بيتر ماندفيلا توقع ظهور جيل إسلامي بأوروبا يوائم بين الإسلام والعصر (الجزيرة نت)

خالد شمت-برلين
 
تحظى أوضاع المسلمين في دول الاتحاد الأوروبي منذ أوائل التسعينيات باهتمام متزايد من حكومات هذه الدول التي أولت قضية دمج أقلياتها المسلمة مرتبة متقدمة في أجندة اهتماماتها.
 
واستعانت معظم الحكومات الأوروبية بمراكز دراسات متخصصة لعقد حلقات بحثية ومؤتمرات لمساعدتها في الوصول إلى صيغ لتنظيم علاقاتها مع مسلميها.
 
آخر هذه المؤتمرات نظمه مركز دراسات الشرق الحديث ببرلين تحت عنوان "الحياة الإسلامية في أوروبا.. تقاليد المسلمين في المحيط الأوروبي"، وشارك فيه 80 باحثا أكاديميا ومستشرقا يمثلون جامعات ومراكز دراسات أوروبية وأميركية وإسرائيلية.
 
ومثّل هذا المؤتمر تتويجا لمشروع بحثي موسع رعته وزارة البحث العلمي الألمانية وشاركت فيه ثلاث جامعات ألمانية هي هامبورغ وهالة وفرانكفورت أودر. واستغرق هذا المشروع ثلاث سنوات وشمل إجراء تحليل مسحي لكافة الحركات والمجموعات والمؤسسات الإسلامية في دول الاتحاد الأوروبي.
 
صياغة المستقبل
ودارت أوراق العمل المقدمة من المشاركين في المؤتمر حول سؤالين محوريين هما: ما الموقع الذي يستطيع المتدينون المسلمون الوصول إليه في أوروبا؟ وهل تناسب بنية الحركات والمجموعات الإسلامية وخططها المستقبلية مع السياق الأوروبي؟
 
واستهل مدير مركز العلاقات الدولية بجامعة جورج ماسون الأميركية الدكتور بيتر ماندفيلا المؤتمر بمحاضرة بعنوان "صياغة مستقبل المسلمين في أوروبا.. العلوم الدينية والسياسة"، طرح في بدايتها تساؤلا عن كيفية استغلال الشبيبة المسلمة في المجتمعات الأوروبية لخبراتهم المكتسبة من الاحتكاك بثقافتين في تحويل أوروبا إلى مركز للإصلاح السياسي والثقافي والديني في الدول الإسلامية.
 
وتوقع ماندفيلا أن تلعب الأجيال الشابة المتعلمة في الطبقة الوسطى المسلمة بالمجتمعات الأوروبية –خاصة في بريطانيا– دورا مهما في تطويع العلوم الدينية للواقع وتأسيس نموذج إسلامي يوائم بين الإسلام والعصر ويتجاوز الاختلافات الإثنية والمذهبية.
 
اندماج المسلمين بالمجتمعات الأوروبية شغل حيزا من الدراسات المقدمة بالمؤتمر (الجزيرة نت)
جوانب الأبحاث
واستهدف القائمون على المؤتمر تحقيق مجموعة أهداف منها توصيف تصورات الفاعلين المسلمين في أوروبا لدور الإسلام في المجتمعات الأوروبية، وعرض المشكلات التي يواجهها المسلمون خلال سعيهم للاندماج في هذه المجتمعات، وتعريف الرأي العام وصناع القرار في أوروبا بالمشروعات الدينية الإسلامية وعمل الفاعلين المسلمين في مجالات تتقاطع مع المجتمعات الأوروبية.
 
واهتمت الدراسات المقدمة للمؤتمر ببحث التأثيرات المتبادلة بين الواقع الإسلامي في أوروبا وفي دول مسلمة كباكستان وتركيا ومصر وسوريا، وعقدت مقارنة بين المشكلات التي تواجه الأقليات المسلمة في أوروبا وفي مجتمعات أخرى يمثل المسلمين فيها أقلية كالهند وجنوب أفريقيا.
 
كما اهتم المشاركون في المؤتمر بتحليل آلية العمل والتداخل المحلي والمتجاوز للحدود للامتدادات الأوروبية لجماعات ومؤسسات إسلامية كالتبليغ والإخوان المسلمون ومللي جوروش والدعوة الإسلامية وحزب التحرير إضافة للطائفة الأحمدية.
 
وتطرق عدد من الدراسات لجوانب مختلفة في واقع الأقليات المسلمة في أوروبا مثل أوضاع هذه الأقليات بعد أحداث 11 سبتمبر/أيلول 2001 وعلاقة الوجود المسلم ذي الخلفية  الدينية بصيغ الحكم الأوروبية العلمانية، وهجرة واندماج  المسلمين في المنظور الأمني، ومدارس التعليم الديني ودورها في تشكيل الهوية.
 
 ريم شبيلهاوس عرضت تجربة ألمانية في اندماج المسلمين بالمجتمع (الجزيرة نت)
الحالة الألمانية
وحظيت ألمانيا الدولة المضيفة للمؤتمر بكم كبير من الدراسات المقدمة، إذ قدمت إسراء أوزييرك  الباحثة بجامعة كاليفورنيا دراسة عن المسلمين من أصول ألمانية ودورهم في السياق الأوروبي.
 
وقدم الأستاذ في جامعة المسيسبي الأميركية أحمد يوكيليين دراسة بعنوان "الجمعيات التركية الإسلامية في ألمانيا بين الدين والولاء والاندماج".
 
بدورها عرضت الباحثة بجامعة هومبولدت ببرلين ريم شبيلهاوس تطور المنظمات الإسلامية في ألمانيا عبر نموذجين محلي هو مجلس شورى هامبورغ ومركزي هو المجلس التنسيقي للمنظمات الإسلامية.
 
ونوهت إلى أن تغيير صيغة التصنيف الحكومي الألماني للمسلمين من إثني إلى ديني مع بداية التسعينيات مثل دافعا للأخيرين لتجاوز اختلاف انتماءاتهم العرقية والتوحد في أطر جامعة.
 
تفاعل متبادل
وخلصت الباحثة بجامعة "فرانكفورت أودر" شيرين أمير معظمي في دراستها عن دور المرأة داخل منظمة مللي جوروش الإسلامية التركية بألمانيا إلى أن صياغة الإسلام لنفسه دورا اجتماعيا في أوروبا تميز بالتفاعل المتبادل بين أتباعه والمجتمعات الأوروبية سيؤسس لبروز وضع اجتماعي مميز للمسلمين.
 
وفي ختام المؤتمر شدد الباحثون المشاركون فيه على أهمية عقد مؤتمر آخر عن الدور الإيجابي للمهاجرين المسلمين في المجالات الاجتماعية والاقتصادية والعلمية بأوروبا وكيفية تعظيم استفادة المجتمعات الأوروبية من هؤلاء المهاجرين.
 
وطالب الأكاديميون المشاركون في المؤتمر الذي انعقد خلال الفترة بين 7 و9 من الشهر الجاري بتكليف المؤسسات البحثية بعقد مقارنة علمية بين إنجازات المسلمين وإنجازات غيرهم من الأقليات الدينية في أوروبا.

المصدر : الجزيرة