مهاجرون سريون في ميناء بجزر الكناري الإسبانية بعد إنقاذهم على يد دورية (رويترز-أرشيف)

"يأكلني سمك البحر ولا يأكلني الدود" جملة يرددها عشرات آلاف الجزائريين الذين جربوا الهجرة إلى أوروبا سرا، مثلهم مثل عشرات آلاف الأفارقة من بلدان جنوب الصحراء مع فرق كبير، فهم يغادرون بلدا غنيا نسبيا في رحلة يطلق محليا على من يجازف بها لقب "الحرّاقة"، في ظاهرة جرمها القانون الجزائري رسميا العام الماضي.
 
فقد حاول 67 ألف جزائري العام الماضي عبور المتوسط إلى أوروبا واستطاع 36 ألفا الوصول إلى جزيرة لامبيدوسا الإيطالية، لكن عشرات غرقوا والتقط جثثهم حرس السواحل ومراكب الصيد حسب صحف محلية، وأحيانا كانت الأجساد الممتلئة ماء تقع في شباك الصيادين، في ظاهرة يقر المسؤولون الجزائريون بأنهم لا يفهمون طبيعتها ولا حجمها.
 

"
وأنت في بناية تحترق، لديك خيار الموت داخلها أو القفز.. خطر الموت في الحالتين نفسه، لكنك لما تقفز تتخذ قرارا وتتحكم بشكل ما بحياتك
"
شاب جزائري
حاول الهجرة سرا

يقول طاهر الذي حاول الهجرة إلى إسبانيا وفشل "عندما تكون في بناية عالية تحترق، لديك خيار أن تموت داخلها أو تقفز.. خطر الموت في الحالتين نفسه، لكنك عندما تقفز تتخذ قرارا وتتحكم بشكل ما في حياتك"، وفي كل ذلك فإن "المغادرة أهم من الوصول" كما يقول.
 
سفيان (28 عاما) من وهران قام برحلتين فاشلتين إلى إسبانيا: الأولى أوصلته إلى هدفه، لكنه أوقف وطرد بعد رحلة كلفته 2400 يورو (3170 دولارا), والثانية حاول بها بلوغ الأراضي الإسبانية عبر الحدود المغربية وأوقف في سبتة البوابة المغربية التي يقصدها أيضا آلاف الأفارقة من بلدان جنوب الصحراء.

"الأرض الموعودة"
سفيان ما زال يؤمن بما يسميه "الأرض الموعودة"، وهو يقول إنه سيحاول الهرب مرة أخرى، لكن عكس بلدان جنوب الصحراء التي يهرب سكانها من فقر مدقع، يترك الجزائريون بلدا استثمر 150 مليار دولار في مشاريع التنمية منذ العام 1999, ويستثمر في السنوات الخمس القادمة 150 مليارا أخرى وعد الرئيس عبد العزيز بوتفليقة إن أعيد انتخابه في اقتراع يجري الأسبوع القادم، بأن تنشئ ثلاثة ملايين منصب عمل.

لكن عموم الجزائريين لم يستفيدوا من خطط التنمية التي وضعتها حكومات بوتفليقة مستندة إلى عائدات النفط والغاز، وهي خطط تواجه بمشاعر خيبة متزايدة، ليس فقط بين الشباب العاطل وسيئ التكوين، لكن أيضا بين الأكاديميين وموظفي الدولة الذين بدؤوا يغادرون البلاد مسببين نزيف أدمغة.
 
يقول مراقبون إن بوتفليقة سيفوز بسهولة في اقتراع لا ينافسه فيه بجدية إلا مرشح واحد هو رئيسة حزب العمال (التروتسكي) لويزة حنون.
 
بوتفليقة وعد باستثمار 150 مليار دولار لتوفير ثلاثة ملايين وظيفة في خمس سنوات
(رويترز-رشيف)
غياب أفق
وحسب أستاذ علم الاجتماع علي بن ساعد، "فالحراقة" تعبير عن غياب أفق اجتماعي سياسي وغياب الحريات ومن يقومون بها "يعرفون الخطر الذي يقدمون عليه"، لكنهم "يرفضون المأزق الذي يجدون فيهم أنفسهم، ففي غياب قنوات تعبير سياسية ونقابية يرد الشباب بوسائلهم الخاصة".
 
بانتظام تحفر مجموعات صغيرة، تستعمل نظام التموقع العالمي وتلبس سترات النجدة.. زوارق تبقى مردومة في شواطئ رملية حتى تسمح الظروف بإطلاق الرحلة.
 
بن ساعد يشبه ظاهرة "الحراقة" (من الفعل أحرق، كناية عن الأشياء التي يجازف بها المهاجر ويتركها وراءه) بظاهرة الاختفاء القسري التي شهدت خلال ست سنوات من تسعينيات القرن الماضي اختفاء 6146 جزائريا، أقرت السلطات عام 2005 بمسؤولية قوات الأمن عن اختفائهم.
 
"يمكنك أن تجد وجه مقارنة بين الظاهرتين" يقول بن ساعد، "لكن ظاهرة الحراقة تخص جزءا أكبر من السكان وتتجاوز الانقسامات الاجتماعية والسياسية".

المصدر : الفرنسية