القبيلة في موريتانيا محور الولاءات السياسية رغم تعدد الأحزاب (الجزيرة نت)

أمين محمد-نواكشوط

تتشابه القبائل في موريتانيا إلى حد بعيد مع جماعات الضغط القوية والنافذة التي تصنع الحدث دون أن تتبناه، وتؤثر في القرار دون أن تعلن عن نفسها.
 
ويدرك الموريتانيون أن القبيلة في بلادهم هي من يختفي وراء الأكمة، ولا يمكن لأي وسيلة إعلامية هناك التحدث عن القبائل بأسمائها، فالأمر من المسكوت عنه والمتعارف عليه في الوقت نفسه بين الجميع.
  
هذا هو المناخ الداخلي الذي تجري الانتخابات في إطاره رغم وجود نحو 80 حزبا سياسيا مسجلا لدى السلطات الإدارية، ونحو 2000 منظمة غير حكومية تعمل في بلد يبلغ عدد سكانه ثلاثة ملايين نسمة.
 
ورغم مُضِيّ نحو عقدين من الزمن على ما يوصف بالتجربة الديمقراطية، يجمع الموريتانيون على أن التحالفات القبلية أقوى تأثيرا من نظيراتها السياسية، ولذلك لا يُسأل: كم يدعم هذا المرشح أو ذاك من الأحزاب السياسية بقدر ما يُسأل: كم تقف خلفه من قبائل، وكم انضم إلى ركبه من رجالات القبائل وزعماء العشائر؟
 
محرك أساسي
ويعتقد الخبير الاجتماعي محمد ولد احمياده أن القبيلة في موريتانيا لا تزال هي المحرك الأساسي للأحداث السياسية، والفاعل في الصراعات الدائرة بين الأقطاب السياسية في الوقت الحاضر.
 
أما الأحزاب فتبقى غالبا في واجهة الأحداث، "وهي بمثابة الغطاء للدور الخفي والأساسي للقبائل في صناعتها للأحداث، وفي توجيهها للرأي العام".
 

"

حماه الله ولد السالم:
السلطات رسخت الولاءات القبلية لأسباب سياسية واستخدمت القبيلة لجمع الولاء للنظام القائم
"

ويضيف أن الانتماء القبلي وإن كان يلعب دورا لا شعوريا في تحديد الانتماءات السياسية لأصحابه، فإن تأثير القبائل في موريتانيا على المستوى الوطني يبقى متفاوتا بحسب وزنها المالي، وامتدادها الجغرافي، وحجمها العددي.
 
أما أستاذ التاريخ بجامعة نواكشوط حماه الله ولد السالم فيوضح أن الولاءات في المجتمعات البدوية ومن بينها المجتمع الموريتاني تتركز على رابطة الدم، رغم أن عوامل أخرى مثل الوعي السياسي، وطبيعة النظام السياسي المسيطر قد تخفف من وطأة هذا الانتماء.

ويتهم ولد السالم السلطات بترسيخ وتجذير الولاءات القبلية لأسباب سياسية، ويؤكد أن تعميق الولاء القبلي وتزايد الدور السياسي للقبيلة بدأ بعد قدوم ما يسمى بالمسلسل الديمقراطي، حيث استخدمت السلطة القبيلة لجمع الولاء للنظام القائم.
  
خطر على الديمقراطية
ولئن كان الإجماع منعقدا على التأثير العميق للقبيلة وعلى دورها المحوري في الحملات الانتخابية الحالية، فإن المحلل السياسي محمد الحافظ ولد الغابد يعتقد أن لذلك مخاطر كثيرة على التجربة الديمقراطية "التي لا تكاد تجاوز عتبة الانطلاق حتى تكبو وتتعثر".
 
ويلفت الانتباه إلى أنه "من المفارقات أن تأثير القبيلة ضعف في العقود الأولى لانطلاقة الدولة المعاصرة، وهي فترات قهر واستبداد وأحكام استثنائية، لكنه ما لبث أن اشتد وقوى بعد قدوم ما يعرف بالتعددية الحزبية والسياسية، حيث توجه الموريتانيون إلى إدارة وتسيير حراكهم السياسي انطلاقا من مواقعهم القبيلة، وتماشيا مع ثقافتهم التقليدية بعيدا عما تفرضه الحياة الديمقراطية من أساليب ووسائل".
 
ويدعو ولد الغابد إلى مراجعة سياسية تضع القبيلة في إطارها الاجتماعي البحت بعيدا عن المعترك السياسي، وإلا فإن التجربة الديمقراطية ستبقى تراوح مكانها، ولن تتجاوز عتبة الانطلاق.

المصدر : الجزيرة