرا بالأوضاع الجديدة.

وإذا كانت أبيي الغنية بالنفط قد حددت طريقها تقريبا عبر التحكيم الدولي ومنح أهلها حق التصويت على مصيرهم, فإن جنوب كردفان مثلا -وهي صاحبة أطول حدود مع ولايات الجنوب- حصلت على ما يعرف "بالمشورة الشعبية" التي ستحدد الموقف من اتفاقية نيفاشا عبر مفوضيات برلمانية ربما تنتهي بمفاوضات مع الحكومة المركزية.

وستبقى الأوضاع الاقتصادية لولايات التماس عرضة لمزيد من الاضطراب  بسبب التداخل الجغرافي والسكاني, إضافة إلى تمازج ثقافي لافت.

وبرأي الباحث في مجال التنمية الاجتماعية والبشرية الحاج حمد محمد خير فإن مشروعات التنمية التي تتم في الجنوب -الذي حسم توجهه نحو الانفصال- لا طائل من ورائها، لهذا يطالب عبر الجزيرة نت بتحويل هذه المشاريع إلى ولايات التماس ومناطق النازحين حول الخرطوم, حتى تكتسب المصداقية اللازمة.

ويشير محمد خير إلى أعداد متزايدة من النازحين من بؤر التوتر خشية اندلاع مواجهات, ويعتقد بأن أغلبهم اختار الهجرة الداخلية بدلا من التوجه إلى دول الجوار, حيث يتعرض كثيرون منهم -كما يقول- للتجنيد الإجباري في صفوف قوات حكومية وأخرى متمردة.

كما يرى أن تعثر التنمية جعل الكثيرين يشعرون بالظلم والتهميش, بما يدفع بعضهم للانخراط في أوساط دعاة الانفصال.

بدائل تنموية
بدوره يشير عضو وفد الحكومة لسودانية لتحكيم لاهاي محمد عثمان السماني إلى ضرورة توفير بدائل تنموية حقيقية للقبائل التي ستتضرر حتما جراء ترسيم الحدود السياسية.
 
وهنا يشير السماني في حديثه للجزيرة نت إلى أن واضعي الحدود السياسية لم يأخذوا في اعتبارهم حركة الرعاة جيئة وذهابا خلف المطر والمرعى, دونما الانتباه إلى أي فواصل أو حدود.

وبرأيه أيضا فإن السودان بأسره يحتاج إلى تنمية شاملة, فهناك مناطق في الشمال "لا تقل فقرا وتخلفا عن مناطق بولايات التماس أو بالجنوب".

ويحذر السماني من تجاهل عملية التنمية, مشيرا إلى أن هذه المناطق تبقى مفتوحة على احتمالات كثيرة لما فيها من تعقيدات قبلية كثيرة تجعلها عرضة لمزيد من التوتر.

كما أن قرب جنوب كردفان من دارفور مثلا يفتح الباب أمام تساؤلات عن احتمال امتداد التمرد وظهور أوراق ضغط أخرى, مع استغلال حالة الامتداد والتمازج القبلي بين الجانبين.
 
ويعتقد السماني أن الحلول التنموية يجب أن تكون الخيار الأول, فالعمل العسكري "سيزيد الأمر تعقيدا", خاصة مع انفصال الجنوب المحتمل.
 
وهنا تجب الإشارة إلى أن ثمن انفصال جنوب السودان عن شماله سيكون غاليا للجنوبيين وسيكلفهم التنازل عن بعض ثروة البترول للشمال.

كما أن خطوط أنابيب هذا البترول تمر عبر الشمال الذي يقدر قيمة هذه الثروة كرافعة اقتصادية أساسية, الأمر الذي يستلزم الدخول في مفاوضات جادة وحقيقية بين الشمال والجنوب لتجنب فتح أبواب جديدة للصراع.

كثير من سكان جبال النوبة بجنوب كردفان يعانون من أوضاع معيشية صعبة (الجزيرة نت)
تقاسم الثروة
وفي هذا السياق تبرز قضية تقاسم الثروة وتحديدا الموارد البترولية، وهي من أكثر القضايا تعقيدا كما يقول الدكتور حسن محمد نور أستاذ الاقتصاد بجامعة النيلين.

وإلى جانب تقاسم الثروة، تبقى قضايا الإحصاء وترسيم الحدود تضاف إلى عوامل التوتر والخلاف.

ويحذر محمد نور من "انفراد" شريكي الحكم بالقرار, مشيرا إلى أن ذلك سيؤثر على مستقبل السودان بدولتيه وعلى أنظمة الحكم والنظام السياسي بالبلدين في حال الانفصال.

كما يحذر من مخاطر إقليمية إذا امتدت عدوى المطالبة بالانفصال تحت وطأة الضغوط الاقتصادية لتشمل الجوار الأفريقي، باعتبار أن الأمر قد يشكل سابقة تصلح للتأسيس عليها إذا توفرت قوة الدفع إقليميا ودوليا.

جنوب كردفان نموذجا
وتمثل جنوب كردفان إحدى بؤر التماس مع الجنوب والمرشحة لمزيد من التوتر, ويخشى سكانها تحول الولاية إلى ساحة حرب ومواجهة جديدة بين الشمال والجنوب.

يذكر أن مساحة جنوب كردفان تبلغ نحو 82 ألف كلم2، ويقطنها أكثر من مليوني نسمة، وهي تقترب من المركز الجغرافي للسودان، وتتمتع بأرض مطرية خصبة، كما أنها من أولى المناطق الشمالية التي تأكد وجود البترول فيها.
 
وباستثناء القطن, يعتمد السكان على الرعي بشكل أساسي رغم خصوبة الأرض, حيث تغيب المشاريع الزراعية فضلا عن عمليات تأميم لصالح الحكومة وحروب ونزاعات قبلية متتابعة فاقمت سوء استغلال الأراضي وجعلتها من المناطق الأكثر فقرا.

يشار إلى أنه في حال عدم حسم خلافات الحدود وتقاسم الثروة وتحقيق المشورة الشعبية لتطلعات أهالي جنوب كردفان والنيل الأزرق، فإن عدة ملايين من سكان تلك المناطق الملتهبة قد يجدون أنفسهم إذا انفصل الجنوب ضائعين بين حكومتين ودولتين متنافرتين, لتبقى التنمية كلمة السر في المرحلة المقبلة.

المصدر : الجزيرة