ولد الشيخ عبد الله: أي انقلاب جديد سيكون مصيره الفشل (الفرنسية-أرشيف)

حاوره: شيخنا ولد الشيخ أحمد الأمين

حذر الرئيس الموريتاني المستقيل سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله من إقدام الجنرال محمد ولد عبد العزيز على محاولة للعودة إلى السلطة بالقوة إذا فشل في تحقيق ذلك عبر صناديق الاقتراع.

غير أن ولد الشيخ عبد الله أكد أنه "حتى لو حصل ذلك، فستكون في النهاية عملية فاشلة وستعزز فرص عدم الانقلابات في هذا البلد".

ودافع ولد الشيخ عبد الله عن فترة حكمه، رافضا تهم الفساد التي وجهها العسكريون لأركان نظامه، وقال إن فترة حكمه شهدت إنجازات كثيرة على المستويات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية.

عرفت موريتانيا أزمة سياسية إثر الانقلاب الذي حدث في السادس من أغسطس/آب 2008، هل تعود الأزمة إلى قصور في الدستور الموريتاني أم أن ضعف التجربة السياسية هو  السبب؟

لا أعتقد أن السبب يعود إلى نقص في الآليات الدستورية، ولا إلى ضعف التجربة، بقدر ما يعود إلى ظروف خلقها التحول الذي شهدته موريتانيا بانتخابات 2007.

فما أفرزته صناديق الاقتراع يومئذ لم يرق، على ما يبدو، لبعض السياسيين، كما أن المنهج الجديد في الحكم لم يكن مستساغا من طرف بعض من تعودوا على أساليب ومناهج هي أقرب للتبادل المنفعي منها إلى أساليب الحكم وتسيير الدول.

لقد كان المنهج الذي اعتمدناه يقوم على أن الموريتانيين متساوون في الحقوق والواجبات، ولا يمكن للدولة أن تمنح الامتيازات والوظائف للبعض بهدف تقوية مراكزهم المحلية ليبقوا متحكمين في الشأن المحلي ووسيطا بين المواطنين والدولة.

وأعتقد أن البعض شارك في انتخابات 2007 وفق رؤية خاصة مؤداها أنه يشارك في عملية تمكنه من الاحتفاظ بامتيازات مهمة.

وربما تصور الكثير من هؤلاء أنني شخص تقليدي مسن، قد لا أستطيع إحداث تغيير كبير يؤثر في طبيعة العلاقات وأنماط السلوك التي حكمت إدارة الدولة ردحا من الزمن.

وبعد استلامي لمهامي الرئاسية بدأ البعض يدرك أن هذه التصورات خاطئة وأحس أن المنهج الذي اعتمد في تسيير البلد خلال أكثر من عقدين من الزمن ومنح امتيازات لأشخاص لتقوية مراكزهم وخلق مناطق نفوذ لهم لم يعد مقبولا.

وعندما أدرك هؤلاء هذه الحقيقة وفهموا أن منهج الزبونية السياسية لم يعد مقبولا، بدؤوا يبتعدون عن النظام.

وفي الوقت نفسه أحس بعض الضباط القادة أن المنهج الجديد المتبع غير مطمئن ولا يدركون مدى تأثيره على مصالحهم الشخصية.

والحقيقة أن هذا المنهج لم يكن يستهدفهم ولم يكن هنالك أي شيء ضدهم، فقد كنا نعمل على تقوية الجيش وتجهيزه بأفضل التجهيزات ومده بكل الوسائل الضرورية، لكننا كنا حريصين على ابتعاده عن السياسة وتجنيبه التجاذبات السياسية، ليبقى متفرغا لمهمته المقدسة في الدفاع عن البلد والحوزة الترابية للجمهورية.

وكما لم يرق هذا المنهج لأولئك، يبدو أن منهج ابتعاد الجيش عن السياسة لم يرق لبعض الضباط وربما شعروا بأن هذا النظام ليس هو النظام الذي كانوا يريدونه.

وبالإضافة إلى ذلك، فإن بعض أطراف المعارضة، وبالأخص حزب تكتل القوى الديمقراطية وزعيمه السيد أحمد ولد داداه كان يود أن يعيش النظام أزمات ومشاكل تؤدي إلى انتخابات رئاسية سابقة لأوانها، قد تحمله إلى كرسي الرئاسة.

وأعتقد أن طموحات هؤلاء ورغبات وقلق أولئك، تلاقت لتخلق الإطار العام والجو الذي جاء فيه الانقلاب الذي عرفته البلاد في السادس من أغسطس/آب 2008.


هل كان يمكن تجنب هذه الأزمة بالوسائل السياسية، وهل بذلتم جهودا لذلك قبل الانقلاب عليكم؟

أود في البداية أن أشير إلى أن التصدي لاحتمالات انقلاب عسكري لم يكن في صدارة اهتمامي، فمنصب رئاسة الجمهورية بالنسبة لي ليس هدفا وإنما هو وسيلة لتطبيق برنامج زكته أغلبية الشعب الموريتاني، هدفه النهوض بالوطن وتحقيق الرفاه للمواطن.

ومن ثم فإن اهتمامي انصب على ضمان التنفيذ المحكم لهذا البرنامج، ولم أنشغل كثيرا بالدسائس السياسية ومحاولات خلق المشاكل للنظام.

وقد كنت دائما أحرص على أن تنتظم كل المؤسسات والأجهزة في هذا الاتجاه، وأن تعمل انطلاقا من المهمة الملقاة على عاتق كل مؤسسة وكل جهاز.

وأجد من المناسب هنا تصحيح مقولة طالما رددها البعض هي أن الرئيس سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله كان أداة بيد العسكريين وكان يسير الأمور تبعا لرغبات بعض ضباط الجيش، وهذا أمر غير صحيح إطلاقا.

فحتى شهر أبريل/نيسان 2008 لم أشعر بأن لهؤلاء الضباط اهتمامات سياسية، ولم يتدخلوا في شؤون الحكم إلا ما تعلق منها بمجال اختصاصهم العسكري والأمني.

غير أنه بعد تغيير الحكومة وخروج الوزير الأول آنذاك وتشكيل حكومة جديدة، اتصل بي كل من الجنرال محمد ولد عبد العزيز والجنرال محمد ولد الغزواني، وعبرا عن عدم ارتياحهما لتشكيلة الحكومة الجديدة، وشعرت في حديثهما ببعض القلق.

وبالطبع وبحكم مسؤوليتي باعتباري رئيسا للجمهورية، فقد حاولت حينها معالجة الأمر لئلا أضطر إلى اتخاذ قرار عزلهما الذي كان أصعب قرار اتخذته.

وحاولت تبديد قلقهما من دخول بعض الأحزاب السياسية في الحكومة، إلا أنه رغم هذه المحاولات المتكررة، فقد بدأ هؤلاء الضباط التحرك في اتجاه بعض البرلمانيين في الجمعية الوطنية ومجلس الشيوخ والعمل معهما حتى وصلنا إلى ما وصلنا إليه في السادس من أغسطس/آب 2008.

أنتم أول رئيس موريتاني يرفض الرضوخ للمنقلبين عليه ويتمسك بشرعيته الدستورية، هل يعود ذلك إلى قناعتكم بأن الانقلابات لم تعد مقبولة دوليا أم هي المراهنة على الشعب الموريتاني والثقة فيه؟

الأمر يعود بالدرجة الأولى إلى تصوري لمسؤولياتي، فبحكم كوني رئيسا منتخبا كان من واجبي أن أبذل كل ما في وسعي للحفاظ على الأمانة، خاصة أن لدي برنامجا انتخبت على أساسه، يقوم على توطيد الوحدة الوطنية وتحقيق العدالة والتنمية في إطار جو ديمقراطي حقيقي.

وعندما وقع الانقلاب استشعرت مسؤولياتي الدستورية التي أقسمت عليها ومسؤوليتي السياسية والأخلاقية في الحفاظ على التجربة الديمقراطية والعمل على منع انتكاسها والعودة للوراء.

وفي هذا الإطار تندرج مقاومتي للانقلاب ورفضي الرضوخ لإرادة الانقلابيين، وقد وجدت إلى جانبي موريتانيين شرفاء مؤمنين بالعدالة والديمقراطية، انتظموا فيما عرف لاحقا بالجبهة الوطنية للدفاع عن الديمقراطية، وموريتانيين آخرين في الداخل والخارج دعموا هذا الاتجاه وعملوا من أجل إفشال الانقلاب.

 الكثير من الموريتانيين ينظرون إلى اتفاق دكار على أنه "انتصار للشعب الموريتاني كله" وأن الطبقة السياسية ضحت من أجل مصلحة البلد، هل أنتم مرتاحون للتضحيات التي قدمتموها بهذا الشأن؟

اتفاق دكار جاء استجابة لمطلب حقيقي من الشعب الموريتاني، الذي شعر بالخطر من انزلاق موريتانيا للمجهول وفشل تجربة ديمقراطية كانت رائدة ومتميزة في محيطها.

وقد تضمن الاتفاق بعض القضايا تمسني بصفتي رئيسا منتخبا أقسم على المحافظة على الدستور، وبصفتي كذلك رئيسا انتخب لمأمورية مدتها خمس سنوات لم يمض منها سوى خمسة عشر شهرا ومن حقه أن يكمل فترته الانتخابية ويتمسك بمنصبه.

وطوال فترة المفاوضات التي أدت للاتفاق، حرصت على الفصل بين الحالتين، وقلت بشكل صريح إن مسألة الفترة المتبقية من المأمورية ليست جوهرية، وإنه إذا توصل السياسيون الموريتانيون لحل توافقي لتجاوز الأزمة فلن أكون عقبة في طريق ذلك الاتفاق إذا احترم الصيغ الدستورية.

واحترام تلك الصيغ اعتبرته جوهريا وتمسكت به، لا لأنني أريد تعطيل الحل ولكن لأنني أقسمت على صيانة الدستور ولا أريد أن أحنث بقسمي.

ومن هنا جاء حرصي على ربط استقالتي بحل المجلس الأعلى للدولة لأنه هيئة غير دستورية، وفي النهاية توصلنا إلى صيغة للحل يتم بموجبها تغيير اسم هذه الهيئة وإخضاعها للحكومة، ورفضت توقيع مراسيم تشكيل حكومة الوحدة الوطنية والتنازل الطوعي عن رئاسة الجمهورية، ما لم أتأكد من حصول ذلك.

وعندما تم ذلك أرسل لي الرئيس عبد الله واد القرار في المنزل مع ممثلة الأمم في نواكشوط، وقعت المراسيم وقدمت استقالتي من رئاسة الجمهورية.

وحينما قدمت استقالتي كان الدافع وراء ذلك هو الحرص على مصلحة البلد، ولا أعتبر ذلك تضحية كبيرة، لأن موريتانيا تستحق أكثر، ومصلحة الشعب الموريتاني أهم بكثير من أي منصب.

وأرجو أن يوفق الموريتانيون في هذا الاتجاه الجديد، كما أرجو أن نكون حققنا بما قمنا به إبعادا للجيش عن السياسة بعد أن ظل بعض قادته منذ سنة 1978 يعتبرون أنفسهم أوصياء على الشأن العام في البلد وأنهم وحدهم القيمون على مصلحة موريتانيا، ليبرروا بذلك تدخلهم في الحياة السياسية والاستيلاء على السلطة بالقوة.

لقد آن الأوان أن نتجاوز هذه المرحلة وندرك أن الشعب الموريتاني مسؤول عن مصالحه وقد حدد الآليات الدستورية التي تعالج جميع الأمور التي قد تعترض سير السلطات الدستورية وتتصور الحلول لها، وهو ليس في حاجة إلى وصاية أي جهاز.

هل ترون في اتفاق دكار حلا نهائيا للأزمة أم هو علاج مؤقت لمشكلة قد تعود إلى الواجهة كلما كان هنالك عسكريون طامحون للسلطة أو ساسة يرغبون في التخلص من خصومهم؟

أعتقد أنه بات من الصعب الإقدام على انقلاب عسكري في موريتانيا، فالتجربة التي عشناها في الأشهر العشرة الأخيرة أكدت أن الشعب الموريتاني لم يعد مستعدا لقبول الانقلابات العسكرية.

والشيء الوحيد الذي أخشاه في هذا المجال هو أن الجنرال محمد ولد عبد العزيز إذا فشل في الانتخابات الحالية، قد يقوم -تحت تأثير الإحباط والشعور بالفشل- بالإقدام على محاولة لا أتبين كنهها، لكن حتى ولو حصل ذلك، فستكون في النهاية عملية فاشلة، وستعزز فرص عدم حصول الانقلابات مستقبلا في هذا البلد.


هل يعني هذا أن اتفاق دكار يعتبر فشلا لانقلاب 2008؟

هو فعلا فشل للانقلاب، فالحكم العسكري حاول في البداية أن يظهر داخليا وخارجيا على أنه مرغوب من الشعب الموريتاني، ليصبح بذلك نظاما شرعيا. وحاول بعد ذلك تنظيم انتخابات حدد موعدها وأراد من خلالها إصباغ نوع من الشرعية على سلطته.

غير أن نضال الشعب الموريتاني الرافض للانقلاب ومواقف المجموعة الدولية جعلت تنفيذ تلك الخطة أمرا مستحيلا، وكل ما بقي للعسكريين هو أن يترشح الجنرال محمد ولد عبد العزيز للرئاسة في انتخابات حدد لها تاريخ آخر باتفاق الموريتانيين، ترشح لها عدد من الشخصيات السياسية الموريتانية، وتشرف عليها حكومة ائتلافية هي التي تسير الشأن العام في البلد الآن. ومن الواضح أن هذا يؤكد فشل الانقلاب.

ورغم استغلال سلطة الدولة واستخدام الترغيب والترهيب، فإننا نعيش اليوم جوا يشعر فيه كل موريتاني بأنه حر في اختيار من يحكمه، وباستطاعته التصويت لمن يريد، وهذا يعتبر أكبر فشل للانقلاب.

انطلاقا من تجربتكم خلال هذه الأزمة، كيف ترون دور الجيش في العملية السياسية حاضرا ومستقبلا؟ وهل هناك طريقة لمنع الانقلابات العسكرية؟

دور الجيش واضح ومحدد بنص الدستور، ويجب أن يكون جيشا جمهوريا يدافع عن أمن الوطن وحوزته الترابية، كما قلت من قبل.

وفي حالات معينة قد يكون مطلوبا أن يشارك في برامج تخدم مصلحة الجماهير، وهي حالات يجب أن تكون محددة من رئيس الجمهورية بصفته الدستورية كأعلى هرم في السلطة.

هذا فيما يخص الجزء الأول من السؤال، أما ما يخص طريقة منع الانقلابات، فرأيي أن إرادة ووعي الشعب هما وحدهما الكفيلان بالوقوف في وجه الانقلابات العسكرية ومنع حصولها.

وتجربة العالم تؤكد ذلك، فالبلدان الديمقراطية لا يمكن للجيش فيها أن يقدم على الانقلاب، لأنه يدرك أن ذلك مرفوض من الشعب ولن يحظى بالقبول، بل سيواجه من طرف كل مكونات الشعب. وهذا ما بدأ يحصل في موريتانيا بحمد الله وما عشناه في الأشهر الأخيرة.

العسكريون الذين قاموا بالانقلاب، اتهموكم بأنكم "انقلبتم على أغلبيتكم البرلمانية وعطلتم سير المؤسسات الدستورية" ما هو ردكم على هذه التهم؟

قد تكون اطلعت على الخطاب الذي ألقيته وقدمت من خلاله استقالتي، فقد تحدثت بإيجاز عن بعض هذه القضايا، وقلت إنني لا أريد الحديث كثيرا في هذا الموضوع وإنني أترك الحكم على هذه الفترة للتاريخ.

إن العسكريين -ولا أقول الجيش لأنني واثق من أن الجيش كمؤسسة كان بعيدا عن التخطيط لانقلاب السادس من أغسطس/آب 2008- كانوا بحاجة لتبرير انقلابهم بتشويه صورة الرئيس عند المجتمع، وكان لا بد أن يلجؤوا إلى كل وسيلة قد تمكنهم من ذلك، بغض النظر عما إذا كانت مشروعة أو غير مشروعة.

وفي سبيل ذلك رفعوا في البداية شعار الدفاع عن التجربة الديمقراطية، وبعد فترة اختفى هذا الشعار ولم نعد نسمع عنه منذ عدة أشهر، ثم رفعوا شعار محاربة الفساد، إلى غير ذلك من الشعارات التي هي مجرد وسائل للتضليل.

وفيما يخص قضية تعطيل عمل البرلمان، أوضحت من خلال خطاب الاستقالة أن الدورات البرلمانية استغرقت أكثر من نصف الخمسة عشر شهرا التي سبقت الانقلاب.

وكان عمل البرلمان جادا وملموسا، حيث صادق على نصوص قانونية في غاية الأهمية من بينها قانون تجريم ممارسة الاسترقاق، كما صادق على عدة اتفاقيات مهمة للبلد وقبل يومين من انتهاء آخر دورة عقدها قبل الانقلاب، صادق على اتفاقية مع الاتحاد الأوروبي في مجال الصيد، وفرت للبلاد تسعين مليون يورو، كانت السلطة العسكرية بحاجة إليها في الأشهر الأخيرة.

ومع أنني ما زلت أفضل عدم الحديث عن هذه القضايا، فإنني أود أن أؤكد أنه إذا كان هنالك ما ميز فترة حكمي فهو عدم تدخل رئيس الجمهورية في عمل الأجهزة والمؤسسات والسلطات الدستورية.

لقد كانت السلطة التشريعية، كغيرها من السلطات والهيئات، تقوم بمهامها بمعزل عن أي تأثير أو تدخل من السلطة التنفيذية، إلى أن شعر الجنرال محمد ولد عبد العزيز بأن توجهات الحكم لم تعد تلائم توجهاته وطموحاته، فبدأ اتصالاته ببعض البرلمانيين ليقدموا ملتمسا لحجب الثقة عن الحكومة.

واقتصر ردي آنذاك على القول إنني إذا شعرت بتعطل السير المنتظم للسلطات، وبأنني فقدت الأغلبية التي تمكنني من تطبيق برنامجي، فقد ألجأ لحل الجمعية الوطنية وأدعو إلى انتخابات تشريعية سابقة لأوانها.

ويومها قيل إنني أعلنت الحرب على البرلمان ووقفت في وجه قيامه بهامه الدستورية وعطلت عمل السلطة التشريعية، وهي اتهامات غير صحيحة، هدفها تعبئة بعض الأطراف لتأييد الاتجاه الذي قاد إلى الانقلاب.

ينعت العسكريون أركان نظامكم بـ"الفساد" واتهموا الوزير الأول فيما سميت "صفقة الأرز الفاسد"، هل كنتم تعلمون بأن هنالك فسادا في الحكم، أم أن ذلك مجرد ادعاءات لا يسندها الواقع؟

لقد كان التسيير بصفة عامة شفافا ونزيها، والكل يعلم أنني كنت بعيدا تماما عن أي تسيير غير شفاف أو غير نزيه.

ولو كان هنالك ما ينفي هذه الحقيقة، أو كانت هناك مستمسكات تثبت حدوث تلاعب أو سوء تسيير، لكان هؤلاء أعلنوها لتدعيم موقفهم وإثبات اتهاماتهم. ولأنهم لا يمتلكون أي دليل، ظلت اتهاماتهم في حدود الكلام العام والعائم.

وعندما كنت تحت الإقامة الجبرية في نواكشوط، وخلال وجودي هنا في لمدن، تابعت كلما قيل ويقال عن الفساد وسوء التسيير، لكنني لم أسمع رقما واحدا، لم أبلغ بأن معدل النمو تدنى ولم يقل أي شخص بأن الأوضاع تدهورت.

لقد كان الهدف منذ البداية هو التشويه، والدليل على ذلك أن البعض جعل من نقص المياه في نواكشوط قضية، ورغم أن ذلك حدث بعد شهر واحد من تسلمي لمهامي الرئاسية فقد اعتبروا أنني السبب.

وحينما عالجنا القضية بشكل جنب سكان نواكشوط مشاكل نقص المياه خلال صيف 2008 لم يتحدثوا عن ذلك، لأن الهدف كما قلت هو التشويه.

أما فيما يخص برنامج التدخل الخاص الذي قمنا به والذي قيل عنه الكثير، فقد كان برنامجا جيدا على مستوى التخطيط والمتابعة والتنفيذ، وحقق الكثير من أهدافه وخفف تأثير أزمة الغذاء العالمية على سكان موريتانيا، وقد اعتمد منهج التشارك والتشاور وطلبنا من الجميع، بمن فيهم المعارضة، المشاركة في متابعته ومراقبته.

وبالنسبة لقضية الأرز فقد تلقيت ملفا حول كميات من الأرز قدمتها الولايات المتحدة الأميركية مساعدة لموريتانيا سنة 2005 أو قبل ذلك وتم بيعها لرجل أعمال، وكانت هنالك شكوك حول صلاحيتها للاستخدام البشري.

وقد أخذ الملف طريقه الطبيعي كأي ملف آخر لدراسة مختلف جوانبه واتخاذ الإجراءات اللازمة إذا ما كان هنالك تقصير أو انحراف.

إلا أن هذا الملف حرف عن مساره الطبيعي واستغل سياسيا بطريقة غير نزيهة، وتحدث عنه الجنرال محمد ولد عبد العزيز بطريقة تنافي أخلاقيات الموريتانيين.

وهذه القضية وغيرها مما أثير لا يعني وجود فساد في الحكم، فالفترة التي أمضيتها في الحكم تميزت بإصلاح كبير في هذه الناحية، يدركه من تابع الأمور عن قرب.

الاسترقاق في موريتانيا ومخلفاته وعودة اللاجئين الموريتانيين في السنغال ومالي، شكلت قضايا عملتم على حلها، هل كانت تلك الخطوات جادة أم هي -كما قال العسكريون- مجرد "خطوات حولت هؤلاء من لاجئين خارج وطنهم إلى لاجئين في وطنهم"؟

القضايا الكبرى لا تحل دفعة واحدة، والمهم أننا اتخذنا قرارات أساسية وواضحة بشأن هاتين القضيتين. فعلى مستوى عودة اللاجئين عبرنا عن إرادتنا وإرادة الدولة في توفير الظروف لعودة كل اللاجئين الموريتانيين لوطنهم، وقمنا بذلك بطريقة جيدة، وكان هنالك برنامج طموح يستفيد منه ستمائة ألف شخص، يشمل العائدين وسكان المناطق التي سيعودون إليها، فضلا عن الذين جاؤوا من السنغال في أعقاب أحداث 1989.

وقد وصلت الدراسات المتعلقة بهذا الملف مرحلة متقدمة وبدأت المؤسسة المكلفة بعودة ودمج هؤلاء المواطنين تمارس مهامها عمليا وبصورة جيدة ونزيهة، وكانت الأمور متقدمة جدا. وبعد الانقلاب اتهمت المؤسسة بالفساد وأرسل إليها المفتشون لكنهم لم يتمكنوا من إثبات ذلك.

ومن الأمور التي أثلجت صدري أنه بعد الانقلاب وجد الذين استولوا على السلطة أن القضية وصلت مرحلة لا يمكن التراجع عنها، لذلك لم يعد أمامهم من وسيلة إلا القول بأنها تمت بطريقة غير جيدة. وهذا يعني أننا قمنا بإجراء يحظى بإجماع الموريتانيين ويشكل اختيارا سليما لصالح حاضر ومستقبل هذا البلد.

أما بخصوص قضية معالجة آثار الاسترقاق، فقد كنا حريصين منذ البداية على وضع حد لهذا المشكل قانونيا واقتصاديا، وقمنا بتقديم نص صادق عليه البرلمان يجرم ممارسة أي نوع من أنواع الاسترقاق أو استغلال البشر، وأعطينا الأولوية في البرنامج الاقتصادي للمناطق التي يوجد فيها الذين عانوا من آثار هذه الظاهرة.

وأنا اليوم أشعر بسعادة غامرة وأنا أرى التطور الاجتماعي الذي يعرفه البلد في هذه المرحلة من تاريخه، وأعيش مع الموريتانيين حالة من التوحد واختفاء الفوارق الطبقية والفئوية.

إنكم تعرفون موريتانيا وتعرفون طبيعة النظام والعلاقات التقليدية فيها، ولا شك أنكم تتابعون الساحة السياسية، وإذا ما لاحظتم المحيطين بالرئيس مسعود ولد بلخير اليوم والداعمين له ومعاونيه والمسؤولين في حملته، ستدركون مستوى التطور الذي عرفه البلد في هذا الجانب، وتتأكدون من أن موريتانيا تعيش واقعا يجعل منها وطنا حقيقيا لجميع الموريتانيين.

وربما يعود ذلك في جانب كبير منه إلى القرارات التي اتخذت في هذا المجال والتي أحدثت حركية اجتماعية حقيقية، أعتقد أنها مهمة لهذا البلد.

الدور العربي في حل الأزمة الموريتانية كان غائبا إلى حد كبير، وما وجد منه اعتبر مشجعا للانقلاب ومساندا لأجندته، ما السبب في ذلك في رأيكم؟ وهل حز ذلك في نفوسكم؟

لا أشاطركم الرأي في أن الدور العربي كان منحازا، فأنا أعرف أن الدول العربية لا تريد إلا الخير لموريتانيا، وأعرف أن معظمها قدم مساعدات جليلة للشعب الموريتاني.

غير أن الدول العربية لا تملك، منفردة أو منتظمة في الجامعة العربية، آليات محددة وقواعد مقننة للتعاطي مع الانقلابات.

صحيح أن الموريتانيين ربما تطلعوا إلى دور عربي أكبر في حل الأزمة، لكن معرفتي بالواقع العربي تجعلني لا أعتبر الموقف العربي سلبيا ولا منحازا للانقلاب، بل هو محكوم بعوامل تفرض على كل قطر عربي التعاطي مع الوضع انطلاقا مما يرى أنه في مصلحة موريتانيا، دون التدخل في شؤونها الداخلية، نظرا لحساسية النظام الإقليمي العربي في هذا المجال.

السيد الرئيس اسمحوا لي بسؤال خارج السياسة، عشتم خلال الأشهر العشرة الماضية تجربة متميزة في تاريخ الرؤساء الموريتانيين، كيف كانت هذه التجربة على المستوى الإنساني؟

يمكن أن أقول إنني شعرت في الأشهر العشرة الأخيرة بحالة من السعادة وارتياح الضمير لم أعرفها عندما كنت أمارس مهامي في القصر الرئاسي.

ويعود هذا إلى أنني كنت أعمل طيلة هذه الفترة انطلاقا من مسؤولياتي الدستورية، وأقوم بما أعتبره واجباتي تجاه وطني وشعبي، وكنت أتمتع بالدعم من المواطنين الموريتانيين ومن الأشقاء والأصدقاء في الخارج. وقد عملت بإخلاص وبدعم من هؤلاء جميعا على إفشال الانقلاب وتحقيق مصلحة موريتانيا.

ونظرا لمستوى الأداء فإنني أعتبر هذه الفترة أفضل من تلك التي أمضيتها في القصر.

المصدر : الجزيرة