(الجزيرة-أرشيف)


أمين محمد–نواكشوط
 
بدأت أمس في موريتانيا فعاليات "أيام التصالح الوطني" التي تسعى من خلالها السلطات العسكرية الحاكمة إلى طي صفحة ما يعرف بملف الإرث الإنساني الذي يتعلق بمئات من الزنوج الموريتانيين الذين تم إعدامهم في نهاية ثمانينيات القرن الماضي إثر اتهام قيادات زنجية بالتخطيط لقلب نظام الحكم حينها.
 
وأقيمت صلاة الغائب على أرواح هؤلاء الضحايا خلال تجمع جماهيري بمدينة كيهيدي بأقصى الجنوب الشرقي لموريتانيا بحضور رئيس المجلس العسكري الحاكم الجنرال محمد ولد عبد العزيز وعدد من أعضاء حكومته والمسؤولين الموريتانيين والسنغاليين.
 
وعبر ولد عبد العزيز في كلمة له بالمناسبة عن حزنه العميق لفقدان الضحايا الذين خلفوا أيتاما وأرامل داعيا إلى مزيد من الصفح والتسامح.
 
وقال "علينا جميعا أن نعلم أن تاريخ الشعوب ليس إلا لحظات من الألم والحزن والفرح والسعادة المشتركة، وأن نعلم أيضا أن تنوعنا هو ثراء مشترك، وأن علينا أن نفتح صفحة جديدة من التعايش المشترك لا مكان فيها لتلك الممارسات البربرية المتخلفة".
 
ويثير ملف الإرث الإنساني بموريتانيا الكثير من الإشكاليات، كما يعتبر أعقد ملف وأكثره إثارة للجدل والتباين داخل الأوساط السياسية والشعبية بموريتانيا منذ الأحداث العرقية التي عاشتها البلاد في نهاية ثمانينيات القرن الماضي.
 
ولد عبد العزيز دعا إلى مزيد من الصفح والتسامح (الجزيرة نت)
وتعتبر هذه ثاني مرة يسعى فيها نظام موريتاني لتضميد جراح الزنوج، حيث سبق لنظام الرئيس الأسبق معاوية ولد الطايع أن فتح الملف عام 1993، وأصدر البرلمان حينها قانونا بالعفو عن المتهمين بالضلوع في تلك الأحداث، لكن أهالي الضحايا رفضوا ذلك القانون واعتبروا أن لا أحد مخولا بالعفو نيابة عنهم.
 
استغلال
وبدورها رفضت الجبهة المناهضة للانقلاب، وزعيم المعارضة أحمد ولد داداه فتح هذا الملف الحساس في الوقت الحاضر.
 
وعبر ولد داداه في بيان تلقت الجزيرة نت نسخة منه عن خشيته من أن تكون معالجة ملف الإرث الإنساني "في ظل التأزم السياسي والمؤسسي الذي يشهده البلد حاليا، يهدد الملف بأن يضفي عليه طابعا انتهازيا وانتخابيا، من طرف نظام يبحث عن المشروعية السياسية والشرعية الدستورية".
 
عدم أهلية
أما المتحدث باسم الجبهة المناهضة للانقلاب أحمد ولد الوديعة فقال للجزيرة نت إن الجنرال ولد عبد العزيز غير مؤهل لتسوية الملف، ليس بحكم وضعيته القانونية التي وصفها بالخارجة عن الدستور، ولكن أيضا "بحكم أن الجميع يتذكر أنه كان يسوغ انقلابه على الشرعية بأمور منها أن الرئيس الشرعي لم يستشره في قرار إعادة المبعدين الزنوج إلى بلادهم".
 
إقامة صلاة الغائب على الضحايا الزنوج
 (الجزيرة نت)
وشدد على أن حل مشكل ماضي حقوق الإنسان يتطلب تشكيل لجنة وطنية مستقلة تشرف على حوار وطني صريح وجامع يسمح بمعرفة الحقيقة بالنسبة للأمة ويقوم على أسس الصفح وجبر الضرر.
 
ورغم أن منظمات حقوقية أيدت التسوية التي أطلقها أمس النظام العسكري، والتي لم تنشر تفاصيلها بعد، فإن عددا من منظمات حقوق الإنسان خصوصا منها القديمة رفضت التسوية المقترحة والتي بحسب ما علمت الجزيرة نت تركز على التعويض المادي (دفع الديات) وإحصاء الضحايا، وتحديد أماكن دفنهم.
 
قصور
وقالت رئيسة لجنة التضامن مع ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان لالة عيشة للجزيرة نت إن الخطة التي يعتمدها العسكر لتسوية الإرث الإنساني لن يكتب لها النجاح بحكم أنها تركز على جانب واحد هو التعويضات المادية، دون اعتراف بالمسؤوليات، ولا إعلان للحقائق، ولا تقديم اعتذار واضح باسم الدولة الموريتانية عنها.
 
وأضافت أنه حتى في جانب التعويضات المادية فهي غير منصفة ولا عادلة، بحيث تنسحب فقط على العسكريين دون المدنيين، بل إن العسكريين أيضا تم توزيعهم بحسب رتبهم العسكرية، وكما لو أن هناك تفاوتا حتميا في الموت والظلم، فهل طفل الضابط أكثر أهمية من نظيره ابن الجندي.

المصدر : الجزيرة