جيسكار ديستان قال إن بونغو (يسار) دعم شيراك (يمين) في سباقه للرئاسة (الفرنسية-أرشيف)

المحفوظ الكرطيط

برحيل الرئيس الغابوني عمر بونغو أونديمبا يسدل الستار عن علاقة خاصة بين باريس وليبروفيل امتدت لأكثر من أربعة عقود وظلت أحد العناوين البارزة للسياسة الفرنسية في أفريقيا.

لكن تلك العلاقة المتميزة التي تداخلت فيها المصالح السياسية والشخصية والحسابات الإقليمية والفضائح المالية والملاحقات القضائية، اتسمت بنوع من الفتور في الآونة الأخيرة.

وحصل ذلك الفتور على خلفية أحدث فصل قضائي في العلاقات بين البلدين من خلال تفاعلات دعاوى رفعتها عام 2007 هيئات أهلية فرنسية ومواطن غابوني ضد بونغو وأقاربه بشأن اقتناء ممتلكات عقارية في فرنسا بعشرات ملايين اليوروات المختلسة.

وقد سعت الغابون بكافة الوسائل لدفن تلك الدعاوى دون أن تفلح في ذلك على غرار ما حصل في قضايا أخرى في ظل قيادات فرنسية سابقة، وهو ما يحمل مؤشرا على عزم الإدارة الفرنسية الحالية بقيادة نيكولا ساركوزي على إعادة نظر جذرية لسياستها الأفريقية والتي كان بونغو أحد آخر أعمدتها الكبرى.

وفي إشارة على امتعاض الغابون من موقف الإدارة الفرنسية من تلك الدعاوى، فقد اختار عمر بونغو أن يتلقى العلاج في أحد المستشفيات في برشلونة بإسبانيا بدل العلاج في فرنسا، فيما احتجت السلطات الغابونية رسميا على فرنسا بسبب تسريبات وسائل الإعلام الفرنسية بشأن وفاة عمر بونغو.

نيكولا ساركوزي قال إن بونغو كان صديقا وفيا لفرنسا (الفرنسية-أرشيف)
ملاحقات متواصلة
وقال مصدر قضائي فرنسي إن وفاة بونغو لا تعني وقف الملاحقات القضائية بشأن تهمة تورطه أفراد عائلته في اختلاس أموال عمومية واستثمارها في القطاع العقاري والمصرفي في فرنسا.

وأوضح محامي الفرع الفرنسي لمنظمة الشفافية الدولية أن رحيل بونغو لا يغير مجرى التحقيقات القضائية لأن عددا من أفراد عائلته معنيون بالدعاوى القضائية ضد بونغو وأقاربه بشأن اختلاس أموال عمومية.

وقبل ملف ما تسميها وسائل الإعلام الفرنسية "الممتلكات المكتسبة بطريقة غير شرعية"، عرفت العلاقات الفرنسية الغابونية فضائح مالية وسياسية وقضائية أخرى من أبرزها قضية الرشاوى التي دفعتها شركة البترول الفرنسية إيلف لمسؤولين غابونيين بهدف تعزيز مصالحها في البلاد.

وقد أقام بونغو علاقات كثيرة في صفوف الطبقة الحاكمة في فرنسا بكافة أطيافها السياسية واشترى ذمما كثيرة باستعمال عائدات البترول وعزز ذلك بدخوله منذ منتصف ستينيات القرن شبكات حركة الماسونية.

وتشير تقارير إعلامية كثيرة إلى أن عمر بونغو تدخل كثيرا في مجريات الحياة السياسية الفرنسية لدعم بعض المرشحين في سباق الرئاسة. وكشف الرئيس الفرنسي السابق فاليري جيسكار ديستان أن عمر بونغو مول الحملة الانتخابية لجاك شيراك عندما دخل سباق الرئاسة عام 1981.

"
فرنسا تقول إنها بصدد إعادة صياغة جذرية لعلاقاتها مع مستعمراتها السابقة في القارة السمراء لتصبح مبنية على علاقات مؤسساتية واضحة بعيدا عن الكواليس والحسابات الشخصية
"
أوراق ضغط
وقد استغل بونغو تلك العلاقات والولاءات وما يملكه من أسرار حول ساسة فرنسا ومسؤوليها كأوراق للضغط على باريس في بعض الملفات التي تهمه شخصيا أو مصالح بلده، بلغت أحيانا درجة الاستجابة لمطالبه بتنحية مسؤولين فرنسيين من مناصبهم بسبب مواقف أو تصريحات في حقه.

لكن يبدو أن ذلك النفوذ الذي تراكم طيلة 42 عاما من الحكم الفردي للبلاد واستغلال ثرواتها دون محاسبة، بدأ في التراجع بعد أن رفعت الإدارة الفرنسية الجديدة شعار "القطيعة" مع سياستها الأفريقية السابقة والتي كان مبنية على الاعتبارات الشخصية.

وتقول باريس إنها بصدد إعادة صياغة جذرية لعلاقاتها مع مستعمراتها السابقة في القارة السمراء لتصبح مبنية على علاقات مؤسساتية واضحة بعيدا عن الكواليس والحسابات الشخصية والتدخل المباشر في الشؤون بعض البلدان.

ويمثل رحيل بونغو محكا حقيقيا لاختيار معالم السياسة الأفريقية لفرنسا حيث ستتركز الأنظار على حدود وحجم تدخل باريس في إدارة انتقال السلطة في الغابون التي تراكمت فيها مصالح فرنسية كثيرة ويعيش فيها نحو 10 آلاف فرنسي وتوجد بها قاعدة عسكرية فرنسية.

المصدر : الصحافة الفرنسية,الفرنسية