صورة أرشيفية لإحدى المظاهرات المناصرة للزنوج بنواكشوط (الجزيرة نت)

أمين محمد-نواكشوط

أثار قرار حكومة موريتانيا البدء بإعادة الموظفين الزنوج بقطاع التعليم إلى وظائفهم التي طردوا منها قبل عقدين من الزمن، تساؤلات عن جدوى ومصداقية هذا التحرك.
 
جاء القرار ضمن خطة تقول الحكومة إنها ترمي لطي نهائي لما يعرف بملف الإرث الإنساني، في وقت يرى معارضون أن الخطة مجتزأة وليست إلا خطوات لذر الرماد في العيون.
 
تعود القضية إلى نهاية ثمانينيات القرن الماضي حين شهدت موريتانيا أحداثا عرقية قتل خلالها مئات الزنوج، وطرد الآلاف من وظائفهم، وأبعد عشرات الآلاف إلى خارج البلاد.
 
وقالت حكومة موريتانيا في بيان إنها ستعيد التعاقد مع 144 مدرسا زنجيا بمرحلتي التعليم الأساسي والثانوي، ضمن سلسلة خطوات أخرى بدأها الرئيس الحالي بالصلاة على أرواح ضحايا الزنوج وصرف بعض التعويضات المادية لذويهم.
 
انقسام زنجي
ورغم أن القرار أثار ارتياحا لدى شرائح واسعة من الزنوج, فإنه خلف أيضا انقساما بشأن ما يعتبره البعض عدم جدية في طي الملف ومعالجته معالجة حقيقية، والاكتفاء بدلا من ذلك بخطوات "تقسيطية شكلية" أقرب ما تكون إلى الدعائية.
 
وفي هذا السياق رحب سيري كان المتحدث باسم حزب التحالف من أجل العدالة والديمقراطية -وهو الحزب الزنجي الأهم في البلاد- بالخطوة واعتبرها دليلا على جدية النظام الجديد بحل المشكلة العرقية في البلاد، داعيا في الوقت ذاته إلى التعاطي بحذر مع هذه السياسة حتى تصل الأمور منتهاها.
 
ومع ترحيبه بالخطوة فإنه شدد على أن مفعولها لن يكتمل قبل أن تعم بقية الوزارات والقطاعات الحكومية التي طرد منها مئات بل وآلاف الزنوج الأبرياء، مشيرا إلى ثغرة أخرى بحسبه تقلل من شأن العملية وهي أنها تستثني الموظفين المطرودين قبل العام 1989، في حين أن هناك عشرات طردوا من وظائفهم عام 1986 ومن بينهم قيادات في حزبه.
 
فاطمة امباي: الخطوة لن تؤتي ثمارها دون حل شامل (الجزيرة نت)
أين الحقيقة؟

لكن المحامية الزنجية والناشطة الحقوقية والقيادية بمنتدى منظمات حقوق الإنسان المدافعة عن الزنوج فاطمة امباي قالت للجزيرة نت إن مثل هذه الخطوة لن تؤتي ثمارها دون حل شامل.
 
ورغم ترحيبها إنسانيا بإعادة أي موظف عاني الظلم طويلا إلى وظيفته, فإنها سياسيا وحقوقيا ترى أن الملف الإنساني في موريتانيا يشكل كتلة لا يمكن تجزئتها ولا يجوز الفصل بين وحداتها إذا كان المقصود فعلا هو طي الملف.
 
ورأت أن أي معالجة إجمالية لا تمكن دون التحقيق في أسباب ومجريات ملف قتل فيه مئات الأشخاص بدم بارد أمام ذويهم وفي القواعد العسكرية، وفقد فيه المئات، وأرغم الآلاف عن التخلي عن وظائفهم، وهجر عشرات الآلاف من أوطانهم.
 
وقالت إن طلب أهالي الضحايا هو الكشف عن الحقيقة أولا، أي أن الأهالي يريدون وهم محقون معرفة من قتل أبناءهم، ولا يجوز مطالبتهم بالعفو –كما تلح على ذلك السلطات الحالية– قبل معرفة الجناة، إذ لا يمكن العفو عن مجهول.
 
وأشارت إلى أن كل الدول التي عالجت ملفات الإرث الإنساني بدأت بمعرفة الحقائق، كما حدث في المغرب وجنوب أفريقيا، وبعض دول أميركا اللاتينية، وكما يحدث حاليا في توغو.
 
ترحيب متحفظ
أما الأسرة التعليمية فقد بدت منقسمة، حيث تحفظ الأمين العام لنقابة التعليم الثانوي محمدن ولد الرباني في لقاء له مع الجزيرة نت، قائلا إن نقابته لم تتخذ بعد موقفا من القضية "نتيجة لحساسية الموضوع سياسيا، كما أنها أيضا لم تحصل بعد من الجهات المعنية على تفاصيل وحيثيات القرار".
 
وقد رحب رئيس نقابة التعليم الأساسي عبد الله الصالح ولد محمد لقمان بالقرار, لكنه شدد على ضرورة التدقيق بهويات المعنيين حتى يتم التثبت من موريتانيتهم.
 
وقد حاولت الجزيرة نت أخذ رأي وزارة التعليم ومعلوماتها عن خطة الدمج التي ستطبق والاستقصاء حول الأعداد الحقيقية التي تضررت من الفصل، ومتى سيشمل الدمج كل الذين تمت تصفيتهم وظيفيا، لكن الوزارة تمنعت وتذرعت بأنها لا تزال تنتظر التفاصيل من الجهات العليا.

المصدر : الجزيرة