طيب تيزيني تطرق لقضايا تهم سوريا والعالم العربي والعلاقات مع الغرب (الجزيرة نت)

حاوره المحفوظ الكرطيط-الدوحة

قال المفكر السوري طيب تيزيني إن الحوار الفكري بين المشرق العربي والمغرب العربي صعب وضئيل، وعزا ذلك إلى عدة عوامل بينها البعد الجغرافي وضعف التواصل الإعلامي بين الجانبين.

وفسر تيزيني صعوبة وضآلة ذلك الحور بتبنى بعض الوجوه الفكرية في المغرب العربي لأطروحات فكرية وصفها بالتبسطية، وقال إنها تمثل عائقا أما حوار فكري بين مفكري المشرق العربي ومغربه.

جاء ذلك في مقابلة مع الجزيرة نت تناول فيها صاحب كتاب "مشروع رؤية جديدة للفكر العربي في العصر الوسيط"، قضايا أخرى بينها موقفه وتعاطيه مع الشأن الجاري في سوريا، ومآلات مقولات حوار الحضارات وحوار الأديان. وفيما يلي نص المقابلة:

عرفكم القراء في العالم العربي منذ عقود بكتاباتكم عن الفكر العربي وخاصة في العصر الوسيط. كيف تفاعل مشروعكم الفكري مع التحولات الكبرى عالميا وإقليميا على على كافة المستويات؟

ج: أنا تغيرت بشكل حاسم من نمط إلى آخر في خضم التحولات التي حدثت في العالم في ثمانينيات القرن الماضي. فقد بدأت مشروعي الأساسي "مشروع رؤية جديدة للفكر العربي منذ بواكيره حتى المرحلة المعاصرة" في 12 جزءا. المشروع الذي انطلق في سبعينيات القرن الماضي لا يزال مستمرا وكان الجزء الأول بعنوان "من التراث إلى الثورة".

مرت الأيام وتغيرت الأزمة ودخلنا في عصر العولمة فلاحظت أن الجزء الذي عالجت فيه قضية الثورة والتراث وما يفصل بينهما أصبح أمرا وراء ظهورنا بالمعنى الراهن السياسي والمعرفي.

وعلى ضوء ذلك فأنا الآن في طور نشر الجزء الجديد بعنوان "من التراث إلى النهضة". المعطيات أملت علي نتيجة حاسمة وهي أن مشروعا للثورة ليس واردا وإنما الوارد هو مشروع للنهضة ببساطة لأن الحوامل الثلاثة (الاجتماعي والسياسي والثقافي) التي تقف وراء أي عملية تغييرية سواء كان عنوانها نهضة أو ثورة تغيرت بشكل جذري.

هذا الأمر لم يعد محتملا الآن بعد أن تصدع العالم وانقسم ودخل في حلقة واحدة على مدى السنوات التي حكم فيها الرئيس الأميركي جورج بوش.

فالحامل الاجتماعي للثورة لم يعد قائما حيث تصدعت الهوامش في الوطن العربي ودخلتها تحولات بنيوية عميقة بحيث إنك لم تعد تستطيع الرهان على الحامل الاجتماعي.

وكذلك الحال بالنسبة للحامل السياسي، فالتحالفات والمواقف والأيديولوجيات اخترقت كلها ومن ثم لم تعد قادرا على الرهان على حامل سياسي لثورة ما. في العموم الحامل السياسي لثورة ما غير وارد بعد التهشم الذي أصاب البنية السياسية والمجتمع عموما وانتشار اليأس ونشوء الظلاميات.

فلم يعد أي مشروع سياسي واردا خصوصا بعد أن سحبت السياسة سحبا من المجتمع العربي وأدخلت مكانها أنماط من العبث الهائل التي توجت بنظام أمني.

أما الحامل الثقافي فأنا أتساءل: أين يوجد حامل ثقافي لمشروع ثوري الآن؟ لا أرى ذلك، في ظني لا هنا في العالم العربي ولا في عوالم أخرى إلا ربما في استثناءات لا أدركها الآن. وبهذا المعنى أصبحت الحالة مختلفة من حيث البنية والوظائف والآفاق.

"
عشت حالة من المعاناة خصوصا بعد نشأة النظام العالمي الجديد وتصدع المعسكر الاشتراكي أي ما كان يعتبر ظهيرا للعرب ويسمح بقدر أو بآخر من إمكانية التحرير الوطني على الصعيد السياسي

"
وأين موقع المفكر تيزيني في كل هذه التحولات هل هو مؤثر أم متأثر، فاعل أم منفعل؟ بأي شكل تتعاطون مع هذه التحولات؟

ج: لا شك أني عشت حالة من المعاناة خصوصا بعد نشأة النظام العالمي الجديد وتصدع المعسكر الاشتراكي، أي ما كان يعتبر ظهيرا للعرب ويسمح بقدر أو بآخر من إمكانية التحرير الوطني على الصعيد السياسي.

هذا كله تساقط والداخل العربي تساقط عبر نفسه وعبر اختراقات الخارج، ونحن لاحظنا ما حصل من قبيل سقوط بغداد وحصار دمشق والتحولات البنيوية في المجتمعات العربية في اتجاه قوى جديدة.

هكذا دخلت مرحلة أصبح صعبا علي أن أستعيد الموقف لكني حققت ذلك عبر قراءات نقدية وإعادة قراءات لما كتبت ولما كتبه الآخرون وتوصلت إلى أن كتاب "من التراث إلى الثورة" لم يعد واردا. قد يكون فيه كثير أو قليل من الإنجازات المعرفية ولكنه بالمعنى التاريخي والسياسي دخل حالة أخرى تقتضي منا أن نتحدث عن مشروع في النهضة والتنوير العربي ما يعطي الكتاب عنوانا جديدا هو "من التراث إلى النهضة".

هل هناك تعارض بين التنوير والنهضة من جهة والثورة من جهة أخرى؟

ج: ليس هناك تعارض بقدر ما هناك تكامل بالمعنى التاريخي. فالنهضة لا تعارض الثورة ولكنها أتت بعد أن استنفدت آفاق مشروع الثورة الذي أصبح معلقا وليس منفيا مقصيا في ظل التحولات العظمى التي طرأت على العالم.

ومع ذلك فمشروع النهضة لا يقصي كل ما تحقق من إيجابيات في إطار الثورة عالميا ووطنيا. فكل الإيجابيات يمكن أخذها نقديا وتوظيفها في المشروع النهضوي الجديد لأن التغيير في الأساس لا يأخذ مسلكا واحدا والتغيير الاجتماعي له رهانات مختلفة منها الثورة والمقاومة والنهضة.

باعتباركم صوتا فكريا ورمزا ثقافيا، ما حدود انخراطكم في الشأن الجاري في سوريا؟

ج: ما يجري في سوريا في غاية التعقيد في ظل الضغوط الخارجية والتباطؤ في تحقيق الاستحقاقات الكبرى في الداخل. هناك ضرورة للعودة إلى الخطاب الذي أدلى به الرئيس بشار الأسد لدى توليه الحكم وطرح فيه مشروعا فيه الكثير من التكامل على الصعيد السياسي والاقتصادي والثقافي.

للأسف طرأت ظروف أخرى أوقفت هذا العمل ونحن لا نزال في مرحلة الإيقاف إلا قليلا. حدثت بعض التحولات الإيجابية لكن في المعنى العمومي كان هناك تراجع أو على الأقل توقف.

مثلا على الصعيد السياسي كان في البيان تأكيد ضمني على أن الوضع سيفتح أمام التعددية السياسية والثقافية والحزبية، وما زال النظام يعلن بين الحين والآخر عن أن قانونا للأحزاب سيأتي ونحن نأمل أن يأتي ولكنه لم يأت بعد.

الصعوبات تزداد بعمق في الداخل وفي الخارج. فسوريا محاصرة حتى لو تراخى هذا الحصار فهو باق يهدف إلى إسقاط النظام السوري. نحن نقول إن هذا خط أحمر، فالشعب السوري لا يطرح فكرة الإسقاط بل يرفضها رفضا مطلقا ويرفض الاستقواء بالخارج على الداخل السوري.

لذلك فمشروع الإصلاح الوطني الديمقراطي التحديثي الذي طرحه الرئيس بشار الأسد ما زال يمثل رهانا هاما. وموقفي هو موقف مواطن يسعى لأن يكون بلده متينا قويا قادرا على مواجهة الصعوبات التي تأتي من هنا وهناك.

هذا حلم مواطن عربي، لكن المفكر تيزيني كيف يتفاعل نقديا مع الشأن الجاري؟

ج: أنا ابن الشعب السوري لم أتبن حزبا، اعتبرت أن العمل خارج الأحزاب ربما كان الصيغة الأنسب لأن ظروف العمل الحزبي طرأت عليها إشكالات معقدة بحيث إن مصداقية كل حزب افتقدت بدرجة ملحوظة.

بما فيها حزب البعث العربي الاشتراكي؟

ج: الجميع، الجميع، لأن الصعوبات الموجودة لم تتم الإجابة عنها. نحن نعيش مرحلة مريرة. فالحركة السياسية التي قادها حزب البعث عام 1963 وتأسيسه لحركة 8 آذار كانت تسير خطوة فخطوة في اتجاه تضاؤل القوة في الداخل السوري.

والرئيس الراحل حافظ الأسد لاحظ ذلك وفي لقاء تم بيني وبينه لاحظت ذلك واكتشفته وأشرت إليه في حديثي معه ومن الأسئلة التي طرحها علي: ما العمل؟

كان سؤلا هاما فقلت له: العمل يتحدد حين نحدد الاستحقاقات التي علينها أن نعالجها، ففي سوريا الآن أعني في حينه 1987 أو 1988 هناك أربع مشاكل كبرى: السلطة والثروة والإعلام ومشكلة المرجعية.

كان حافظ الأسد دقيقا في معالجة هذه المسألة إلى درجة أنه سألني: أما زال محتملا أن نفعل شيئا؟ قلت نعم، وقد نسمي ذلك حركة تصحيحية جديدة لكن من نمط آخر. لا بد أن يؤخذ فيها بعين الاعتبار كل من يعيش على أرض سوريا بحيث إن هؤلاء جميعا يمثلون الحامل الاجتماعي للفعل الجديد.

آرائي هذه كانت تتبلور شيئا فشيئا وبالتالي لاحظت أنه كان يضمر شيئا بالمعنى الذي كان يعنيه مثلا بن بلة في الجزائر وجمال عبد الناصر في مصر.

"
الوضع في سوريا كان وما زال معقدا فظل الأمر يتحرك ضمن احتمالات متعددة دون أن يقف عند واحد بعينه

"
هل لقاؤكم بالراحل حافظ الأسد عنوان لنوع خاص من العلاقة بين المثقف والسلطة؟

ج: أنا دائما في عملي الفكري كنت أتجه نحو الواقع المشخص، هذه مقولة هامة عندي. كيف أستطيع أن أقوم فكري؟ نصف الجواب في الواقع والنصف الآخر في إعادة بناء الفكر ذاته.

لذلك لم أكن خارج الفعل السياسي خصوصا حين حدثت التحولات في سوريا، بل قبل ذلك في ريعان الشباب كنت فاعلا في الحقل السياسي مثلي مثل عشرات الألوف من الفتيان والشباب في حينه، وواجهت مواقف صعبة حين بدأت الدكتاتوريات تتوالى في سوريا.

تاريخي جزء من تاريخ هذا البلد في مدينة معروفة هي حمص، مدينة تشتغل في السياسة كما في الثقافة، هذا أسس لحالة لا تسمح لمعظم الناس وخاصة الشباب أن يكون خارج الحالة السياسية.

نشأت هكذا وسافرت وتغربت ثم عدت وأنا مقتنع أكثر وبعمق أكبر بما كنت أسير عليه. التحولات التي طرأت على سوريا مع مجيء الرئيس حافظ الأسد كانت نوعية في تاريخ سوريا يعني كان تحول أعتقد بأنه باللغة الحالية مشروع إما ثوري أو نهضوي أو تحريري.

لكن باعتبار أن الوضع في سوريا كان وما زال معقدا فظل الأمر يتحرك ضمن هذه الاحتمالات المتعددة دون أن يقف عند واحد بعينه ومن تم فإن هذا فتح قوى متعددة أمام احتمالات متعددة في حلبة مفتوحة في اتجاه تغيير ما.

هل حواركم مع الراحل الأسد هو إقرار من رجل السلطة والحكم بأن للمثقف كلمته ووزنه الذي يجب أن يؤخذ بعين الاعتبار؟

ج: فعلا لاحظت ذلك، ولقائي الأول استمر طويلا لساعات مديدة كان فيها الرئيس يأخذ موقع المتسائل أو موقع المستفهم أو المستوضح أو الناقد أو المضيف أو أيضا موقف المستنكر لموقع أو آخر.

كان رجلا يهتم بهذه المسألة وأنا فهمت ذلك بوصفه إقرارا بموقع المثقف. واستوقفني عند كثير من المسائل التي أنجزتها كتابة وفهمت أنه إما كان يقرأ كتبي وكتبا أخرى أو أن أحدا كان يقرأ له.

واعتقدت أنه لأسباب كثيرة كان ُيقرأ له. فقد كان يناقشني في مسائل محددة ومضبوطة في كتاباتي وهو ما أثلج صدري وجعلني أراهن على شيء ما خصوصا بعد أن دخلنا غمار الحوار السياسي وخصوصا عندما حدثته عن مسائل السلطة والسياسة والإعلام والحقيقة.

بل إنه سار معي كثيرا إلى الأمام وسألني: أما زال محتملا أن نفعل شيئا؟ هل هناك حتى الآن بشر يحملون مثل هذه الأعباء؟ بل أكثر من ذلك سألني حتى عن بعض الناس. كان إنسانا ظريفا بحيث إنه يدخل في زوايا الموقف محاولا أن يمتلك الفكرة بمعظم تجلياتها. حواري مع حافظ الأسد كان شفافا ومفعما بآمال جديدة.

سألني عن دخول الجيش السوري إلى لبنان قلت له إن هذا الأمر ربما كان مسوغا بوجه أو أكثر من وجه لكنه في المشهد العام تحول شيئا فشيئا إلى حالة قد تتحول إلى منغص للسياسة السورية واللبنانية.

وأشرت عليه بضرورة سحب الجيش السوري من لبنان، وكان متعاطفا مع هذا الرأي ولكن هناك لحظات في التاريخ لا تستطيع أن تمسك بها تماما لدى مرورها، إنما يمكن أن تبني عليها موقفا نظريا ما قد يساعد في فهم ما حدث.

وقد أسفت لما حدث لأنه رحل وانتهى كما حدث لمجموعة من كبار الساسة في الوطن العربي من قبيل بن بلة وعبد الناصر.

"
أسهمت في بداية مجيء الرئيس بشار الأسد في إيضاح بعض المواقف السورية.. وخلاصة النقاشات التي دارت في مرحلة الانتقال وردت في كتاب "من ثلاثية الفساد إلى قضايا المجتمع المدني"

"
هل هذا التواصل مع مؤسسة الرئاسة لا يزال قائما مع القيادة السورية الجديدة؟

ج: أنا أقولها بوضوح، أسهمت في بداية مجيء الرئيس بشار الأسد في إيضاح بعض المواقف السورية التي تبلورت في البلاد وكانت النتيجة أن صدر كتاب لي هو خلاصة النقاشات التي دارت في مرحلة الانتقال من الرئيس حافظ إلى بشار بعنوان "من ثلاثية الفساد إلى قضايا المجتمع المدني".

والعنوان يشير إلى المشكلات التي كانت راهنة جدا والآن أصبحت أكثر راهنية، فالفساد كان مستشريا لكنه تضخم الآن وتحول إلى مقولة سياسية وثقافية وخرجت في كتابي هذا بنتيجة مفادها أن هناك الآن ليس فقط فساد وإنما هناك إفساد، والفرق بين الأمرين واضح فالإفساد يحدث بإرادة وتصميم وضبط بهدف إسقاط التوازن الاجتماعي عبر الفاسدين والمفسدين.

صدر الكتاب في خضم النقاش في الإعلام السوري حول قضايا من قبيل: ما هي أوليات المرحلة الجديدة التي سيبدؤها الرئيس الجديد؟ ومن المواقف الكثيرة المعقدة والصعبة موقف أول تبنته مجموعة من المثقفين وهم أصدقاء حين قالوا إن الأولوية الآن هي لبناء المجتمع المدني. وقد اختلفت في طرحي وخلصت إلى أن الأولوية إنما هي المجتمع السياسي.

أصحاب أولية المجتمع المدني لم يكونوا على خطأ على الإطلاق لكن فكرة الأولية معقدة وحساسة جدا. فكنت أدافع على هذا الموقف وهو أن تأسيس المجتمع السياسي تأسيس لمجتمع الحريات والأحزاب التعددية.

ما صدى أطروحاتكم الفكرية في المشهد الإعلامي والسياسي في سوريا؟

ج: كان صدى إيجابيا وهذا ظهر حتى بشكل مادي من خلال الكتاب الذي صدر ولقي صدى ليس فقط من خلال التسويق ولكن عبر الحوارات التي جرت في الإعلام السوري بصورة واضحة ومعلنة. لكن للأسف هذه المرحلة أوقفت وبالتالي لم يستكمل مشوار الحوار.

ما البديل؟

ج: أنا أشعر بشيء من الأسى لأن الإشكال النظري السياسي في سوريا لم يجب عنه بعد على نحو يطمئن أكثرية الناس، خاصة بشأن قضايا من قبيل الحريات، وقانون أحزاب وطني وعصري، وفتح المؤسسات الثقافية.

البديل لا يزال متوقفا والبعض يقول إن هذا البديل سيأتي بعد تجاوز المشكلات الخارجية، الاحتلال الإسرائيلي للجولان، والضغوط الغربية.

ولكن كما يلاحظ فهذا البديل لا يأتي إلا في سياق مواجهة الخصوم الخارجيين وبالتالي نحن أمام حلقتين إحداهما تشير للأخرى. وبالتالي فالمسألة تقوم على حلقتين متكاملتين. فكلما أهملنا الداخل ضعفت المواجهة الخارجية. للأسف لم يؤخذ بعد بهذه الفكرة النظرية وكنا نتمنى قبل أن تتوقف الحوارات أن نستكمل النقاش حول هذه الخصوصية للتأكيد على أن الداخل سيكون أقوى للنظام نفسه.

في الداخل السوري ليس هناك رغبة لإحداث ثورة اقتصادية ولا ثورة سياسية ولا ثورة ثقافية وإنما هناك محاولة لإيجاد النواظم الأولية التي تستطيع أن تمثل رهانا على مواجهة الخصوم الخارجيين.

"
الحوار بين المشرق والمغرب ما زال ضئيلا بالسبب الجغرافي إضافة إلى غياب التبادل الإعلامي بين الجانبين، وهذه نقيصة في الإعلام العربي

"
 لنخرج من سوريا ونحلق غربا إلى المغرب العربي. إلى أين وصل الحوار الفكري الذي انطلق في الثمانينيات مع بداية مشروع المفكر المغربي محمد عابد الجابري؟

ج: للمسألة شقان يتعلق أولهما بالفكر العربي نفسه. فالحوارات التي دارت بيني وبين محمد عابد الجابري الذي أحترمه وأقدر جهوده الكبيرة، اعترتها صعوبات كانت تحول دون تحقيق حوار بين المشرق والمغرب عبر الكتابات التي أنجزها الجابري.

كان الجابري يعتقد أن المشروع العربي لن يأتي إلا من المغرب لأن المشرق مشغول بمشاكله الأولية (الطعام والشراب والرواتب والأموال). كتب تقريبا بهذا الاتجاه وهذه رؤية مبسطة، ولا حوار بهذا المعنى. ونشأت بعض الحوارات بيني وبينه كتابيا كان فيها شيء من القسوة المعرفية. وهذه الكتابات أحدثت شبه قطيعة بين المشرق والمغرب.

للجابري كتابات نظرية أخرى يكرس فيها بطريقة أو بأخرى الهوة بين المشرق والمغرب من ذلك رأي أجده بسيطا يقول إن حضارة الماء تنتج توهجا عقلانيا تقدميا يؤسس لحالات من التقدم التاريخي، أما حضارة الصحراء فلا تنتج شيئا. ففي الصحراء لا تلتقي الرملة بالرملة أما قطرة الماء فتلتقي بقطرة الماء. الجابري يبسط هذه العلاقات ليصل إلى أن هناك حالة أخرى في المغرب العربي.

الالتقاء بين المشرق العربي والمغرب العربي على الصعيد النظري ضئيل للأسف. هذا مع الاعتراف بأن مفكرين آخرين من المغرب العربي قدموا شيئا هاما على هذا الصعيد. ونحن بصدد ترميم هذا الموقف، لا أن نفتح ثغرات جديدة.

عموما فالحوار بين المشرق والمغرب ما زال ضئيلا بالسبب الجغرافي إضافة إلى غياب التبادل الإعلامي بين الجانبين، وهذه نقيصة في الإعلام العربي، من هنا فما نسعى إليه في المشرق هو الالتقاء بكل من نستطيع من مفكري المغرب العربي.

إضافة إلى الجابري هناك مفكر مغربي بارز هو عبد الله العروي يشتكي أحيانا من أن كتاباته غير مفهومة في العالم العربي. هل نخبة المشرق العربي تتعاطى بالشكل المطلوب مع المشروع الفكري للعروي؟

ج: أظن أن ما نقلته عن العروي قديم نسبيا. فخلال السنوات الأخيرة أعتقد أنه تراجع عن هذا الرأي لأنه التقى بكثيرين من المشارقة، وأذكر أني التقيته هنا في الدوحة في أحد المؤتمرات. اكتشف واكتشفت أننا نفهم بعضنا جيدا وخلال ذلك المؤتمر نشأت حالة جميلة من العلاقة الحميمية بين مثقفين من المشرق والمغرب واتضح أن هذه الالتباسات لم يتم السعي بشكل كاف لتجاوزها.

لم تنشأ حوارات مطولة معمقة بين الفريقين، فظن العروي وهو أستاذ كبير أن هناك قصورا في فهم مقولاته ومواقفه النظرية. ومع ذلك ما زال الأمر يحتاج الكثير من اللقاء بين المغرب والمشرق ليس فقط على الصعيد الفكري بل على الصعيد الإعلامي والاقتصادي والسياسي والأخلاقي.

"
الحوار مع الغرب يجب أن يتوازى مع الحوار ما بين الشرق والشرق، ما بين المشرق العربي والمغرب العربي في كل المناحي والمعاني

"
 سافرنا من المشرق إلى المغرب. لنرحل إلى آفاق أوسع بالتساؤل عن الحوار بين العالم العربي والغرب في ظل مقولات حوار الحضارات وصدام الحضارات وأخيرا مبادرة تحالف الحضارات؟

ج: أعتقد أن هذه الحوارات نشأت دون أن تستند إلى موروث كاف من الحوار العربي مع الغرب وتحت ضرورات سياسية وبعد عقود من تدخل الغرب في العالم العربي. الآن تحت وطأة النظام العالمي الجديد والصراعات اتضح أن الحوار أصبح ضروريا مع الغرب مع أنه كان ضروريا منذ قرنين على الأقل ولهذا لم يستند الحوار الحالي إلى أرضية عميقة ومتينة بالمعنى المعرفي والسياسي والتاريخي.

ولكن في معمعة هذا الأمر اتضح أن الحوار مع الغرب يجب أن يتوازى مع الحوار ما بين الشرق والشرق، ما بين المشرق العربي والمغرب العربي في كل المناحي والمعاني. أما الحوار الذي يطرح مع الغرب فإنه يحتاج للكثير من الشروط لخلق رهان تاريخي جديد.

 وماذا عن مقولة حوار الأديان؟

ج: في هذه الأديان والمقصود بها الإسلام والمسيحية واليهودية من الحوافز ما يدعو للقيام بمثل هذا الحوار دون أن يكون ذلك على حساب تاريخية الأديان.

وطبعا فالحوار يقتضي من المحاورين أن يخففوا من وطأة بعض المقولات التي يستدعونها من بعض مواقفهم الدينية. وبالتالي فالحوار مشروط بأن لا يكون شرط للبدء به.

يجب أن نعتبر أن الجميع يملكون عقلا ولهم القدرة على المناقشة وبالتالي عندهم مصالح للتأسيس لحالة عالمية ينعم فيها المؤمنون بشيء من التفاهم الأساسي الذي يكون بمثابة ردع لاستفزازات تنشأ هنا وهناك.

المصدر : الجزيرة