ذكريات لقاء مع رئيس منتحر
آخر تحديث: 2009/5/29 الساعة 17:50 (مكة المكرمة) الموافق 1430/6/4 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2009/5/29 الساعة 17:50 (مكة المكرمة) الموافق 1430/6/4 هـ

ذكريات لقاء مع رئيس منتحر

روه مو هيون شيعه الكوريون الجنوبيون بعد أن انتحر (الفرنسية-أرشيف)

عزت شحرور-بكين

كان سيد البيت الأزرق هادئا جدا، وأنيقا جدا، بدأ كلامه بإبداء إعجابه الشديد بقناة الجزيرة ودورها ونجاحاتها، وأطنب وأطال حتى خشينا أن يؤثر ذلك على الوقت المخصص لنا للقائه.

عرج بعدها للحديث عن إعجابه بمصر وآثارها وأهراماتها، فقد كانت مديرة مكتب وكالة أنباء الشرق الأوسط في بكين، الزميلة عزة الحديدي، والزميل كمال جاب الله نائب مدير تحرير الأهرام ضمن الوفد المشارك في الزيارة.

رمانة وقنبلة
وبما أنه كان معنا أيضا مدير وكالة الأنباء الإيرانية في بكين الزميل حسن توانا، كان لا بد للرئيس الكوري الجنوبي السابق روه مو هيون أن يتحدث أيضا عن ولعه الشديد بالرمان الإيراني اللذيذ، مشيرا إلى أنه تناول واحدة منه قبل أن يأتي إلى اللقاء.

كوريا الجنوبية سعت لتعليم اللغة العربية لجنودها الذين أرسلتهم للعراق
(رويترز-أرشيف)
وليته لم يفعل، فرمانة الرئيس كادت تسبب لنا مشكلة، إذ يبدو أن الزميل حسن لم يفهم كلام الرئيس تماما واختار الزمان الخطأ والمكان الخطأ للاستيضاح، كنا على متن الطائرة نستعد للإقلاع عندما سأل وأجبته باللغة الإنجليزية: "لقد كان يتحدث عن الرمان. الرمان يا حسن" ولم ألاحظ أن لغة شكسبير لا تفرق بين هذه الفاكهة اللذيذة وبين القنبلة اليدوية، فكلاهما عند الإنجليز رمان.

نظرات المسافرين من حولنا توجهت نحونا كسهام، تداركنا الأمر بسرعة. ابتسمنا واعتذرنا وأقسمنا لهم أننا نتحدث عن الفاكهة، لكن سحنتنا الشرق أوسطية ولحية حسن الخفيفة كانتا أقوى من قسمنا واعتذارنا، ولم يقتنع القوم ببراءتنا حتى وصلت الطائرة بسلام إلى العاصمة الصينية بكين.

كلمات منتقاة
يبدو أن تلك المقدمة كانت ضرورية للرئيس، وهدفت إلى كسر الحواجز النفسية والاختلافات الثقافية لإيجاد لغة مشتركة. كان الرئيس يحاول انتقاء كلماته بعناية فائقة، فالوضع الدولي كان بالغ الحساسية والتعقيد.

فالبيت الأبيض كان يضغط على البيت الأزرق لإرسال قوات كورية جنوبية إلى العراق لتمنح القوات الغازية هناك شرعية دولية، والضغوط الشعبية المعارضة للوجود الأميركي في كوريا الجنوبية كانت في أوجها، وأحزاب المعارضة المقربة من واشنطن كانت تتمتع بأغلبية برلمانية قادرة على تمرير القرار في البرلمان.

لم يكن سهلاً على الرئيس روه مو هيون تقديم المبررات المنطقية الكافية للإقناع بأنه شخصياً يرى أن بلاده باتت قادرة على حماية نفسها، وأن الوجود الأجنبي على الأراضي الكورية لا بد أن يخضع لإعادة تقييم وتنظيم من حيث عدد القوات ومهامها وصلاحياتها.

هكذا قالها الرئيس بكل وضوح . لكن مدير مكتبه سارع بعد اللقاء ليطلب منا عدم بث ذلك الجزء، لأنه قد يؤدي إلى إحراج الرئيس أمام قوى المعارضة ومع قوى دولية حليفة، رفضنا ذلك بالطبع وبتنا على يقين أن الرئيس لا يتمتع بسلطة مطلقة.

ركبة ورقبة
كان بحاجة لإيجاد المبررات الكافية لإقناع نفسه وإقناعنا وإقناع المشاهدين بإرسال قواته إلى أراضي دولة أخرى. في الوقت الذي يطالب فيه بتحجيم القوات الأميركية على أراضيه.

حاول جاهدا أن يربط أموراً كثيرة ببعضها ليؤكد أن قواته التي كانت تستعد للمغادرة إلى العراق هي لمساعدة الشعب العراقي في إعادة إعمار بلاده، وأنهم أطلقوا عليها اسم قوات الزيتون لتأكيد مهمتها السلمية، علما أن الكوريين لا يعرفون الزيتون ولا يزرعونه.

وأضاف أن هذه القوات تعكف على دراسة الثقافة العربية والإسلامية لإيجاد لغة تفاهم مشتركة مع المواطنين العراقيين، استهوتنا الفكرة الأخيرة هذه وطلبنا تصويرها، رفضت وزارة الدفاع، ووافق مكتب الرئيس بعد مفاوضات شاقة وتولى مهمة إقناع الوزارة.

روه مو هيون في زيارة لجنود بلاده في العراق عام 2004 (الفرنسية-أرشيف)
في القاعدة العسكرية لقوات الزيتون كانت مجموعة من الجنود الكوريين بلباسهم الزيتوني يتلقون بالفعل درسا تطبيقيا باللغة العربية بعنوان "في صالون الحلاقة".

حال المدرس لم يكن أفضل بكثير من جنوده الطلاب في الإلمام بلغة الضاد. كان يقول ويعيد: "... ووضع الحلاق فوطة بيضاء على ركبة كيم"، ويصر على ذلك ويشير إلى رقبته ثم يكتبها بأحرف كبيرة على سبورة بيضاء في صدر القاعة.

لم نتحمل هذا الضيم الذي يقع على لغتنا على مرأى ومسمع منا، تدخلنا لنقاطع المدرس ونقول: هذه ركبة كيم يا أستاذ، وتلك رقبته والفرق بينهما أكثر من أربعة أشبار كبيرة".

استدرك الأستاذ خطأه وأعاد الكتابة من جديد بشكل صحيح وبأحرف كبيرة أيضا (على رقبته)، وكانت خاتمة تصويرية جميلة لتقرير يتحدث عمن تعلم لغة قوم أمن على رقبته.

لكنها لم تكن نهاية سعيدة للرئيس روه مو هيون الذي لم يعد يجيد أو يستوعب اللغة السائدة والمتداولة من حوله ومن قوم لم يرحموا عزيزاً لهم فقرر أن يكسر رقبته بنفسه ويهوي من عل.

المصدر : الجزيرة
كلمات مفتاحية:

التعليقات