ديودوني مبالا: لا شيء في برنامجنا الانتخابي يناقض القوانين الفرنسية (الجزيرة نت)
باريس - عبد الله بن عالي
قال الفنان الساخر والسياسي الفرنسي ديودوني مبالا مبالا إن السبب الرئيسي في ترشحه للانتخابات الأوروبية المزمع إجراؤها غدا الأحد في فرنسا على رأس قائمة انتخابية تسمى "القائمة المعادية للصهيونية" هو رغبته في تحرير بلاده مما أسماه استعباد اللوبي الصهيوني الذي حولها إلى "رهينة لدى مافيا عنصرية بغيضة". وأشاد بالمقاومة العربية لإسرائيل، معتبرا إياها مصدر الهام ومبعث أمل له ولكل الشعوب المضطهدة في العالم وخاصة في أفريقيا السوداء.

وفيما يلي نص الحوار:


 أثار إعلان مشاركتكم في انتخابات أعضاء البرلمان الأوروبي المزمع إجراؤها في فرنسا بتاريخ السابع من الشهر الجاري على رأس قائمة انتخابية تدعى "القائمة المعادية للصهيونية" جدلا كبيرا في البلاد، بل إن الأمين العام للرئاسة الفرنسية كلود غيان أعلن رغبته في منع مشاركة قائمتكم بعد ما اتهمها بمعاداة السامية. بماذا تفسرون كل هذا اللغط؟

صحيح، لقد أعلن السيد غيان عزمه على اتخاذ كل الإجراءات الممكنة من أجل منع قائمتنا. لكنه فشل لأن الخبراء الذين طلب منهم تصيد الثغرات القانونية التي يمكن أن نؤتى منها لم يجدوا أي مدخل لحرماننا من حقنا الانتخابي والديمقراطي كمواطنين فرنسيين في المشاركة في الانتخابات الأوروبية. إذ لا شيء في برنامجنا الانتخابي يناقض القوانين الفرنسية التي تضبط سير الانتخابات. وتعد قائمتنا واحدة من القوائم الانتخابية القليلة في هذه الانتخابات التي يوجد فيها مسيحيون ويهود ومسلمون أجمعوا على مناهضة اللوبي الصهيوني في هذه البلاد.


  لماذا فكرت السلطات في منعكم؟

لأن غيان ورئيسه نيكولا ساركوزي يريدان الحفاظ على رضا اللوبي الصهيوني المتنفذ في فرنسا. أعضاء هذا اللوبي الذين تعودوا على المغازلة من قبل كل أطياف النخبة الحاكمة، استشاطوا غضبا لما علموا أن قائمة انتخابية فرنسية ستتبنى معاداة الصهيونية كشعار رئيسي لها. في نظرهم الأمر يعد سابقة خطيرة يتعين إجهاضها، وأعتقد أنهم لم يكونوا في حاجة لتأليب الرئاسة الفرنسية ضدنا، لأن القاصي والداني يعرف كيف ارتمت فرنسا، منذ وصول ساركوزي إلى سدة الحكم، في أحضان المحافظين الجدد في الولايات المتحدة وحلفائهم الصهاينة في إسرائيل.


  ما الدوافع التي كانت وراء اختياركم لشعار معاداة الصهيونية في هذه الحملة الانتخابية الأوروبية؟

لقد رأينا أن اللوبي الصهيوني يسيطر على فرنسا وأنه من الواجب محاربته وتخليص البلاد من قبضته. هذا اللوبي يقوم سنويا بتنظيم حفل تتداعى له كل الأحزاب والشخصيات النافذة بما فيها رئيس الجمهورية لتقديم الولاء لهذا اللوبي. ناهيك عن تحكمه في وسائل الإعلام الرسمية والخاصة الذي يسمح له بتمرير خطابه الدعائي الذي يخدم مصالحه الضيقة وبمنع كل من يجرؤ على الخروج عن طاعته من حقه الدستوري في التعبير. إننا نعتقد، في القائمة المعادية للصهيونية، أن هذا الوضع جعل فرنسا رهينة لدى مافيا عنصرية بغيضة.


  وجود قوى معادية للصهيونية ليس أمرا مستغربا في العالم العربي بالنظر لاستمرار الصراع في فلسطين بين حملة المشروع الصهيوني الاستعماري وتيارات المقاومة المحلية. لكن هل تعتقد أن الناس في فرنسا يشاركونكم الرأي بوجود خطر صهيوني يهدد البلاد؟

"
حينما يكون المرء منسجما في فكره وقوله وعمله مع توجهات اللوبي الصهيوني يتمتع بكافة حقوق المواطنة، بينما نجد أن كل السياسيين أو الصحافيين أو الفنانين الذين عبروا عن آراء أو اتخذوا مواقف مغايرة قد تعرضوا للحصار والمضايقة

"
لا أشك أن هناك نسبة كبيرة من الفرنسيين تعتقد اليوم أن سيطرة اللوبي الصهيوني تشكل تهديدا لتساوي الفرص وتقوض قيم العدالة والإنصاف في هذه البلاد.

الناس يعرفون أن النظام الموجود في فرنسا أضحى قائما على سياسة الكيل بمكيالين. فحينما يكون المرء منسجما في فكره وقوله وعمله مع توجهات اللوبي الصهيوني، يتمتع بكافة حقوق المواطنة، بينما نجد أن كل السياسيين أو الصحافيين أو الفنانين الذين عبروا عن آراء أو اتخذوا مواقف مغايرة قد تعرضوا للحصار والمضايقة. الصهيونية كفكر وكتنظيم متغلغلة في هذا البلد.

بل يمكن القول الآن إنها النواة الرئيسية للنظام القائم في فرنسا. لقد فرضت استقطابا في كل الدوائر السياسية والاقتصادية والإعلامية والفنية بين أتباع الصهيونية ومناوئيها. إلا أنني أعترف، للأسف، أن كل الشخصيات التي كانت لديها الجرأة على أخد مواقف مناهضة للصهاينة، تم كسر شوكتها أو تهميشها. من هنا يمكن أن نفهم الاستياء العام لدى المواطنين من نفوذ اللوبي الصهيوني الذي أصبح يشكل تهديدا حقيقيا لمبدأ التعدد في حياتنا العامة. لذا لن أفاجأ إذا حظيت قائمتنا بنسبة معتبرة من أصوات الأغلبية الصامتة من الفرنسيين.


  ما الأهداف التي تتوخونها من هذه المعركة السياسية؟

نريد تحرير فرنسا من الصهيونية التي نعتبرها في صلب النظام الليبرالي الأميركي الإسرائيلي المتوحش الذي يهيمن على العالم برمته. الصهيونية هي آخر أشكال هذا النظام الذي جعل من المال بوصلة الوجود الإنساني وجعل العلاقات بين الأمم تابعة لمنطق القوة المتغطرسة بمعزل عن قيم الحق والعدل. إننا نريد تحرير هذه البلاد من استعباد اللوبي الصهيوني.


 عندما بدأت الظهور على خشبات المسرح في تسعينيات القرن الماضي، كنت قريبا من اليسار. البعض يأخذ عليك اليوم، تقاربك السياسي مع حزب الجبهة الشعبية الذي يقوده اليمني المتطرف جان ماري لوبين.

نعم، لقد قيل الكثير عن تقاربي مع الجبهة الشعبية. لكن أحدا لم يذكر في هذا السياق أن مواقفي المعادية للوبي الصهيوني حوربت بالقوة نفسها من قبل اليمين المعتدل وأغلب مكونات اليسار الفرنسي. ما حدث هو أني لا حظت أن أحزاب اليمين واليسار التقليدية التي تهمين على المشهد السياسي الوطني خاضعة بالقدر نفسه للصهاينة. بل إن الحزب الاشتراكي الفرنسي، الذي يعد أكبر أحزاب اليسار، ظل على مر التاريخ الأكثر قربا من الحركة الصهيونية. ثم إني أرى أن من مصلحة الأطراف بغض النظر عن التباين في خلفياتها الفكرية ومواقفها السياسية، أن تتحالف ضد أحزاب الوسط المهيمنة حتى يتم تقويض النظام القائم. وأود أن أضيف أن أحد الأسباب التي دفعني للتقارب مع الجبهة الشعبية هو كون رئيسها جان ماري لوبين واحد من الشخصيات الفرنسية القلائل التي تجاهر بعدائها للصهيونية.


 لكن لوبين يجاهر أيضا بكراهيته للمهاجرين خاصة الأفارقة والعرب.

"
أسوأ تعبير عرفه التاريخ الإنساني عن فكرة الاحتماء خلف الحدود والانفصال عن الآخر هو ما شاهدناه ونشاهده اليوم لدى الصهاينة الذين يقومون ببناء جدران الخزي العازلة في فلسطين

"
هنا تنتهي نقاط الالتقاء بيني وبينه، فمن الواضح أنني سأظل وفيا لنضالي المستميت من أجل تسوية أوضاع المهاجرين غير الشرعيين. كما سأبقى متمسكا بقناعتي بأن الحدود الجغرافية والوطنية بين الشعوب يجب أن تزول تدريجيا. لقد قلت لجان ماري لوبين، ذات مرة، إنني قد أستطيع أن أتقبل شعاره "فرنسا للفرنسيين" إذا ما قبل الفرنسيون أن تكون "أفريقيا للأفارقة".

حينما تتوقف باريس عن نهب خيرات أفريقيا عن طريق التواطؤ مع الحكام المستبدين والفاسدين المحليين، فأنا على يقين بأن الاقتصاد الفرنسي سينهار. لكنني واثق أيضا أن الشعب الفرنسي يمكن أن يخرج من تلك المحنة وأن يبني اقتصاده من جديد بوسائله الذاتية. شخصيا، لا يمكن أن أستسيغ فكرة إغلاق الحدود التي ينادي بها لوبين. وأعتقد أن أسوأ تعبير عرفه التاريخ الإنساني عن فكرة الاحتماء خلف الحدود والانفصال عن الآخر هو ما شاهدناه ونشاهده اليوم لدى الصهاينة الذين يقومون ببناء جدران الخزي العازلة في فلسطين في الوقت الذي يتطلع فيه أبناء البشرية، في عصر العولمة، إلى إلغاء الحدود.


  على ذكر فلسطين، كيف اكتشفت موضوع الصراع العربي الإسرائيلي؟

أسمح لي قبل الإجابة على السؤال أن أشير إلى أصولي العائلية، صحيح أن أمي فرنسية، لكن أبي أفريقي جاء إلى هذا البلد قادما من الكاميرون الذي خضع لاستعمار الألمان والإنجليز والفرنسيين. لقد تربيت على كراهية الاحتلال وفي وقت مبكر لفتت انتباهي مأساة الشعب الفلسطيني وألهبت مشاعري مقاومته الباسلة وصموده الأسطوري أمام آلة الاحتلال الصهيوني الوحشية.

وقد تعمقت هذه المشاعر حينما زرت جنوب لبنان في 2006 ووقفت على بطولات المقاومة المحلية التي يقودها حزب الله. إن أهمية المقاومة العربية في مواجهة المشروع الصهيوني تتجاوز حدود الشرق الأوسط لأنها أضحت مصدر الهام ومبعث أمل لكل الشعوب المضطهدة في جميع أنحاء العالم وخاصة في أفريقيا السوداء.

ملصق انتخابي للقائمة (الجزيرة نت)

هل كانت قضية فلسطين هي نقطة البداية في صراعك مع ما تسميه اللوبي الصهيوني؟

لا.. لم تكن نقطة البداية لأن أول شيء أشعرني بخطورة اللوبي الصهيوني وتأثيره في فرنسا كان مرتبطا بعملي كفنان ساخر. فقد اكتشفت مبكرا حساسية التطرق لكل ما له علاقة بالصهيونية وإسرائيل. بعد ذلك دفعني الفضول المعرفي إلى التساؤل عن العلاقة الخاصة بين الكيان الصهيوني الذي يعد في نظري أسوأ تجربة عنصرية في التاريخ الإنساني والنظام العنصري السابق في جنوب أفريقيا.

إذ كانت إسرائيل واحدة من الدول القلائل في العالم التي ظلت تحافظ على علاقات وثيقة مع نظام الأبارتيد وشاركت معه في نهب خيرات الشعب الأسود في جنوب أفريقيا. كل هذه الأسباب قادتني إلى أن أصبح مناضلا ضد الكيان الصهيوني. ثم إني تعرضت شخصيا في 2004 و2005 لاعتداءين على أيدي صهاينة فرنسيين كما أتعرض للتهديد بشكل دائم من قبل الجماعات نفسها. غير أني أستحي من ذكر ما حدث لي حينما أفكر في النكبة المستمرة التي يتعرض لها أهل فلسطين منذ أكثر من 60 سنة.


 تعرضت لمتابعات قضائية ولحملات إعلامية في فرنسا على خلفية اتهامك بمعاداة السامية ويقال إن أشد ما يثير غضب الأوساط اليهودية في خطابك هو مقولتك بأن الظلم التاريخي الذي لحق بالسود كان فادحا ويمكن أن يقارن بالمحرقة النازية التي تعرض لها اليهود خلال الحرب العالمية الثانية. هل هذا صحيح؟

صحيح، التذكير بالعبودية وتجارة الرق التي راح ضحيتها عشرات الملايين من السود في العالم تزعج الأوساط الصهيونية لأنها تحرمهم من الاستفراد بذاكرة المعاناة. لكنني أعتقد أن ما يزعجهم أكثر في خطابي هو تأكيدي الدائم أن أجداد هؤلاء الصهاينة شاركوا في تجارة الرق واستفادوا منها ماليا. وأنا لست الوحيد الذي يقول بذلك، فقد سبقني زعيم أمة الإسلام لويس فرح خان في الولايات المتحدة.. النخاسون الذين كانوا يجلبون العبيد من أفريقيا لبيعهم في أميركا كانوا في معظمهم يهودا.


   أنت فنان ساخر وممثل سينمائي، فقد لعبت أدوارا في حوالي عشرين فيلما، ما الذي دعاك لدخول معترك السياسة والمشاركة على نحو مطرد في الانتخابات الفرنسية منذ 1997؟

أنا لا أرى أن الفن يمكن أن يكون منعزلا عن السياسة. إنني أومن بالفن الملتزم. إن ما دعاني، أصلا، لأن أكون فنانا ساخرا هو أنني وجدت أن الضحك كان هو الوسيلة الوحيدة للصمود في وجه أنواع الظلم الممارس ضد السود في فرنسا وأفريقيا.

وحينما أتيحت لي فرصة العمل السياسي لم أتردد في إسماع صوتي الذي ينادي بضرورة تمتع السود أينما كانوا بالحرية والمساواة. أعتقد أن عدم اهتمام الأحزاب الفرنسية التي يمولها اللوبي الصهيوني بهذه القضية كان دافعا أساسيا بالنسبة لي لدخول المعترك السياسي. وأريد هنا أن أكرر بأن المقاومة الفلسطينية بكل تعبيراتها السياسية والفنية كانت وما زالت بالنسبة لي أهم مصدر للإلهام والأمل.

المصدر : الجزيرة