الطفلان حسن ويحيى حبوش يتذكران باستمرار مشاهد القتل (الجزيرة نت)

ضياء الكحلوت-غزة

استيقظ من نومه فزعاً وأخذ يصرخ بصوت هز أركان المنزل قائلا "لا تقتلني أنا لم أفعل شيئا" وعلى وقع صرخاته استيقظ بقية أفراد الأسرة ليجدوا حسن ملقى على الأرض ويسبح في بحيرة من العرق، فأسرعت إليه والدته واحتضنته، ولكنه لم يتوقف عن ترديد عبارة  "لا تقتلني أنا لم أفعل شيئا".

لم تكن تلك الليلة الأولى التي يستيقظ فيها الطفل حبوش (خسمة أعوام) من نومه بهذه الصورة، فمنذ انتهاء الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة تحول ليل حسن إلى كابوس مرعب يسترجع فيه مشاهد قتل الأطفال التي غصت بها الفضائيات وعاشها على أرض الواقع.

الكوابيس تلاحقهم
قال حسن بعد أن أقنعه والده بالحديث للجزيرة نت "بشوف يهودي حامل سلاح كبير وبدو يقتلني وبحلم أنه نار كبيرة بتلحقني وأنا نايم بأهرب منها بس ما بقدر ".

أحلام ذلك الطفل كان لها الأثر الأكبر على حياته اليومية، فكما يقول والده أكرم (30 عاماً) "طفلي لم يعد يلعب كما كان قبل الحرب، فأجده في بعض الأحيان جالساً ويفكر في شيء ما، كما أنه لم يعد يتناول طعامه بصورة جيدة وفي غالب الأحيان أجده حزينا ومكتئبا ولكني لا أستطيع أن أفعل له شيئا ووضعه النفسي في تدهور مستمر ".

الحيرة التي بدت على معالم وجه أكرم على ما يبدو أنها انتقلت إلى الوالدة أم أحمد (24 عاماً) التي لم تيأس من محاولة الترفيه عن طفلها الصغير، فقالت "أحاول يومياً الترفيه فآخذه إلى بيت والدي ليلعب مع أبناء خاله، وأحضرت له ألعابا جديدة ولم أعد أسمح له بمشاهدة صور القتل التي يعرضها التلفاز ولكن محاولاتي لم تثمر بعد".

لم يكن حسن الطفل الوحيد الذي يعاني من كوابيس الليل، فابن عمه يحيى (5 أعوام) لم تفارقه مشاهد الحرب والقتل والدمار، ولم تكن أحلامه بأفضل من أحلام حسن، فطفولته انتهت باكراً وعلامات الإرهاق بدت جلية على وجهه.

وفي محاولة للهرب من تلك الأحلام، يرفض يحيى النوم وحده ويطلب من والدته أن تنام بجواره طيلة الليل، ولكن محاولاته تبوء دائماً بالفشل ومشاهد الحرب لا تفارقه طوال الليل. فتقول والدته أم مصطفى للجزيرة نت "لا أفارقه طوال الليل وأسمعه وهو يتحدث أثناء نومه عن قتل وقصف ويذكر أسماء أطفال على ما يبدو أنهم زملاء له في روضة الأطفال استشهدوا خلال الحرب".

وأضافت أم مصطفى "في بعض الأحيان يستيقظ من نومه ويركض باتجاه باب المنزل محاولاً الفرار من شيء ما، فأسأله عن السبب فيقول لي: لقد قصف مطبخ المنزل وأريد أن أهرب، فأحاول تهدئته وآخذه إلى المطبخ لأريه أنه لم يقصف".

وليست الكوابيس الليلية حكرا على صغار غزة، فأم أحمد الخليلي (40 عاماً) التي أصيبت خلال الحرب الأخيرة بعد أن قصف منزل جيرانهم، تقول إنها لم تذق طعم النوم رغم انتهاء الحرب.

وأضافت للجزيرة نت "أحلم دائماً أني أهرب من القصف وأن منزلي يهدم وأنا بداخله، فأستيقظ فزعة وأحاول الفرار ولكني أدرك حينها أنه كابوس مزعج".

وأوضحت أم أحمد أنها هي الأخرى تخاف من النوم وحدها فتطلب من ابنتها أن تنام معها في غرفة واحدة، مؤكدة أن كوابيسها لا تفارقها حتى ولو بقيت مستيقظة طوال الليل.

السراج: الطفل في قطاع غزة فقد بعد الحرب الإسرائيلية الشعور بالأمان  
فقدان الطفولة
من جهته قال مدير برنامج غزة للصحة النفسية إن الطفل في قطاع غزة فقد بعد الحرب الإسرائيلية الشعور بالأمان بسبب الغارات والقصف والدمار، وفقد كذلك الشعور بالبهجة والسرور.

وأضاف د. إياد السراج للجزيرة نت "عندما يرى الطفل والده الذي يمثل في نظره القوة والرجولة عاجزاً عن توفير الأمان، فإنه يشعر بحالة من الاغتراب ".

وأضاف أن نصف الأطفال شاهدوا جنود الاحتلال وهم يضربون آباءهم ويهينونهم أمام أعينهم، مشيراً إلى ذلك يؤدي إلى لجوء الأطفال للتنظيمات الفلسطينية لينالوا هوية جديدة قوية تستطيع أن تحميهم.

وذكر السراج أن كثير من الأطفال سيعانون من أزمات نفسية قد تستمر معهم فترة طويلة ومنهم من يصاب بالاكتئاب النفسي وآخرون سيسترجعون ذكريات الحرب بأحلامهم، موضحاً أن أطفال غزة لن يتمكنوا من نسيان الحرب وأن ما يقارب 36% من الأطفال الذكور الذين تتراوح أعمارهم ما بين ثمانية و12 عاما، و17% من الإناث أصبحوا يتمنون الموتَ في عمليات فدائية ضد جيش الاحتلال الإسرائيلي ردا على ما شاهدوه خلال الحرب.

المصدر : الجزيرة