الشرطة التركية شنت حملة اعتقالات لعناصر قالت إنهم ينتمون للقاعدة (الجزيرة- أرشيف)

يوسف الشروف
 
ما الذي يغري القاعدة في تركيا كي تستولد منها ذرية جديدة؟ وأي أرض هي بالنسبة لها: "أرض جهاد أم أرض نصرة"؟

فجأة تجرد قوات الأمن التركية حملة على "معاقل التنظيم"، فتعتقل في أسبوع أكثر من 150 "قاعديا" وتعثر في حوزتهم على "أسلحة ومتفجرات معدة لاستهداف مصالح وطنية وغربية". كل هؤلاء "القاعديين" في تركيا وهي التي لا تشبه اليمن ولا الصومال ولا أي من ملاذات القاعدة الأخرى في شيء!

في التحليل الكلاسيكي المباشر، للقاعدة شروط عدة يجب تحققها (كلها أو بعضها) كي "تنبت" في بلد أو منطقة ما: فراغ تملؤه جراء تراجع سلطان القانون أو سلطان الأمن. فأي فراغ تعانيه الدولة التركية القوية والطامحة إلى توسيع دائرة نفوها في المنطقة وربما خارجها بعدما ضاقت به الجغرافيا التركية!

بيد أن جغرافيا الاعتقالات قد تسهل فهم "شرط الفراغ الأمني". فمعظم الاعتقالات جرت في الجنوب والجنوب الشرقي حيث يغذي التوتر مع الأكراد ضعف سلطة الدولة نسبيا، وفي الشمال الشرقي الذي يعد البوابة الجنوبية لمنطقة القوقاز. وكلا المنطقتين تمثلان حزاما لجوار تنشط فيه خلايا القاعدة منذ سنوات.

استثمر تنظيم القاعدة "القطيعة بين الحكام وشريعة الإسلام" في كثير من الأقطار العربية والإسلامية، فبنى خطابا شعبيا يصور هؤلاء الحكام كفارا، أو مرتدين على أقل تقدير، يجب قتالهم والخروج عليهم. فما نصيب هذا الخطاب من القبول في بلد يحكمه حزب لا تزال "إسلاميته" "لعنة" تلاحقه حتى يومنا هذا!
 
الأمن التركي عرض أسلحة قال إنها بحوزة المعتقلين  (الفرنسية- أرشيف)
حملة صليبية

في سبتمبر/ أيلول الماضي، وجه الرجل الثاني في تنظيم القاعدة أيمن الظواهري تهديدات لتركيا، قبيل توليها قيادة قوات حلف شمال الأطلسي (ناتو) في العاصمة الأفغانية كابل قائلا «فليعلم كل تركي مسلم حر غيور أن قوات بلاده ستتولى قيادة الحملة الصليبية في أفغانستان التي تحرق القرى وتهدم البيوت وتقتل النساء والأطفال وتحتل ديار الإسلام. إن القوات التركية ستفعل في أفغانستان فعل اليهود في فلسطين! فكيف يقبل الشعب التركي المسلم الحر الغيور هذه الجريمة؟».

نعم تركيا تكاد تكون الدولة الإسلامية الوحيدة المنخرطة علانية في قوات حلف الناتو في أفغانستان. لكن قواتها لست بقوات قتالية تلاحق طالبان أو القاعدة.
مثلت علاقات كثير من الحكام العرب والمسلمين بالولايات المتحدة أو إسرائيل أو "الغرب الصليبي" عموما ركيزة أساسية في الرواية السياسية (Political Narrative) التي بنت عليها القاعدة دعوتها لشق عصا طاعة الحكام.

لكن ألم يشفع لتركيا حزب العدالة والتنمية قطيعتها مؤخرا مع إسرائيل، ورفض برلمانها قبل ذلك في عام 2003 تمكين القوات الأميركية من جنوبها كي تنقض على العراق. ألا يشفع لتركيا حزب العدالة والتنمية أنها من أوهن، بقصد أو بدون قصد، جذوة حماسة شعبها للانضمام إلى أوروبا "الصليبية".

لكن هل المعتقلون منتمون فعلا للقاعدة؟ أم أنهم مجرد "عناصر إسلامية متطرفة" قلما خلا منها المجتمع التركي في السنوات الأخيرة، ربما بقايا "حزب الله التركي" أُريد تقديمهم بوصفهم أعضاء في القاعدة التي تحولت في السنوات الأخيرة إلى أفضل مجسد لما يعرف بسياسات التخويف (Politics of Fear).

ثم أي من أجهزة الدولة التركية قام بعملية الاعتقال؟ قد يبدو السؤال طريفا لمن هم خارج تركيا! وقد يزيد من طرافته التضارب الذي يلف هوية جهة الاعتقال. لكن هذا التضارب يعني أن وراء الأكمة ما وراءها. ثمة روايتان: أولى ترى الاعتقالات من فعل الشرطة (حكومة)، وثانية معتبرة تراها من فعل "الجاندرما".

والجاندرما هي وحدة تابعة للجيش (حامي العلمانية)، وتدير خفية ذراعا مخابراتية تعرف باسم "جيتيم". وتنكر الدولة وجود جيتيم، لكنها معروفة في الأوساط التركية بارتباطها بشبكة من التنظيمات السرية، ويشار إليها بوصفها متورطة في مئات الاغتيالات والاختفاءات التي وقت في التسعينيات ولا تزال غامضة حتى يومنا هذا.
 
شهدت مدن تركية انفجارات نسبت
إلى تنظيم القاعدة (الفرنسية- أرشيف)
الدولة العميقة

جيتيم بالنسبة لكثير من الأتراك تجسيد لفكرة "الدولة العميقة: Deep State" (دولة داخل دولة) وهي مليشيات شبه عسكرية تعمل خارج إطار القانون وضالعة في محاولات لزعزعة استقرار تركيا لإتاحة الفرصة أمام الجيش لإزاحة حكومة العدالة والتنمية الحالية.

المحلل التركي حسني محلي الذي شارك مؤخرا في برنامج ما وراء الخبر على الجزيرة، قال إن الاعتقالات تهدف لإحراج الحكومة، وهو يشاطر رأي من يراها محاولة لإشغالها واستنزافها في سجالها مع الجيش الذي كسب مؤخرا جولة قضائية على العدالة والتنمية بشأن محاكمة العسكر أمام محاكم مدنية.

في السابق، تقول مجلة تايم الأميركية، كانت "العناصر الإسلامية المتطرفة" تلجأ إلى التفجيرات لأن ما يعقبها من اعتقالات ويتخللها من انتهاكات تلفت انتباه الاتحاد الأوروبي، يخدم أجندتها المعارضة للانضمام إلى أوروبا. لكن اليوم يبدو منسوب أشواق الأتراك لدخول النادي المسيحي في أدنى مستوياته إذ إن 27% فقط من الأتراك ينظرون بإيجابية إلى هذه القضية.

حينما وقعت تفجيرات إسطنبول عام 2003، صار اسم المدينة قرينا لمدن أخرى كالرياض والدار البيضاء وجاكرتا ومومباسا وغيرها. واليوم يخشى الأتراك أن يجدوا اسم بلدهم مقرونا بدول أخرى كاليمن والصومال وبقية ملاذات القاعدة الأخرى.

أيا ما تكن الحقيقة وبغض النظر عن الاتجاه الأكثر منطقية في تحليل ملابسات حملة الاعتقالات في تركيا، فإن هذه القضية تبقى تحديا إستراتيجيا لطموحات "سلاطين" تركيا الجدد الساعيين إلى أخذ تركيا إلى فضاءات أرحب كي يستكملوا بناء هياكل قوة إقليمية تمد أجنحة نفوذها في كل اتجاه.

المصدر : الجزيرة