المطالبون بإصلاح الأمم المتحدة يقولون إن الدول الكبرى تهيمن عليها (الفرنسية)

محمد أعماري-الجزيرة نت

في عام 2003 اضطر الأمين العام للأمم المتحدة آنذاك كوفي أنان للتصريح بأن الغزو الأميركي البريطاني للعراق "غير شرعي" ومخالف لميثاق الأمم المتحدة، وكانت تلك من العلامات البارزة التي دلت على أن المنظمة الأممية جعلت لخدمة "الكبار" وأن بإمكانهم الدوس عليها في سبيل مصالحهم.

وقد تعالت في مناسبات سابقة دعوات لإصلاح المنظمة لم تتجاوز حناجر أصحابها، وتجددت مثيلات لها في الاجتماع الأخير للجمعية العامة للأمم المتحدة، حيث طالب الزعيم الليبي معمر القذافي بتوسيع صلاحيات الجمعية العامة وإعادة النظر في تشكيلة مجلس الأمن، الذي وصفه بأنه "مجلس رعب"، وتساءل كيف يعقل أن تقرر حفنة من الدول مصير أمم الأرض كلها.

أما أمير دولة قطر الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني فقد دعا للعودة إلى ميثاق الأمم المتحدة و"تجديده بحيث يتطابق مع الحقائق المستجدة" في العالم، معتبرا أن "سلام ورخاء العالم يحتاج إلى ما هو أكثر من سلاح الأقوياء".

ساركوزي قال إنه ليس عدلا ألا تُمثل أفريقيا بمقعد دائم بمجلس الأمن (الفرنسية)

دعوات الأقوياء
وحتى هؤلاء الأقوياء بسلاحهم مثل فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة يرون ضرورة إعادة النظر في العلاقات الدولية، وإن كانوا ينظرون إلى الأمر بنظارات غير تلك التي تضعها دول العالم الثالث، خصوصا وأن دولهم ما تزال تعاني من أوجاع الأزمة المالية العالمية التي لا يرون لها حلا في غياب "الضعفاء".

فالرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي قال إنه "ليس من العدل" ألا تُمثل أفريقيا بعضو دائم في مجلس الأمن، واعتبر أن "شرعية الأمم المتحدة رهينة بإصلاح" هذا المجلس، ورئيس الوزراء البريطاني غوردون براون دعا إلى "مجتمع كوني" لحل مشاكل العالم.

ومن جهته تعهد الرئيس الأميركي باراك أوباما بالعمل مع الدول الأخرى عندما يدافع عن مصالح بلاده، ودعا "من اعتادوا على تأنيب أميركا لأنها تتصرف بمفردها ألا يقفوا الآن جانبا وينتظروا منها أن تحل مشاكل العالم وحدها".

حملة واسعة
ويرى محللون أن هذه الدعوات المنادية بإصلاح الأمم المتحدة لا يمكن أن تحقق ما عجزت عنه سابقاتها، ولا يمكن أن تضع حدا لهيمنة الكبار على القرار العالمي، ولن تكون أكثر من "وهم" سيزول بعد حين.

فهذه الإصلاحات برأي أستاذ العلاقات الدولية في جامعة محمد الخامس بالرباط تاج الدين الحسيني دونها معركة طويلة تحتاج إلى "قيادة حملة واسعة لأجل استقطاب أصوات ثلثي أعضاء الجمعية العامة" وفقا لما ينص عليه ميثاق الأمم المتحدة.

بل لا بد أن يكون بين هذين الثلثين أصوات الدول الخمس الدائمة العضوية بمجلس الأمن (الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وروسيا والصين)، إذا أراد العالم إصلاح نظام "أنتج بعد الحرب العالمية الثانية ولم يفرض فقط على الدول التي انهزمت فيها، بل على كل القادمين الجدد للمنظمة الأممية"، يضيف الحسيني.

ويؤكد أنه من الصعب الوصول لإصلاح حقيقي "رغم أن هناك نفسا جديدا يتجه لتوسيع العضوية الدائمة بمجلس الأمن" لأن هذا النفس "يصطدم بضرورة موافقة الدول الخمس الدائمة العضوية، التي لن توافق على أي إصلاح يهدد مصالحها ويقوض هيمنتها".

معمر القذافي دعا لإصلاح مجلس الأمن واعتبره "مجلس رعب" (رويترز)

تجميل لا غير
ويعتبر أستاذ العلاقات الدولية والدراسات الشرق أوسطية في جامعة ماريمونت بمنهاتن غسان عايش شبانة أن هذه الدعوات لن تثمر أي نتائج على الأقل في السنوات العشر القادمة، وأن أقصى ما يمكن أن تصل إليه حتى لو حققت شيئا هو "تجميل وإصلاح وهمي وليس جديا أو جذريا".

ورغم أن هذه الدعوات تأتي الآن في ظروف غير التي جاءت فيها سابقاتها، مع صعود قوى دولية جديدة وتراجع أخرى، فإن المشكلة –حسب شبانة- تكمن في نظرة الدول الكبرى لهذا الإصلاح "فهي تريد شركاء معها بمجلس الأمن لكن ليس بنفس الصلاحيات التي للدول الخمس".

كما أن من معرقلات هذا "الإصلاح" –يقول المتحدث نفسه- الصراعات الإقليمية التي ستنشأ للظفر بالمقاعد الدائمة المقترحة، سواء في أفريقيا أو آسيا أو أميركا اللاتينية، وهو ما يعني أن "على العالم الثالث أن يطرح مشروعا كاملا ومتكاملا ويخلق تحالفات دولية جديدة لإرغام الدول الغربية على قبول وجهة نظر جديدة وتركيبة جديدة لمجلس الأمن".

حسب المراقبين إذن فإن الأمم المتحدة ستظل تحت هيمنة القوى الكبرى إلى أن تتغير موازين القوى يوما ما، أو على الأقل إلى أن يفهم "الكبار" أن العالم سفينة واحدة سيغرق كل من فيها إذا خُرقت.

المصدر : الجزيرة + وكالات