الأمن الموريتاني يطوق موقع الانفجار قرب السفارة الفرنسية (الجزيرة نت)

أمين محمد نواكشوط

تواجه موريتانيا منذ نحو سنتين تصاعدا مطردا في عمليات تنظيم القاعدة، توج بالتفجير الذي استهدف دركيين فرنسيين يوم أمس قرب السفارة الفرنسية بنواكشوط، والذي يعد أول تفجير بحزام ناسف تشهده موريتانيا على الإطلاق.

وتوجهت عمليات القاعدة طيلة الفترة الماضية إلى هدفين رئيسيين هما وحدات الجيش الموريتاني خصوصا منها تلك الواقعة في أقاصي الحدود، والرعايا الغربيين خصوصا الفرنسيين والأميركيين، ولم يسجل أن خرجت تلك العمليات عن إطار هذين الهدفين.

بيد أن العملية الأخيرة (شكلا وهدفا وطريقة تنفيذ) طرحت العديد من الأسئلة المرتبطة بمستوى إصرار تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي على إلحاق الأذى بحالة الاستقرار في البلاد، وأسباب هذا الإصرار، وما إذا كانت الاعتقالات وتفكيك الخلايا الذي تم في الآونة الأخيرة قد نجح في وضع حد لهذه الطموحات.

"
الخبير في شؤون الجماعات الإسلامية إسلمو ولد المصطفى ربط تصاعد عمليات القاعدة في موريتانيا بالتضييق الذي تعانيه هذه الجماعة في مقراتها الأصلية بالشمال المالي والجنوب الجزائري
"
تضييق
ويعتقد الخبير في شؤون الجماعات الإسلامية إسلمو ولد المصطفى أن تصاعد عمليات القاعدة في الآونة الأخيرة بموريتانيا مرتبط بدرجة كبيرة بمستوى التضييق الذي تعانيه هذه الجماعة في مقراتها الأصلية بالشمال المالي والجنوب الجزائري، بعد الضربات الأخيرة القوية التي استهدفت خلايا وقيادات التنظيم على يد الجيشين المالي والجزائري.

ويرى ولد المصطفى في تصريح للجزيرة نت أن حجم التضييق هناك فرض على بعض المنتمين للتنظيم العودة إلى أوطانهم بحثا عن متنفس جديد أقل ضغطا، يمكن من البحث عن ملاذات جديدة، أو تأسيس خلايا، واقتناص ضحايا جدد.

ولم يستبعد أن تكون العمليات الأخيرة بشكل خاص هدفت إلى توجيه رسالة مبطنة للرئيس محمد ولد عبد العزيز مفادها أن عليه تغيير سياسات بلاده تجاه التنظيم إذا أراد لبلاده قدرا من الأمن والاستقرار.

أما الخبير الاجتماعي محمد ولد اجدود فربط في تصريح للجزيرة نت تصاعد هذه العمليات في موريتانيا بكونها تمثل الحلقة الأضعف في محيطها بحكم اتساع حدودها الجغرافية وعدم قدرة أي كان على ضبط هذه الحدود التي تمتد على مساحة واسعة تقارب مليونا وثلاثين ألف كلم، وتقع أجزاء واسعة منها ضمن ما يعرف بمثلث الصحراء المخيف، مما يجعل انتقال العدوى من دول الجوار إليها أمرا سهلا وميسورا.

هذا بالإضافة إلى الأسباب العامة من الناحية الاجتماعية لانتشار هذه الظاهرة مثل استفحال البطالة، وضعف الاهتمام بشريحة الشباب، وقلة كفاءة النظام التربوي والتعليمي في البلد، وأسباب أخرى إقليمية وعالمية كتفشي الظلم والقهر، وانتشار الفساد الأخلاقي والقيمي.

قدرة وإصرار
ويتوقف الصحفي المتابع لشؤون الجماعات الإسلامية محمد الحافظ ولد الغابد عند دلالات التفجير الانتحاري الأخير، مشيرا إلى أنه يؤكد أن تنظيم القاعدة ببلاد المغرب الإسلامي لا يزال قادرا على إلحاق الأذى بالمصالح الغربية في البلاد، ووضع مصداقية الأمن الموريتاني في حرج، بعد أن أصبح من شبه المؤكد أنه لا يزال ضعيفا في هذه المواجهة المفتوحة، وعلى الرغم من محدودية خسائر العمليات الأخيرة، فإنها تؤكد بحسب ولد الغابد- فاعلية نظام الخلايا القاعدي لدى الجماعة الذي لم يتعطل عن الفعل رغم الاعتقالات المتتالية والضربات التي وجهت إليه.

ورغم أنه لا توجد معطيات دقيقة حول حجم انتشار ما يعرف بالتيار السلفي الجهادي في موريتانيا، فإن أغلب المؤشرات تدل على أنه لا يزال ضمن نطاق ضيق جدا من الشباب ومن الصغار في السن بشكل خاص.

وهنا يلاحظ ولد المصطفى أن النواة الأولى لهذا التيار تمثلت في بعض الشباب العائدين من أفغانستان، لكن لم تعد لهم صلة اليوم بالأجيال الجديدة التي تشكلت بشكل فعلي خلال عام 2005، بعد الاعتقالات الواسعة التي شنت آنذاك في صفوف التيارات الإسلامية.

ويلاحظ أن النسخة الأولى من الجيل الجديد كانت أقل حدة، من النسخة اللاحقة التي تكونت أساسا من بعض الشباب الصغار في السن، المحدودي التجربة والوعي الشرعي والسياسي.

"
ولد عبد العزيز قال إنه لا توجد خلايا إرهابية بمعنى الكلمة على التراب الموريتاني، وإن كان فعلا قد تم اعتقال إرهابيين تدربوا في الخارج
"
بيد أن ولد الغابد يؤكد أن العملية الأخيرة تكشف عن مستوى من نجاح نظام التجنيد الذي كشف هذه المرة عن انتماء بعض أبناء طبقة الأرقاء السابقين للتنظيم وهو ما يؤكد أن انتشار فكر هذه المجموعات أصبح أكثر من ذي قبل لدرجة اختراق فئات بعيدة عن التدين حيث كان انتشار الظاهرة مقتصرا على بعض المجتمع العربي في موريتانيا.

يذكر أن الرئيس ولد عبد العزيز قال في مقابلة مع إذاعة فرنسا الدولية بعد انتخابه إنه لا توجد خلايا إرهابية بمعنى الكلمة على التراب الموريتاني، وإن كان فعلا قد تم اعتقال بعض الأفراد، وهم بالفعل إرهابيون تم تدريبهم خارج موريتانيا وجاؤوا إليها لتنفيذ مهمات محددة.

المصدر : الجزيرة