هاني البنا: العثور على الكفاءات البشرية أبرز التحديات التي تواجه المؤسسة (الجزيرة نت)

تامر أبو العينين-زيورخ

 تحتفل منظمة الإغاثة الإسلامية هذا العام بذكرى مرور ربع قرن على تأسيسها في بريطانيا، في مسيرة حافلة بالتحديات لم تدفع القائمين على المؤسسة إلى اليأس بل عززت لديهم روح المثابرة لتجاوز تلك التحديات انطلاقا من ثوابت يحددها للجزيرة نت رئيس المؤسسة الدكتور هاني البنا في الحوار التالي:
 

ما حصيلة ربع قرن من عمل مؤسسة الإغاثة الإسلامية؟
 
الحصيلة لها جوانب متعددة لكن ليس أهمها ما قدمته الإغاثة الإسلامية من مشاريع إنسانية ولكن ما حصلت عليه الإغاثة من اعتراف دولي ضمني لمنظومة العمل الإسلامي الذي استطاعت الإغاثة أن تكون إحدى علاماته سواء في أوروبا والولايات المتحدة أو في الشرق.
 
كما استطاعت الإغاثة أن تؤسس لمنظومات أخرى للعمل الإنساني وتضع رؤى أخرى متوازية في مكافحة بعض الأمراض والتصدي لمشكلات الفقر والمجاعات انطلاقا من مبدأ "عمومية المشاكل وليس خصوصية المشاريع".
 

انتم تتحدثون عن مشاريع، بينما هناك من يرى في العمل الإغاثي مجرد التدخل السريع في حالات الكوارث وما يعقبها من مآس، فهل لك أن توضح لنا منظومتكم في العمل؟
 
العمل الإغاثي يبدأ بإطعام الجائع وتطبيب المريض وإيواء المشرد، ثم فيما بعد في الدفاع عن حقوقه، لتليها مرحلة الكشف عن احتياجات هذا الإنسان ليتمكن من أن يعيش حياة كريمة تليق بانسانيته. هذا الإنسان ليس غريبا عنا سواء كان في أفريقيا أو آسيا أو أميركا اللاتينية.

إن الكثير من المسلمين يعتقدون مع الأسف الشديد أن المأساة تنتهي بمجرد عدم الحديث عنها في الإعلام أو انتهاء الأمر بمجرد الإعلان عن جمع التبرعات من هنا وهناك، وحين تختفي القضايا الإنسانية الملحة من الإعلام تختفي معها أيضا مشاعرنا بالعطاء ذهنيا وفكريا وجسديا وكلها لا تقل أهمية عن العطاء المادي.
 
في حين أن الحصول على تلك التبرعات هو في واقع الأمر بداية الطريق نحو مشروعات متكاملة وليس نهايته، بينما هناك مؤسسات يتوقف دورها عند العطاء المادي، ونحن نعتبر أن بداية دورنا تبدأ ما بعد هذه المرحلة إلى أن يتمكن المحتاجون من الحصول على مصادر رزق متنوعة تضمن حياة كريمة لهم.
 

كيف تمكنتم من اكتساب مصداقية في الغرب بالتحديد؟ هل لكم غطاء سياسي يمهد لكم الطريق؟
 
لم يكن الغطاء السياسي في أي وقت من الأوقات هو الذي يعطي المؤسسات مصداقية، بل بالعكس، إن حصول المؤسسات على غطاء سياسي من بعض الدول يجعل تلك المؤسسات محسوبة عليها أو على التنظيمات السياسية التي تدعمها وتقف وراءها.
 
أية مؤسسة إنسانية غير حكومية لا تكتسب مصداقيتها إلا إذا كانت مدعومة شعبيا وجماهيريا بعيدا عن الدعم الحكومي الرسمي الذي عادة ما يفرض آفاق أبعادها الخيرية التي تريد أن تصل إليها.
 
أما نحن في الإغاثة الإسلامية فليس لنا غطاء سياسي لا في الشرق ولا في الغرب، وغطاؤنا هو شعارنا أننا "منظومة إسلامية خيرية لها قيمة دينية نشأت في الغرب فاحتار في تصنيفها، وهي منظومة أتت بثمار الشرق متمثلة في قيمه الإسلامية والحضارية فاحتار الشرق في تسميتها".
 
لكننا نقول إننا منظومة جديدة نابعة من فكر الشعب العربي المسلم الذي استوطن الغرب فتعلم منه كيف يبني مؤسسات المستقبل، ليصبح همزة الوصل بين الشرق والغرب والشمال والجنوب، وتحتفظ تلك المنظومة بثقافتها وقيمها وتدافع عن مبادئها الإنسانية من خلال هذه الثقافة. 

 
ما أبرز التحديات التي تواجه الإغاثة الإسلامية الآن؟
 
هناك تحد قائم منذ فترة، وأعتقد أنه سيستمر لسنوات ويتمثل في العثور على الكفاءات البشرية، لأن نسبة كبيرة من المسلمين المتعلمين والأكفاء ينقصهم الإيمان الكافي بأهمية العمل الخيري التطوعي ويسعون فقط وراء الحياة العملية من خلال الالتحاق بالمؤسسات والشركات سواء الحكومية أو الخاصة.
 
 
هل يمكن أن توضح المزيد حول هذا التحدي الذي من الواضح أنه يؤرقكم؟ وكيف تتعاملون معه؟
 
إن الكفاءة البشرية عنصر هام لإنجاح العمل الإغاثي وإذا لم تكن لديك الكفاءة البشرية الجيدة والواعية برسالتها فلن تتمكن من مواجهة التحديات مهما كانت بسيطة.
 
وعندما لا نجد الكفاءات الشابة التي تعمل معنا بأجور متواضعة في بعض المشاريع فإننا نلجأ إلى الخريجين من الشبان والشابات وندربهم على العمل الخيري التطوعي في مشاريعنا لتحمل المسؤولية.
 
 
وما التحديات الأخرى التي تواجهكم؟
 
هناك تحد آخر يتمثل في محاولة الاعتراف الضمني بأهمية العمل الخيري الإسلامي في المجتمعات العربية والإسلامية ولدى حكوماتها وهذا تحد هام للغاية، لأنك من ناحية نبت جديد في الغرب الذي لم يفهم بعد ثقافة وحيثيات وأداء هذه المؤسسات الإسلامية التي بزغت في ربوعه.
 
ثم هناك تحد ثالث يتمثل في التعامل مع المؤسسات الدولية والحكومات الغربية والبنك الدولي كمؤسسات مانحة، وإن كان قرارها أسهل من قرار الحكومات في التعرف عليك والتعامل معك، ولكن هناك أيضا نوع من كسر الحواجز معها، لأنها ليس لها خبرة سابقة في التعامل مع منظومة العمل الإسلامي التطوعي.
 
وأخيرا هناك التحديات التي تنشأ من قضية معينة مثل أحداث الإرهاب والحادي عشر من سبتمبر والتفجيرات وغيرها.
 
 
على ذكر أحداث الحادي عشر من سبتمبر، كيف تمكنتم من التعامل مع تداعياتها؟
 
لقد كان الحادي عشر من سبتمبر تحديا حقيقيا للمؤسسات التي لم تستطع فتح أبوابها على العالم قبل هذا الحدث أو تواجه العالم على الملأ بعد وقوعه.
 
في المقابل كانت الإغاثة الإسلامية تتمتع بشفافية عالية منذ إنشائها 11 عاما قبل الحادي عشر من سبتمبر، فكان لها من يعرفها ويدرك منظومة عملها وعلى اقتناع بأهميتها ويعرف مشروعاتها ويؤيدها أيضا، ولذا لم نكن وقتها غرباء على الساحة الدولية أو الأمنية أو الاستخباراتية.
 
وقد تعلمنا بالفعل من الأخطاء التي وقعت فيها بعض المؤسسات الأخرى في أفغانستان، وحدث فيها خلط للأوراق بغض النظر عن خلفياتها، واستفدنا من تلك التجربة في مشروعاتنا بالبوسنة والهرسك وكوسوفو والشيشان بطريقة حرفية عالية القيمة وبتحد يواجه أي مغرض يريد التشكيك في سياسة وأهداف مؤسسة الإغاثة الإسلامية.
 
ومن هنا لم تكن التحديات التي واجهناها بعد الحادي عشر من سبتمبر مشابهة لتلك التي تعرض لها العمل الإسلامي بشكل عام، بل على العكس فإن مشروعاتنا في باكستان وأفغانستان قد زادت بالمقارنة بما كانت عليه قبل الحادي عشر من سبتمبر.
 
 
ولكن كيف يمكن فهم حصولكم على هذا الاستثناء؟

لم يكن هذا استثناء للإغاثة بل كان اعترافاً ضمنياً بالدور الرائد القائم على شفافية العمل وانفتاحه على المجتمعات المحلية المستفيدة والمجتمعات الدولية المانحة، مما أدى إلى ازدياد عنصر الثقة في وجود مؤسسة الإغاثة الإسلامية في تلك المناطق، لما لها من خلفية ثقافية وقيمية، وقبولها لدى المستفيد في الوقت الذي لم تحظ بهذا القبول أغلب المؤسسات الخيرية الأخرى.
 
ومن بين الأدلة على تلك الثقة أن مؤسسة الإغاثة الإسلامية قدمت في نوفمبر/تشرين الثاني 2001 تقريرا عن الوضع الإنساني للاجئين والنازحين بسبب الحرب من أبناء الشعب الأفغاني للبرلمان البريطاني ومجلس اللوردات وبثه الإعلام من داخل المجلسين على الهواء مباشرة حيث أجاب مدير مكتبنا في كابل على أسئلة البرلمانيين.

 فلو لم تكن الإغاثة الإسلامية معروفة بشكل جيد لدى السلطات لما تم الأخذ بشهادتها لدى البرلمان والسلطات والنظر إلى رأيها كمرجعية في مجالات اعتماد المساعدات المالية الإنسانية لأفغانستان آنذاك. وكانت تلك النتيجة الإيجابية هي حصيلة الشفافية والوضوح في التعامل الذي تميزنا به منذ انطلاقنا في العمل.

أما المضايقات التي تعرضنا لها فكان معظمها في المجال الإعلامي، مثل تشابه في الأسماء أو محاولات الإساءة لنا بإلصاق بعض الأسماء التي لها علاقة بالإرهاب بأنها على علاقة بمؤسسة الإغاثة الإسلامية.
 
وكانت لنا معارك شديدة للغاية مع بعض قنوات التلفزة والصحف والإذاعات، ولم نلجأ إلى سياسة الاختفاء لأننا على قناعة بأن الإغاثة الإسلامية جزء من نسيج المجتمع في أوروبا والولايات المتحدة تتأثر بأفراحه وأتراحه.

وكعمل خيري إنساني إسلامي فمن حق الناس أن يسألوا ويتأكدوا وليس من حقك أن ترفض الرد عليهم أو الاختباء منهم. 
 
كيف تحددون أولويات عملكم؟

ننطلق في مشروعاتنا من الحاجة المجتمعية سواء كان مصدرها أحد مكاتبنا المنتشرة أو ما نتعرف عليه من الإعلام، ونحن الآن في عصر ثورة الاتصالات والأخبار أصبحت تنتشر بسرعة، ومن ثم يمكن التأكد من صحة المعلومات الواردة سواء كانت كارثة أو قضية تنموية أو مشكلة تتعلق بالتصحر أو الجفاف أو الأمراض أو غيرها.
 
بعد ذلك يأتي عنصرا القدرة البشرية والمادية، ونبحث ما إذا كانت لدينا الكفاءات البشرية المناسبة للعمل في هذا المجال أم لا، وهل لدينا من الأموال ما يكفي للخوض في هذا المجال؟

وبعد ذلك يأتي الدور في العثور على الجهات المانحة لتمويل المشروعات المطلوبة، لاسيما وأن هناك قضايا ملحة وبالغة الأهمية ولا يتحدث عنها أحد في الإعلام، مثل قضية الشيشان التي أصبحت منسية ويتم النظر إليها على أنها شأن داخلي.

ثم هناك قضية كشمير التي تم نسيانها بسبب تركيز التغطية الإعلامية على الإرهاب، وهناك قضايا اللاجئين الفلسطينيين في لبنان وفي الضفة الغربية وخارج قطاع غزة، وهناك قضايا الفقر والمجاعات في أفريقيا حدث فيها ولا حرج. والخطير في الأمر أن الأموال لا تأتي إلا حيث يتواجد الاهتمام الإعلامي.
 
 
ما رأيكم بما يحدث في قضية دارفور؟
 
التحدث عن دارفور يستدعي أن نرى أهمية السودان بالنسبة للعالم ككل ثم بالنسبة للعالمين العربي والإسلامي، فالسودان كدولة منحها الله ثروات عدة وعندها من تنوع الثقافات والحضارات الكثير فأصبحت بهذا الزخم المتنوع من أهم الركائز الأساسية للاسقرار السياسي والاقتصادي والأمني ليس في أفريقيا فحسب بل في العالم ولذلك يجب أن نسعى إلى رأب الصدع الذي قد يحصل في أي منطقة من مناطقها.
 
أما بالنسبة للعالم العربي والإسلامي فالسودان هو العمود الفقري لهذين العالمين الذي قد لا يراه قصيرو النظر غير القادرين على الرؤية الشمولية لمكونات هذه العوالم، لذا فإن تعاملنا مع أي قضية تتعلق بهذا البلد الكريم يجب أن يولي شمولية الرؤية الكاملة بأن السودان كدولة لها سيادة تستطيع أن تكون عاملا مساعدا على الاستقرار الأمني في العالمين العربي والإسلامي والعالم أجمع.
 
فالتعامل مع هذه القضايا العالقة يجب أن يكون على أنها مكون لمستقبل السودان الكبير المحتضن لكل هذه الثقافات والعرقيات والتراث المتميز. لذلك لا أرى أن نعني أنفسنا ليس  بإبراز جزء من كل، بل علينا أن نبرز الكل ليصبح حل المشاكل الجزئية ممكنا وهذا ما يحدث غالباً في التعامل الإعلامي حيث تضخم الجوانب غير المعنية على حساب المهمة منها لتظهر أكبر من حجمها الواقعي. 

المصدر : الجزيرة