الشيخ حارث الضاري أكد أن الشعب العراقي بأغلبيته الساحقة يريد رحيل الاحتلال
(الجزيرة نت)

أنس زكي-الدوحة

شكك الأمين العام لهيئة علماء المسلمين بالعراق الشيخ حارث الضاري في مقابلة مع الجزيرة نت بالعاصمة القطرية الدوحة، في جدية عزم الولايات المتحدة سحب قواتها من العراق، وأكد أن العراق لم يغرق في مستنقع الطائفية كما خطط أعداؤه، كما انتقد ما وصفها بأطماع رئيس إقليم كردستان مسعود البارزاني جغرافيا وسياسيا وقال إنها وصلت إلى حدود مزعجة للعراق وجيرانه.

وفيما يلي نص المقابلة:

تتزايد الأنباء عن انسحاب أميركي محتمل من العراق، فهل تعتقد أن هذا سيحدث فعلا؟

لا نعتقد أن الانسحاب حقيقي لأنه لا توجد له ضمانات كما أنه من طرف واحد. ثم إن التناقض في التصريحات حول الانسحاب ونوعه ومدة البقاء في العراق، كل هذا لا يجعلنا نؤمن بصدقية وجدية قرار الانسحاب الأميركي من العراق.

 أما التلاعب في قضية الانسحاب فهو أمر متوقع وأكدته التصريحات المتضاربة بهذا الشأن حيث يقول بعضها إن هذا الانسحاب سيرتبط بالواقع الميداني وتتحدث أخرى عن تفكير أميركي في إنشاء ألوية من جيشها العامل في العراق تحت اسم "ألوية المعاونة والمشورة" فيما تتواتر تصريحات لقادة أميركيين تؤكد أن قرار الانسحاب وجدولته ليس قرارا نهائيا.

والمتابع للإدارة الأميركية الحالية يلحظ أنها واقعة تحت ضغوط وبين خيارات قليلة أحلاها مر، فإما انسحاب ينال من هيبة أميركا وسمعتها كما يرى البعض أو بقاء يكلف المزيد من الخسائر البشرية والمالية فضلا عن تعارضه مع التصريحات التي أدلى بها الرئيس الحالي باراك أوباما أثناء حملته الانتخابية.

وبالنسبة للقوى المناهضة للاحتلال وفي مقدمتها المقاومة فإنها لا تعتبر ما يتردد عن جدولة الانسحاب بمثابة انسحاب حقيقي وإنما هي عملية لإعادة انتشار القوات الأميركية في العراق وفقا  لما تقتضيه مصالح هذه القوات وحلفائها بالعراق.

وإذا حدث الانسحاب، هل تتوقع فراغا سياسيا أو أمنيا في العراق؟

سواء انسحبت القوات الأميركية إلى قواعد خارج المدن العراقية أو انسحبت كليا خارج العراق، فنحن لا نتوقع الفراغ الذي يتحدث عنه البعض ممن له مصلحة في بقاء الاحتلال، لأن الشعب العراقي بأغلبيته الساحقة يريد رحيل الاحتلال ويعتقد أن من دمر العراق وجلب عليه كل المشاكل الحالية هو الاحتلال ومن يتعاون معه.

ومن المؤكد أن أبناء العراق سيملؤون الفراغ بتوافقهم وتسامحهم وبعلمهم أن ما تتعرض له البلاد من مشاريع تدخل خارجي هي أمر يرتبط بالاحتلال ولن ينتهي إلا بخروجه.


هل السلطة الحالية قوية بما يكفي لإدارة العراق بعد انتهاء الاحتلال؟

السلطة الحالية قائمة على قوة الاحتلال وعلى مساندة حلفاء إقليميين، ولا أعتقد أنها تستطيع إدارة البلاد بدون هذين الداعمين إلا إذا سلمت البلد لأهله الحقيقيين أو تعاونت معهم بما يحفظ للعراق سيادته ووحدته ومصالحه العليا.


ألا تمثل السلطة الحالية أهل العراق الحقيقيين؟

لا أرى ذلك، لأن من تعامل مع الاحتلال وغيره من القوى الخارجية على حساب العراق وأهله، ومن فتح الأبواب لكل حاقد وطامع وحرم أبناء العراق من خيراته وجعله سجونا يقبع فيها الآلاف من الأحرار، هؤلاء أو على الأقل أغلبهم ليسوا من أبناء العراق.


دعوت مؤخرا لإنشاء حكومة انتقالية في العراق، فما تفاصيل ذلك؟

في تقديرنا أن هذه الحكومة يجب تشكيلها بعد زوال الاحتلال وتكون حكومة كفاءات متنوعة تشرف على انتخابات عامة بعيدا عن هيمنة أي طرف داخلي أو خارجي، وتنتج هذه الانتخابات برلمانا عراقيا يتولى بدوره تشكيل لجنة من ذوي الاختصاص والخبرة لوضع دستور عراقي عام يكون لكل العراقيين وليس لصالح فئة أو طائفة أو قومية على حساب أخرى، ثم يصار بعد ذلك إلى انتخاب رئيس للبلاد باقتراع مباشر من قبل عموم الشعب ليكون رئيسا للعراق أيا كان انتماؤه الطائفي أو العرقي أو السياسي.

هل تعتقد أنه من السهل أن يتجاوز العراق ما طرأ عليه من خلافات طائفية وعرقية ويعود عراقا موحدا لجميع العراقيين؟

أعتقد أن هذا سيتحقق إذا خرج الاحتلال، لأن العراقيين أريد لهم في بداية الاحتلال أن يساسوا طائفيا وروج المحتل وحلفاؤه لذلك حتى اعتقد الناس خارج العراق أن العراق قد أصبح طائفيا وأن هذه هي إرادة شعبه وأنه لا عودة له عنها.

ونحن نقول إن الطائفية لم تكن خيار الشعب العراقي وإنما هي خيار الاحتلال وحلفاؤه الذين جاؤوا لتقسم العراق وتقطيع أوصاله ورأوا أن الوصفة المناسبة لتحقيق ذلك هي إثارة الموضوع الطائفي.

كما أن السياسة الطائفية التي لهج بها الاحتلال وحلفاؤه لم تكن مقبولة لدى الشعب العراقي من البداية ولهذا والحمد لله لم تقع حرب أهلية كما توقع الاحتلال وحلفاؤه، وهذا الشعور تزايد لدى العراقيين حتى أصبح اليوم يقينا، ولو ذهبت إلى العراق اليوم وسألت أي إنسان في أي مكان لكان الجواب أن الاحتلال شر وأنه ما جاء إلا لإحداث الفتن وتقسيم البلد، ولوجدت المشاعر -لا أقول كلها وإنما على الأقل أغلبها- تنادي برحيل الاحتلال وبوحدة العراق وسقوط دعاة التقسيم والطائفية.

وخير شاهد على ما نقول أن الانتخابات البلدية التي جرت قبل أشهر أطاحت بالجهات الرئيسية الطائفية التي تريد تقسيم العراق تحت لافتة الفدرالية المسمومة.


ماذا عن المقاومة في ظل ما يتردد عن انسحاب محتمل أو حتى إعادة انتشار؟

المقاومة مستمرة بالتأكيد، وكما أعلنت على لسان فصائلها أنها ستتواصل ما دام الاحتلال موجودا سواء داخل المدن أو في قواعد خارجها.

وما تقييمكم لحال المقاومة في الوقت الراهن؟ وهل هناك جهود لتوحيدها؟

في تقديرنا كمراقبين ومتابعين لشأن المقاومة أن الحال حاليا هو الأفضل من حيث وحدة المقاومة ومن حيث الأهداف والوسائل ومستوى التفاهم، وهناك جهود بسيطة تصاحبها أمان لتوحيد المقاومة لكن الواقع والتجارب لا يساعد على تحقيق ذلك.

رئيس إقليم كردستان مسعود البارزاني صرح مؤخرا بأن أميركا خذلت الأكراد في العراق، فما تعليقكم على هذا التصريح؟

في تقديرنا أن أميركا لم تخذل الأكراد كما قال، لكن يبدو أنها طلبت منهم أن يحدوا من مطالبهم وأطماعهم في العراق بعد أن وصلت إلى حدود مزعجة للعراقيين جيرانهم حيث تجاوزت كل الحدود المعقولة وغير المعقولة.

والملاحظ أن الأكراد السياسيين وبالذات مسعود البارزاني لهم مطالب واسعة في العراق، فهو يريد أن يضم إلى الإقليم مساحات واسعة تعادل ضعفي مساحته، ويريد الاستيلاء على كركوك كاملة وعلى نصف محافظة الموصل وما يقرب من نصف محافظة ديالى وأجزاء من محافظة صلاح الدين بل إنه يريد أن يجاور العاصمة بغداد.

وهذه هي المطالب الجغرافية فضلا عن مطالب مادية وأخرى سياسية تتعلق برغبته في الهيمنة على القرار السياسي وتعطليه متى تعارض مع طموحاته، ولذلك فهو يظهر الشكوى من التخلي المزعوم لأميركا، لكن الواقع في رأينا أن واشنطن لم تتخل عنه ولا عن غيره من حلفائها في العراق.


ما تقييمكم للمواقف العربية الحالية تجاه العراق؟

ما دام الاحتلال موجودا في العراق وما دامت هذه الحكومة تسير على طريق المحاصة الطائفية وتلتزم بالدستور المفرق للشعب العراقي فلا أعتقد أن التطبيع العربي معها يخدم العراق أو شعبه وإنما يخدم الحكومة والمشروعين المتحكمين في العراق حاليا وهما الأميركي والإيراني، والتطبيع مع الحكومة في رأيي هو تطبيع مع الأوضاع الجارية في العراق ومع التوجهات التي تحكمه حاليا.

تقرن المشروع الأميركي في العراق بنظيره الإيراني، ألا تعتقد بوجود خلافات بين الجانبين؟

الحقيقة أن هناك مصالح مشتركة بين أميركا وإيران في العراق وأفغانستان والخليج، ولذلك لا يوجد في تقديرنا خلاف حقيقي بينهما وإنما الخلاف هو خلاف مصالح ونفوذ يمكن التفاهم عليه في أي مرحلة من المراحل اللاحقة وهذا ما تشير إليه المواقف الأخيرة بين البلدين.

ترددت أنباء عن سعي أميركا لتنشيط دور تركي بالعراق، فما تعليقكم على ذلك؟

لا يمكن أن يستبدل دور بدور، ولا أعتقد أن تركيا تريد أن تكون بديلا لإيران وإنما قد تكون موازنة للدور الإيراني أو مخففة لأضراره ومخاطره في العراق.

المصدر : الجزيرة