الأزمة الموريتانية بين أربعة رؤساء
آخر تحديث: 2009/4/22 الساعة 16:00 (مكة المكرمة) الموافق 1430/4/27 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2009/4/22 الساعة 16:00 (مكة المكرمة) الموافق 1430/4/27 هـ

الأزمة الموريتانية بين أربعة رؤساء

الصراع على المقعد الرئاسي بموريتانيا قسم الشارع السياسي (الجزيرة نت)

أمين محمد-نواكشوط

يمكن لموريتانيا اليوم أن تسجل براءات اختراع في مجالات عديدة، ليس فقط لأن خمسة رؤساء تعاقبوا على حكمها في أقل من أربع سنوات، وليس لأن نظام الحكم فيها تعرض لنحو عشرة انقلابات عسكرية منذ ميلاد الدولة الموريتانية، ولكن -وهذا هو الأهم- لأنها اليوم تعيش في كنف أربعة رؤساء يأخذ كل واحد منهم من الرئاسة بنصيب.

الجنرالان محمد ولد عبد العزيز، ومحمد ولد الغزواني، والرئيس المخلوع سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله، ورئيس مجلس الشيوخ المتوج حديثا بالرئاسة سابقا أمادو با امْباري جميعهم اليوم في دائرة التركيز الإعلامي والسياسي، بعدما بات لكل منهم حظه من أمر موريتانيا، ولكل أنصار وأحبار يتمسكون به ويلهثون بمحامده.

فالجنرال ولد عبد العزيز الذي ظل يوصف بصانع الرؤساء تحول أخيرا إلى أحد هؤلاء الرؤساء، فرغم إعلانه الاستقالة من رئاسة الدولة والمجلس العسكري فإن معارضيه يجزمون بأنه ما زال كما كان ممسكا بمفاتيح اللعبة، محددا لقواعدها وشروطها، مؤثرا جدا وبشكل مباشر في اتجاهاتها ونهاياتها.

 ولد عبد العزيز أثناء تقديمه خطاب استقالته (الجزيرة نت-أرشيف)
أما الجنرال غزواني ففضلا عن كونه ظل يعتبر الشخصية الثانية بعد ولد عبد العزيز في التأثير والنفوذ، فإنه اليوم -بالإضافة إلى قيادته للجيش- تحول أيضا إلى رئيس للمجلس العسكري الحاكم الذي -رغم تقلص صلاحياته- ما زال ممسكا بكل الصلاحيات الأمنية والعسكرية التي بلا شك تلقي أيضا بظلالها على الجوانب السياسية في بلد يعيش وضعا غير مستقر.

وتبقى الشرعية الدستورية يتنازعها الرئيسان المدنيان الآخران: با امباري المتوج بقرار من المجلس الدستوري يمنحه كل الصلاحيات الدستورية لتولي رئاسة الجمهورية في فترة قد تصل 90 يوما، والرئيس المخلوع الذي يحتفظ بما يعتبره شرعية انتخابية وسياسية غير مسبوقة، حيث تم اختياره في استحقاقات انتخابية أشرف عليها غيره، واعترف بنتائجها خصومه، ولاقت ترحيبا دوليا هو الأهم في تاريخ انتخابات البلاد.

هي إذن رئاسة موريتانيا تتنازعها شرعيات متعددة، وتوشك تلك النزاعات أن تثير قلاقل واضطرابات لا طاقة لبلد هش وضعيف مثل موريتانيا بحمل أعبائها، وتحمل تبعاتها، مما يدفع إلى التساؤل بحيرة وجدّ عما الذي يدفع موريتانيا وهي التي خاضت مؤخرا انتقالا سلسا للسلطة إلى وضع كهذا؟

نقائص الشرعية
الحالة الموريتانية الفريدة المتعددة الرؤوس يعود السبب فيها بحسب المحلل السياسي الحسين ولد امدو إلى الخلل العميق الذي صاحب انتقال السلطة إلى الرئيس المخلوع سيدي محمد ولد عبد الله الذي بقي لفترة حبيس نظام برأسين حين كان قائد حرسه الرئاسي ولد عبد العزيز يمسك بأهم أوراق اللعبة.

ولكن بغض النظر عن الأسباب المباشرة لما حدث فإن الأمر بالنسبة لولد امدو يدل على قدر عظيم من عدم الاستقرار السياسي والأمني في البلاد، ويدل أكثر من ذلك على عدم قدرة الطيف السياسي الموريتاني على تحصين تجربته الديمقراطية التي طبل لها كثيرا وزمر، وعلى عدم قدرته على إيجاد حلول توافقية لأزماته عند وقوعها.

ويرد ذلك إلى أن الحلول التوافقية تتضمن دوما وحتما تنازلات مؤلمة وتضحيات جسيمة، وهو ما لم ترتق إليه الطبقة السياسية بعدُ نتيجة لحداثة الممارسة السياسية في البلاد. لكنه رغم كل ذلك يرى نوعا من الصحوة السياسية الجديدة تمثلت في رفض المنقلب عليهم تسليم الأمور وتقديم الطاعة للقادة الجدد، والمعهود غالبا أن المنقلب عليه إما أن يسجن أو يهاجر أو يتنازل.

الشرطة الموريتانية تقمع تظاهرة نظمها معارضو الانقلاب على ولد عبد الله
(الجزيرة نت-أرشيف)
ويوافق المحلل السياسي محمد الحافظ الغابد على الرأي السابق في أن حالة موريتانيا الراهنة تدل على أن البلد يعيش حالة مفزعة من عدم الاستقرار الداخلي، ويعتبر أن ذلك الأمر وارد ومتفّهم في بلد ما زال النفوذ العشائري والجهوي والأيديولوجي المثخن بنكهة الصراع القبلي البدائي يحكم إلى درجة بعيدة أساليب وطرائق الممارسة السياسية.

ولكنه يلفت الانتباه إلى أنه في ظل وضع كهذا وفي بلد يتميز بالتنوع العرقي والثقافي، ما دام الخلاف لم ينزلق إلى صراع دموي، فإن تلك علامة إيجابية تميز الصراع السياسي في موريتانيا عن غيره من الصراعات في أفريقيا، رغم أن وجود معتقلين سياسيين يعتبر علامة سيئة في الصراع الحالي مهما كانت درجة الاختلاف أو الاتفاق معهم في الرأي والموقف.

ويعتبر أيضا أن الوضع الحالي ورغم تميزه بوجود أكثر من رئيس في السلطة فإن ذلك لا يخلو من إيجابية، ففضلا عن كونه يمنع الاستبداد والتسلط الفردي، فهو أيضا يؤكد رغبة عسكريي موريتانيا في تغليف هيمنتهم على السلطة بشرعية سياسية.

المصدر : الجزيرة

التعليقات