الناس سواسية حول الكعبة لا فرق بين أسود وأبيض ولا جنسية تفوق أخرى

إسماعيل محمد-مكة المكرمة

يعيش المؤمنون أعمارهم وهم يتوجهون نحو الكعبة في نهارهم وليلهم مهما بعدوا عنها، فهي التي اختارها الله تعالى قبلة لهم يعبدونه بالتوجه إليها.

لكن المسلم لا يكتفي بالتوجه إليها بل يرجو زيارتها ورؤيتها وتقبيل حجرها الأسود والتزامها للسؤال والدعاء والرجاء والاستغفار.

حول الكعبة تشاهد الآلاف ممن فاز بالقدوم إليها يخرج مكنونات النفس وأسرار القلب إلى الله تعالى عند جدرانها أو لحظة الطواف بها أو حتى الوقوف والتأمل فيها، فعندها لم يعد للسر مكان ولا للخوف أن يستبد بمن جاءها يرجو العفو واللطف.

عندها ترى الناس سواء لا فرق بين أسود وأبيض ولا جنسية تفوق أخرى، الكل حولها سواسية ولن ينال مرادا من جاءها وفي قلبه كبر أو خيلاء.

تحاول الاقتراب منها مع أمواج الطائفين لعلك تنال شرف لمسها وقد لا تقدر خوفا من مزاحمة العابدين حولها لكن ستشعر بمعان تتوالى في قلبك وروحك.

قد يخطر ببالك وأنت تشاهد شيبا وشبابا ورجالا ونساء كلهم يقصدونها، قول الله تعالى على لسان إبراهيم عليه السلام "فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم" واستجابة الله تعالى له "جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس".

ومن يشرف بزيارتها يلحظ واقعا استجابة الله تعالى لدعاء خليله، وقد سجلت سلطات المنافذ بالسعودية حتى يوم الأربعاء دخول أكثر من مليوني حاج من خارجها قادمين برا وجوا، ولو أن الأمر كان يتم بلا تنظيم لرأينا أضعافا مضاعفة لهذا العدد يهوون بكل ما يملكون تجاه الكعبة الشريفة.

ركن الكعبة الذي فيه الحجر الأسود ويسن بدأ الطواف به بالقول "بسم الله والله أكبر"
البيت العتيق
إذا هو قدر الله تعالى لهذا البيت العتيق الذي سمي كعبة لعلو مكانه وارتفاع شأنه وشرفه ومجده كما ذكرت كتب اللغة. وزاده الله تشريفا بأن جعله صنو البيت المعمور الواقع في السماء السابعة.

أردت أن أسأل بعض من يطوف بها أو من تسمر نظره عليها، فهزني المنظر وأدركت أن الجواب كامن في ذلك الزحام المرحوم والإقبال الذي يدفع الفقراء لأجله قبل الأغنياء فقط لينالوا شرف رؤية كعبة الله.

التقيت بعجوز جزائرية تحج للمرة الثامنة لم تمنعها توالي السنين عليها ولا التحذيرات من مرض إنفلونزا الخنازير الذي رأينا فشله جليا في منع المؤمنين من التوجه إلى بيت الله الذي جعله للناس قبلة وقصدا.

وليستمر قدر الله في رسم مصير هذا البيت فإن بناءها استمر مصونا كما هو حتى ولد خاتم الأنبياء والرسل وهو من نسل إبراهيم عليه السلام، وحينها قررت قريش هدم الكعبة لإعادة بنائها واتفقت على كل التفاصيل إلا من يتشرف بإعادة الحجر الأسود المنزل من الجنة لمكانه.

بعد نقاش اتفقوا على الاحتكام لأول داخل عليهم، وهنا يظهر قدر الله بدخول محمد عليه السلام، فيستبشر الجميع ويسلمونه حل الأمر فيضع الحجر في ردائه لتحمله كل قبيلة من قريش من طرف فينال الجميع شرف إتمام البناء.

هذا البناء الذي لا تزيد مساحته عن 100 م2 يطوف الحجاج والزوار حوله مبتدئين بالركن الأسود حيث يستقر الحجر الأسود ومنه أخذت التسمية، ومن استطاع يستلمه بيده ويقبله وإلا يشير إليه قائلا "بسم الله والله أكبر".

ومن ركن الحجر الأسود يتجه الطائفون نحو الركن العراقي، والجدار بين الحجر والركن العراقي يقع فيه باب الكعبة ويشرع التزام هذا الجدار والالتصاق به بقصد دعاء وسؤال الله تعالى.

أمام هذا الجدار يوجد مقام إبراهيم عليه السلام وعنده تسن صلاة ركعتين خفيفتين.

وبالدوران حول الركن العراقي يظهر جدار الكعبة من جهة حجر إسماعيل عليه السلام، وفي الحجر تشاهد الناس يصلون باعتباره جزءا من بناء الكعبة في عهد إبراهيم عليه السلام أنقصته قريش بسبب نقص الحجارة وتركه النبي محمد عليه السلام على ما فعلوا، ثم ميزت المساحة التي لم تبن بجدار سمي حجر إسماعيل. وفي أعلى الجدار من ناحية الحجر يوجد ميزاب الكعبة المذهب.

يستمر المؤمنون بالطواف ويصلون إلى الركن الشامي ويسمى كذلك الركن المغربي، ومنه يصلون إلى الركن اليماني ولا يسن دعاء مخصوص بين الركنين بل مطلق الدعاء وقراءة القرآن.

ويسن للطائفين استلام الركن اليماني أو الإشارة إليه ومنه يرفعون أصواتهم داعين بقوله تعالى "ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار" حتى يصلوا إلى ركن الحجر الأسود.

هي حركة وطواف لم ينتهيا حول الكعبة الشريفة منذ أن رفع إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام القواعد من البيت، وعبادة أزلية عند أول بيت وضع للناس.

المصدر : الجزيرة