انتحار رئيس عزيز أذله أهله
آخر تحديث: 2009/5/29 الساعة 17:39 (مكة المكرمة) الموافق 1430/6/5 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2009/5/29 الساعة 17:39 (مكة المكرمة) الموافق 1430/6/5 هـ

انتحار رئيس عزيز أذله أهله

الكوريون الجنوبيون ودعوا رئيسهم المنتحر بحزن عميق (الفرنسية-أرشيف)

عزت شحرور-بكين

بحزن عميق ودع آلاف الكوريين الجنوبيين رئيسهم السابق روه مو هيون إلى قبره في قريته الوادعة، بعد أن ضاق ذرعا بالحياة وانتحر الأسبوع الماضي.

ولد روه مو هيون لوالدين مزارعين عام 1946، وعاش طفولته فقيرا محروما قبل أن يدرس القانون ويصبح محامياً يدافع عن حقوق الإنسان، ثم قاضيا استهواه المعترك السياسي وحلم بتحقيق العدالة الاجتماعية ورفع الظلم وبتنظيف البلاد من آفة الفساد المستشري.

كان أول سياسي في بلاده يدخل حلبة التنافس على الرئاسة من خارج دائرة القوى والشخصيات المتنفذة، انتخب عام 2002، وتولى منصب رئيس البلاد حتى عام 2008.

السيد نظيف
منذ دخوله البيت الأزرق شرع في حملة لتنظيفه من مظاهر الفساد الحكومي والإداري، ومن جشع الشركات وسطوة رجالها وتدخلهم في شؤون السياسة لتحقيق مكاسب خاصة، حتى عرف باسم "السيد نظيف" في بلد تغلغل فيه الفساد.

عزز روه مو هيون دور الإعلام وحرية الصحافة، وكان أول سياسي بكوريا الجنوبية يقبل أن تكون شخصية الرئيس موضع سخرية وتهكم في وسائل الإعلام.

روه مو هيون ترك وصية بحرق جثته وطلب أن يقام له ضريح في قريته (الفرنسية-أرشيف)
نجح في تعزيز التقارب مع "الشقيق اللدود" كوريا الشمالية بعقد ثاني قمة تاريخية بين البلدين ساهمت في الحفاظ على استقرار واضح في شبه الجزيرة الكورية طوال فترة حكمه، قبل أن يعود إليها التوتر الشديد مع بداية حكم خلفه لي ميون باك وتصل إلى ما وصلت إليه الآن من نذر مواجهة عسكرية.

"السلطة المطلقة مفسدة مطلقة"، لكن سلطته لم تكن مطلقة ولم يتورط في قضايا فساد، بل انشغل بمواجهة الفساد في مؤسسات الدولة، لكنه ترك ظهره مكشوفا ونسي بيته وعائلته والمحيطين به.

وبذلك جاءته الطعنة من حيث لم يحتسب، إذ تورطت زوجته وابنه وأخوه في قضايا رشوة وفساد فورطوه، ليصبح ثالث رئيس كوري جنوبي يخضع للتحقيق بتهم الفساد وسوء استخدام السلطة.

استدعي عدة مرات للتحقيق وخرج بعد آخرها التي استمرت 13 ساعة محطما كسيرا، ووصل إلى قناعة بأن "الحياة والموت أمر واحد"، كما جاء في الرسالة القصيرة التي تركها.

لم يترك روه مو هيون سوى وصية قصيرة يعتذر فيها لذويه ومحبيه، ضمّنها رجاء بأن يحرقوا جثته ويقيموا له ضريحا صغيرا في قريته الصغيرة، وكان له ما أراد.

ملاذ الانتحار
الفساد والانتحار قضيتان يوميتان لا تخلو أي صحيفة منهما في كوريا الجنوبية، وكأنهما جزء من ثقافة المجتمع، حتى إن الانتحار رابع أكبر مسبب للوفاة في البلاد، وتتجاوز نسبته أحيانا نسبة الوفيات الناتجة عن الجريمة وحوادث السير وبعض الأمراض الفتاكة.

والكوريون كاليابانيين لا يعتبرون الانتحار عملا مشينا أو غير مسؤول، بل هو بنظرهم وسيلة احتجاج أو قرار جريء يضحي فيه الفرد بنفسه من أجل الجماعة.

آلاف الكوريين الجنوبيين شيعوا رئيسهم السابق إلى قبره (الفرنسية-أرشيف)
قبل روه مو هيون كان مواطنه رئيس "شركة هيونداي أساي" قد قام بعمل مماثل وبالطريقة ذاتها في أغسطس/آب 2003 عندما قفز قفزة الموت من الدور الثاني عشر لمبنى شركته ليضع حدا للجدل الدائر آنذاك بشأن تقديمه رشوة بملايين الدولارات لكوريا الشمالية تمهيدا لعقد القمة التاريخية الأولى بين الكوريتين عام 2000.

أما رئيس بلدية بوسان، ثاني أكبر المدن في كوريا الجنوبية، فلم يجد سوى ملابسه الداخلية ليشنق بها نفسه داخل أحد السجون الكورية الجنوبية، حيث كان يحاكم بتهم فساد ورشوة.

ويحفل التراث الكوري بكثير من قصص الانتحار بل إن بعض الأدباء يختارون كتابة الصفحة الأخيرة من مؤلفاتهم بدمائهم، وكذلك اليابانيون، كما أن فيلم "نادي الانتحار" قد سجل أعلى نسبة بيع تذاكر قبل سنوات.

والصين أيضا ليست بمنأى عن هذه الظاهرة فهي تحتفل هذه الأيام بعيد الخمسة المزدوجة، وهو عيد رسمي لإحياء ذكرى الشاعر تشو يوان، الذي ثار قبل أكثر من ألفي عام ضد فساد الحكومة، وعندما فشل في الإصلاح قرر الانتحار، أو كما يقول الصينيون -ويوافقهم الكوريون واليابانيون- قرر أن يحتج ويسجل موقفا، أليس هذا ما فعله روه مو هيون؟ حقّا.. كلهم في الانتحار شرق.

المصدر : الجزيرة

التعليقات