عبد الحسين شعبان: يمكن للسلطة الفلسطينية محاكمة إسرائيل أمام الجنائية الدولية (الجزيرة نت)

حاوره محمد العلي

جزم المفكر العراقي الخبير في القانون الدولي الدكتور عبد الحسين شعبان في حوار مع الجزيرة نت بإمكانية ملاحقة إسرائيل أمام القضاء الدولي، مشيرا إلى أن الأمر سيستغرق وقتا ويحتاج إلى إرادة سياسية. وفيما يلي النص:


نصح أحد الخبراء ألا يتجه العرب إلى المحكمة الجنائية الدولية لملاحقة القادة الإسرائيليين على ما يمكن أن يوصف بجرائم الحرب الإسرائيلية أو الجرائم ضد الإنسانية أثناء الحملة على قطاع غزة والاتجاه بدلا من ذلك إلى المحاكم الوطنية ببعض الدول الأوروبية الغربية, فهل تؤيد هذا الرأي؟

- هناك أكثر من خيار لملاحقة مرتكبي الجرائم الإسرائيليين بحق الشعب الفلسطيني بشكل عام في غزة وما قبلها .الخيار الأول هو أن يجري الاتجاه إلى مجلس الأمن لإنشاء محكمة خاصة مثلما حصل بيوغسلافيا ورواندا وكمبوديا وسيراليون، رغم أن الأخيرة شكلت لها محكمة مختلطة. لكن هذا الاتجاه تعترضه عقبات سياسية بالدرجة الأولى, خاصة أن بإمكان الولايات المتحدة استخدام حق الفيتو. كل الخيارات أمامها عقبات لكن هذا لا يعني الوقوف عند خيار واحد.

الخيار الثاني على سبيل المثال لنذهب إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة لاتخاذ قرار لإنشاء محكمة فيما لو تعذر إنشاؤها عن طريق مجلس الأمن.

هناك سابقة قانونية على هذا الصعيد عام 1950 حصل اختلاف بشأن إرسال قوات إلى كوريا وعندما تعذر ذلك عبر مجلس الأمن تم الذهاب إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة وصدر القرار رقم 377 تحت عنوان "الاتحاد من أجل السلام".

هذه السابقة يمكن الاستناد إليها ولكن هناك محاذير وعقبات تعترض الذهاب إلى الجميعة العامة. وهنالك احتمال بألا نحصل على أغلبية الأصوات في هذا الهيئة وبالتالي سنخسر القضية وإذا حصلنا على أغلبية في الجمعية العامة للأمم المتحدة، فهنالك محذور ألا يتم تطبيق هذا القرار بضغوط سياسية ومالية من الولايات المتحدة. باعتبار أن من سيمول المحكمة هو الولايات المتحدة التي تمول الأمم المتحدة بدرجة ويمكن للولايات المتحدة ألا تمول هذه المحكمة وبالتالي ستحول دون استكمال قرار ملاحقة إسرائيل وبالتالي تقديم الجناة والمرتكبين إلى القضاء الدولي.

هنالك خيار المحكمة الجنائية الدولية، وهو خيار سالك إذا جاز لي أن أقول لأن هنالك ثلاث دول وقعت على قرار محكمة روما هي الأردن وجيبوتي وجزر القمر. وهناك خمس طرق يمكن بموجبها دولة المرتكب فيها إلى القضاء الدولي لأن المسؤولية فردية. لكن أيضا هنالك عقبات وضغوط قد تحول دون الوصول إلى النتيجة المرجوة بتقديم هؤلاء المرتكبين إلى القضاء.

خيار المحكمة الجنائية الدولية يقتضى أن تنضم الدول العربية وتصدق في حال انضمامها لكي تسهم في إقامة دعاوى ضد المرتكبين الإسرائيليين.

هنالك خيار رابع هو خيار المحاكم الوطنية في دول أوروبا الغربية. في إسبانيا وبلجيكا وبريطانيا ودول الاتحاد الأوروبي عموما. هنالك يمكن العثور على ثغرات يمكن النفاذ منها من قبل مؤسسات المجتمع المدني أو الأفراد أو عائلات الضحايا بإقامة دعاوى حيث تسمح قوانين هذه البلدان بقبول دعاوى إزاء الارتكابات المتعلقة بجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الإبادة الجماعية. وهذه تشمل القتل العمد والتعذيب وسوء معاملة الأسرى بشكل يحط بالكرامة وقتل الرهائن.. إلخ. يمكن إحالة إسرائيل بموجب 22 جريمة ارتكبتها في القانون الدولي وعلى أساس جريمة العدوان وانتهاك السلم والأمن الدوليين.

لكن هناك ضغوطا تمارس على هذه البلدان لتعديل قوانينها مثلما حصل في بلجيكا في الأسبق وحاليا مع إسبانيا بما يؤدي إلى تضييق الهوة وتضييق إمكانية إسرائيل في القضاء الدولي كأفراد ومسؤولين مرتكبين للجرائم. وعندما أقول الأفراد المرتكبون أعني بذلك جميع رؤساء الوزارات الإسرائيلية والقادة العسكريين ممن اتخذوا قرارات بالغزو والعدوان والقتل العمد والتعرض للسكان المدنيين العزل وانتهاك قواعد القانون الدولي الإنساني واتفاقيات جنيف الأربعة للعام 1949 والبروتوكولين الملحقين بهما في العام 1977 الخاصين بحماية الأفراد في المنازعات الدولية المسلحة وغير الدولية.

اللجوء إلى الخيار الرابع يقتضي منا كعرب تعديل قوانيننا, خصوصا قوانين الجزاء, بحيث تقبل دعاوى ضد المرتكبين الإسرائيليين أو المتهمين بارتكاب جرائم دولية إذا ما مروا من الأراضي العربية.

الخيار الخامس هو اللجوء إلى محكمة العدل الدولية. وهذه المحكمة لديها ثلاثة اختصاصات رئيسة: أن تفصل بالنزاعات بين الدول, أن تفسر القوانين وتقديم رأي استشاري ببعض القضايا التي تحال إليها. لكن هذه المحكمة غير جزائية لكنها تحدد المسؤولية المدنية ويمكن للدول العربية والضحايا والمتضررين أن يطلبوا التعويض. التعويض المادي والمعنوي طريق للوصول إلى تحديد العقوبة الجنائية لاحقا لمحاكم أخرى.

لكن هذه عملية طويلة

- كل شيء في هذه العملية لا يمكن أن تجني ثمراته غدا. هذا process عملية طويلة الأمد ولفترة ليست محدودة ربما، عملية مقاضاة مرتكبي الجرائم الإسرائيليين ليست كما يعتقد البعض في سياق حالة الغضب ورد الفعل قابلة للتحقيق غدا. أتذكر أنني أصدرت كتابا منذ ربع قرن بعنوان سيناريو أولي لمحكمة القدس الدولية العليا صنفت فيه الجرائم التي ارتكبتها إسرائيل في لبنان استنادا إلى جرائم أسبق منها, في دير ياسين (1948) وكفر قاسم (1965) وبحر البقر (1970)ومطار بيروت (1969) وضرب المفاعل النووي العراقي (1981) وضرب مقرات منظمة التحرير وكيفت هذه الجرائم وأحلت إسرائيل إلى القضاء الدولي بموجب أربع تهم و25 وثيقة دولية.

الوضع هو هو منذ ربع قرن، لكني رددت في المقدمة ما قاله المسرحي الألماني بريخت في أحد كتبه "إذا كان الحديث عن الشجر يعد جناية فعلينا السكوت عن جرائم كثيرة". وأعدت ما قاله الروائي الروسي عن أحد الثوريين إن نصف عقله كان يعيش في المستقبل. علينا أن نحلم، فهذا الحلم سيتحقق في يوم ما. سيكون المرتكبون الصهاينة في قفص الاتهام ويمثلون أمام القضاء الدولي. فهذه الجرائم لا تسقط ولن تسقط بالتقادم حسب القانون الدولي.

 واضح أن إسرائيل بدأت بأخذ احتياطاتها، فحظرت على العسكريين الإدلاء بأي معلومات يمكن أن تودي بالسياسيين أو العسكريين إلى المحاكم الدولية ورصدت موازنة لهذا الغرض, هل بقي مستقبل للدعوى التي يمكن أن تقدم للمحاكم الوطنية الأوروبية على ضوء هذه الاستعدادات والضغوط على الدول الأوروبية كي تعدل قوانينها؟

- أريد أن أقول لك أكثر من هذا. إن إسرائيل كلفت مكتب محاماة دوليا مشهورا ودفعت له 3ملايين دولار أتعابا بغرض جمع معلومات دقيقة لمعرفة أي القوانين تنطبق على مسؤوليها الذين يمكن أن بدانوا بارتكاب جرائم حرب وحدت من سفر بعضهم. وبدأ بعضهم يتجنب السفر إلى بلدان يمكن أن تطوله فيها يد العدالة أو استدعائه إلى التحقيق بتهمة ارتكاب مثل هذه الجرائم. لا شك أن وراء كل قضية قانونية إشكالية سياسية.

والقانون ليس مجردا هو تعبير عن مصالح وتوازن قوى في ظرف من الظروف. توازن القوى الحالي ووجود لاعب أساسي ومتنفذ في الساحة الدولية كالولايات المتحدة حمى إسرائيل طيلة ستة عقود خاصة بعد انهيار نظام القطبية الثنائية وتحول الصراع الإيديولوجي، جعل هذا اللاعب يتنفذ ويتحكم ويتسيد بالعلاقات الدولية وبالتالي يشكل عنصر حماية لإسرائيل.

من جهة أخرى هناك قوانين في هذه البلدان واحترام لحقوق الإنسان، لكن الأمر يعتمد علينا أيضا، كيف سندير هذه المعركة ليس على الصعيد القانوني وحسب وإنما على الصعيد السياسي والدبلوماسي والإعلامي وأن نستثمر علاقاتنا مع المناصرين للحق العربي في الغرب وللقضية الفلسطينية. كيف سندير هذه المعركة في ظل الانقسام الفلسطيني وفي ظل معسكري "الاعتدال والتطرف". إسرائيل رغم كل شيء موحدة لكن العالم العربي منقسم ومشتت.

وهذا العالم لم يستثمر العطف الدولي بعد الحرب على غزة بالاتجاه الإيجابي. كيف سيتعامل مع البروتوكول الأميركي الإسرائيلي بشأن ما يسمى "بمراقبة تهريب السلاح والحدود". هذه الأمور جزء من حزمة متكاملة كي تخوض المعركة. العالم العربي بحاجة إلى ديمقراطية كي يعبر. بحاجة إلى الحكم الصالح إلى احترام حقوق الإنسان إلى مستلزمات لخوض هذه المعركة.

أنا دعوت في محاضرة بوزارة العدل في قطر إلى تأسيس معهد لجمع الوثائق وتصنيفها. وجمع الأدلة والجهود والأسانيد وكل ما يتعلق بملاحقة مجرمي الحرب الصهاينة. بحاجة إلى توفير المسلتزمات المادية والمعنوية كي يكون هذا المعهد أقرب إلى بيت الخبرة الذي يقدم المشورة القانونية إلى أصحاب القرار فيما لو توفرت إرادة سياسية.

 إسرائيل استطاعت أن تضغط على بلجيكا وأجبرتها على تعديل قانون الاختصاص العالمي لجهة ملاحقة مجرمي الحرب كي تجنب أرييل شارون الأمر والآن الإسبان في طريقهم لفعل ذلك مع إسبانيا ما يجعل اللجوء إلى المحاكم الوطنية الأوروبية يسير باتجاه طريق مسدود فهل ترى الأمر على هذا النحو؟

- أعتقد أنه ستبقى منافذ وثغرات يمكن النفاذ منها في القوانين الوطنية لبلدان أوروبا، ولكن هذه المنافذ ستضيق. الشيء الثاني إذا كانت إسرائيل تمارس مثل هذه الضغوط السياسية فعلى العرب أن يمارسوها أيضا. هذا ما قصدته عندما قلت إننا بحاجة إلى إرادة سياسية لمواصلة قضايا من هذا النوع. الأمر جزء من معركة كبيرة لا تتعلق بإقامة دعوى أو بقبول هذا القانون أو عدم قبوله.

هذه القضية واسعة باتساع العالم وشاسعة بشاسعة الجغرافيا وعميقة بعمق التاريخ أيضا. لذلك يجب ألا نتعامل مع هذه المسألة بصورة موسمية. اليوم جرى عدوان على غزة نهب مرة واحدة ثم نستكين. ولاحظ أن وراء كل عدوان إسرائيلي لم تحصد خلاله نجاحات عسكرية كانت تحصد نجاحات سياسية. لاحظ، خلال العدوان على لبنان صمد حزب الله والشعب اللبناني، العرب ساعدوا لبنان ودعموها رغم اختلاف المواقع. ما الذي حصل (بعد ذلك) حزب الله كان على الحدود فأتى إلى هناك بقوات دولية. حزب الله كان يحظى بدعم لبناني فأصبح طرفا من الأطراف. كان هنالك قرار (دولي) ضد لبنان فأصبح هنالك قراران 1559 و1701 . بعد كل التدمير الذي حصل في لبنان خرجت إسرائيل رابحة سياسيا.

وفي غزة حصلت إسرائيل على البروتوكول الأميركي حول الحدود، وهو أهم من كل الحرب. ماذا حصل؟ غزة صمدت، حماس صمدت، لكن إسرائيل كسبت سياسيا. لا وجود حتى الآن لرد فعل تجاه البروتوكول الأمني الأميركي الإسرائيلي، وهو أخطر من العدوان نفسه.

 بعد مصادقة السلطة الفلسطينية على اتفاقية روما الخاصة بإنشاء المحكمة الجنائية الدولية هل تعتقد أن بمقدرها تقديم دعاوى أمام المحكمة الجنائية الدولية التي أعلن مدعيها العام لويس مورينو أوكامبو أنها لا تملك ولاية قانونية على غزة والضفة؟

- السلطة الفلسطينية هي حكومة الأمر الواقع. إسرائيل من الناحية الفعلية هي دولة محتلة لقطاع غزة وتتحدد مسؤولياتها وفق القانون الدولي الإنساني واتفاقيات جنيف الأربعة والبروتوكولين الملحقين. إسرائيل تدعي أن مسؤولياتها عن قطاع غزة انتهت منذ انسحابها منه عام 2006. وبالتالي هي ليست محتلة للقطاع وأنها قامت بما قامت به دفاعا عن النفس بموجب المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة.

هذه المادة لا تنطبق على إسرائيل لأنها لا وجود لعدوان. وعلى افتراض أنها انطبقت ما الذي يدفع الإسرائيليين لضرب السكان المدنيين خلافا لاتفاقيات جنيف. كما أن حالة الدفاع عن النفس (تجوز) في حالة التحرر الوطني أو ضد دول المحور كما ورد في المادة 7 من ميثاق الأمم المتحدة.

وإسرائيل ليست في حالة تحرر وطني ولا تريد الانعتاق كدولة مستعمرة. بل بالعكس هذا كله ينطبق على الشعب الفلسطيني لجهة حقه في المقاومة وفي الحصول على حريته واستقلاله وتقرير المصير.

من جهة أخرى أن السلطة الفلسطينية هي سلطة الأمر الواقع، وهو يعني أن فلسطين أو قطاع غزة ما زالت تحت الاحتلال الإسرائيلي وبهذا المعنى يمكن مقاضاة إسرائيل كونها خرقت قوانين الحرب وخرقت التزاماتها دولة محتلة وكونها هددت السلم والأمن الدوليين وارتكبت جرائم إبادة وجرائم ضد الإنسانية لأن إسرائيل أعلنت منذ البداية أنها تريد اجتثاث حماس وحماس في عرف إسرائيل هي الشعب الفلسطيني في غزة، أي أنها سعت لإهلاك جماعات بشرية كاملة وهدفها إجلاؤهم من غزة.

ما أريد قوله إن القانون الدولي الإنساني يقاضي إسرائيل وجرمها بشأن العدوان على غزة سواء كانت دولة محتلة -وهي فعلا كذلك- وقامت باختراق قواعد القانون الدولي واتفاقيات جنيف. أو ارتكبت العدوان على حكومة الأمر الواقع أو الكيان الفعلي الذي أقيم تحت عنوان السلطة الفلسطينية.

المصدر : الجزيرة