منزل أسرة رحلت من الجزائر أصبح فرعا لجمعية المرحلين من هناك (الجزيرة نت)

الحسن سرات-المغرب

لا يتذكر ياسين ملاحي أي شيء عن لحظات الترحيل القسري لأسرته من مدينة "كيس" غربي وهران بالجزائر إلى مدينة وجدة شرقي المغرب، لأنه لم يكن يتجاوز الثانية من عمره في تلك اللحظة من العام 1975.

في تلك السنة قررت الجزائر فجأة ودون سابق إنذار ترحيل "45 ألف أسرة مغربية"، ردا على تنظيم المغرب مسيرة سليمة لاسترجاع الصحراء من الاستعمار الإسباني.

لكن والدته فاطنة بنت بساح تتذكر جيدا تفاصيل ذلك اليوم العصيب وتحكيها بصوت جهيش وحركات مرتعشة، موضحة للجزيرة نت أنها منذ أكثر من 34 عاما وهي تعاني من الذعر كلما طرق أحد باب منزلها.

تمثل فاطمة التي قاربت السبعين، الجيل الوسط بين الآباء والأجداد الذين رحلوا من منطقة الريف الشرقي المغربي إلى الجزائر قبل مجيء الاستعمار واستقروا بها في زمن لم تكن فيه الحدود مغلقة، والأبناء والأحفاد الذين أعيدوا إلى المغرب أو ولدوا فيه، وقد تقطعت أرحامهم وحالت دون وصلها خلافات سياسية بين الجارين وحدود مغلقة منذ أعوام.

تحكي فاطمة فتقول "لم ندر بماذا ابتلينا صباح ذات يوم عام 1975 حيث فوجئنا بالقوات العسكرية الجزائرية تأمرنا بترك كل شيء ومرافقتها"، مضيفة "أن أنسى فلا أنسى قارورة الإرضاع التي كنت قد أعددتها لياسين ولم يشرب منها شيئا، فبقيت على الطاولة وبقيت ماثلة أمام عيني إلى اليوم".

عائلة مغربية لا يزال جزء منها يعيش في الجزائر (الجزيرة نت)
فراق وزواج
انقسم آل بن بساح إلى قسمين فبقي نصفهم بالجزائر ورحل نصفهم الآخر إلى المغرب، فافترق الزوج عن زوجته، والآباء عن الأبناء، والإخوة عن الأخوات، ناهيك عن بقاء الممتلكات العقارية والمالية والشخصية.

ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل وصل إلى انتهاكات للحقوق أحصاها ياسين ملاحي فوجدها "نحو 20 انتهاكا"، بدءا "بالترحيل التعسفي والسب والشتم، وصولا إلى الاغتصاب والقتل، مرورا بالنهب والسرقة والتجويع والتشريد".

وعندما كبر أبناء فاطمة بالمغرب وأختها الباقية بالجزائر، فكرت في تعزيز أواصر الرحم بتزويج ابنها ياسين ببنت أختها صورية بن بساح، فعبرت الحدود رغم إغلاقها رفقة ولدها وخطبتها له.

لكن الخطبة دامت أربع سنوات حسب ما رواه ياسين للجزيرة نت، ثم ازداد الأمر سوءا عندما أراد عقد القران، إذ طالبتهما السلطات الجزائرية بحزمة من الوثائق والانتظار عاما أو أكثر حتى تنتهي التحريات لأن زوج صورية أجنبي يحمل الجنسية المغربية.

فما كان من ياسين إلا أن حمل زوجته إلى المغرب ليعقد عليها دون انتظار، ليبدأ التفكير في "استرجاع" جنسيتها المغربية وفق القانون المغربي للجنسية.

أسفار ياسين بين مدينة سيك والمغرب لم تكن سهلة، لأنه كان عليه أن يقطع حوالي 3000 كيلومتر ذهابا وإيابا بالطائرة ليرى خالته وزوجته ويرتب أمور السفر والزواج والزيارات السنوية.

أم ياسين فاطمة عنوان لمعاناة مغاربة تم ترحيلهم من الجزائر (الجزيرة نت)
نضال مستمر
قصة ياسين ليست سوى واحدة من آلاف القصص لمغاربة تم ترحيلهم بالقوة من الجزائر. ويقول رئيس جمعية الدفاع عن المغاربة ضحايا الترحيل التعسفي من الجزائر محمد الهرواشي إن هؤلاء المغاربة أسدوا للجزائر خدمات كبيرة فشاركوا في مقاومة الاستعمار وسالت دماء آبائهم وأجدادهم على ترابها، ومنهم من دفع روحه فداء لها ولحريتها.

ويؤكد الهرواشي أن نضالهم لاسترجاع حقوقهم المغتصبة لا يزال مستمرا، وسوف يعقدون لقاء دوليا في مدينة وجدة على الحدود مع الجزائر مطلع شهر يوليو/تموز المقبل.

ويشارك في ذلك الملتقى مرحلون استطاعوا تجاوز العقبات وأصبحوا في مواقع مهمة مثل الخبير الدولي في الطاقة النووية محمد الشرقاوي، والنائبة البرلمانية ببلجيكا فتيحة السعيدي.

المصدر : الجزيرة