تحذيرات من تأثير قرار توقيف البشير على جهود السلام بدارفور (رويترز)

محمود جمعة-القاهرة
 
حذر سياسيون وأكاديميون مصريون وسودانيون من مغبة تبني المحكمة الجنائية الدولية قرارا بتوقيف الرئيس السوداني عمر حسن البشير معتبرين أن ذلك سيقود إلى وأد جهود إحلال السلام الشامل في السودان.
 
واعتبر خبراء شاركوا في ندوة "السودان والتدخلات الأجنبية" التي نظمتها لجنة التاريخ بالمجلس الأعلى للثقافة في مصر أن المحكمة - في حال إصدارها هذا القرار– ستثبت أنها مسيسة بامتياز.
 
وأكدوا أن ذلك القرار سوف يكون المسمار الأخير في نعش هذه المحكمة التي عول عليها الضعفاء والدول الصغيرة آمالا كبيرة في الحصول على حقوقهم من الدول الاستعمارية.
 
وأكد الدكتور السيد فليفل مقرر الندوة أن المحكمة أضحت أداة طيعة في يد السياسة الأمريكية التي وظفتها لتحقيق أجندتها في المنطقة العربية والقارة الأفريقية ، مدللا على ذلك بأن الإعلان عن طلب المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية لويس مورينو أوكامبو توقيف البشير، جاء أولا من قبل المتحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية.
 
وأضاف فليفل في تصريح للجزيرة نت أن التدخلات الأجنبية ماثلة في السودان منذ بداية أزمة دارفور حيث راحت عشرات الطائرات تحط في الإقليم للتغطية على ما كان يجري على سجن أبو غريب بالعراق آنذاك، وبعدها حصل الرئيس الأميركي السابق جورج بوش على أصوات "الأفروأميركان" في انتخابات  الرئاسة.
 
ولمح الباحث إلى دور إسرائيلي في مشكلة دارفور مشيرا إلى ظهور بعض أقطاب التمرد في الإقليم بإسرائيل، وهو ما يعني أن أطرافا خارجية عديدة تعبث بالأمن الإقليمي، وأن أمن وادي النيل لن يكون مستقرا وثابتا ما دام هنالك تدخل في شؤون السودان.
 
المشاركون بالندوة لمحوا إلى الطابع السياسي للقرار المحتمل للجنائية (الجزيرة نت)
تهديدات أمنية
وأضاف أن هناك برامج أميركية جديدة تتلاقى مع مخططات بابوية طرحت في وقت سابق فكرة انفصال جنوب السودان وتطرح حاليا فكرة استقلال دارفور.
 
ويرصد فليفل تداعيات خطيرة لظهور الثروة النفطية التي تسيل لعاب الكثيرين في ثروات السودان حيث لم تسلم الخرطوم من أطماع أميركية وبريطانية وأوروبية، مطالبا بدور عربي أكبر في التصدي للخطر الماثل في التدخل الأجنبي في السودان.
 
سابقة أولى
وبدورها استبعدت الخبيرة بمركز الدراسات الإستراتيجية بالأهرام أماني الطويل أن تتعاطى الدول العربية إيجابيا مع قرار المحكمة الجنائية نظرا لأنها السابقة الأولى التي تستهدف فيها المحكمة رئيس دولة يوجد على سدة الحكم من ناحية ولأن عدد الدول العربية الأعضاء بالمحكمة لا يتجاوز ثلاث دول من ناحية أخرى.
 
وأكدت الطويل للجزيرة نت أن التدخل الأجنبي في السودان استند إلى أسباب بنيوية متعلقة بضعف تماسك مؤسسة الدولة وضعف الاندماج الوطني والتداخل القبلي وانفتاح الحدود السودانية على تسع دول.
 
وترى الطويل أن هذه الأسباب الداخلية تزامنت مع أطماع دولية إلى الحد الذي جعل الولايات المتحدة تعلن القارة الأفريقية منطقة مصالح أمريكية ثم تكوين قيادة لها بالجيش الأمريكي (أفريكيوم) واعتبار السودان أهم مفاتيح القارة الأفريقية.
 
"
لاحظ البحيري أن ذروة التصعيد بلغت عندما حثت الولايات المتحدة المحكمة الجنائية على إصدار أمر توقيف بحق البشير للضغط عليه لتقديم تنازلات بشأن ملف دارفور
"
دور أميركي
من جهته قدم زكي البحيري الأستاذ الجامعي خبير الشؤون السودانية، ورقة إلى الندوة تحت عنوان أبعاد التدخل الأميركي في دارفور أكد فيها أن الإدارة الأميركية السابقة سعت إلى تصعيد الأزمة في دارفور ودعم حركات التمرد واستصدار قرارات من الكونغرس ومجلس الأمن الدولي.
 
ولاحظ أن ذروة التصعيد بلغت عندما حثت الولايات المتحدة المحكمة الجنائية على إصدار أمر توقيف بحق البشير للضغط عليه لتقديم تنازلات بشأن ملف دارفور وبقية الملفات الاقتصادية الأخرى.
 
أما هاني رسلان رئيس وحدة دراسات السودان وحوض النيل بمركز الدراسات الإستراتيجية بالأهرام، فكشف عن الدور الكبير الذي لعبه الإعلام الدولي وخاصة الغربي تجاه الأزمة في دارفور.
 
وقال رسلان للجزيرة نت إن بيان الاتهام الذي قدمه أوكامبو للمحكمة الجنائية أشار إلى وقوع 35 ألف قتيل في دارفور، في حين كان الإعلام الغربي يذكر أرقاما تصل إلى ثلاثمائة ألف قتيل وهو رقم كان يتم تداوله إعلاميا باعتباره مؤشرا موثقا لفداحة الأزمة ودليلا على وقوع جريمة الإبادة.
 
وأشار رسلان إلى أن ما يسمى "تحالف إنقاذ دارفور" وهو يضم 32 جماعة ضغط أميركية لعب دورا أساسيا في الترويج الإعلامي للأزمة وتضخيمها إعلاميا والدعوة لتدخل دولي مسلح في السودان لإنقاذ "الضحايا".
 
وأضاف أن التحالف جمع عشرات الملايين من الدولارات للتبرعات للإنفاق على الحملات الإعلامية ضد السودان والتي تم تجنيد عدد من ممثلي هوليود وتسيير المظاهرات ضد الحكومة السودانية.
 
ويخلص رسلان إلى أن أيادي المنظمات الصهيونية المرتبطة بإسرائيل –وهي صاحبة نفوذ في الإعلام الغربي– لعبت دورا أساسيا في تصعيد الأزمة.
 
وذكر أن صدور قرار بتوقيف الرئيس السوداني سوف يدفع بالمنطقة إلى حالة من الارتباك الذي لا يخدم جهود الاستقرار في منطقة البحر الأحمر وهو الفناء الخلفي لإسرائيل التي قد تجد في ذلك ذريعة للتدخل تحت غطاء التدخل الدولي لحماية حقوق الإنسان في السودان.

المصدر : الجزيرة