مقابر غزة تغص بالشهداء

"اليوم جئتك يا بني، جئت أسلم عليك، غبت عني وكنت تأتيني وكنت بين إخوانك، والله الحياة ما لها طعم بدونك".. بهذه الكلمات المفعمة بنار الفراق والممزوجة بالدموع كانت والدة الشهيد بهاء أبو زهري تناجي قبر ولدها بعدما زينته بأكاليل الزهور وصوره في مقبرة الشهداء، التي تحولت إلى حديقة مزينة بكافة ألوان الزهور والورود وأصبحت متحفا لصور الشهداء.
لقد غدت المقبرة أيضا ملعبا حزينا لأطفال الشهداء الذين حضنوا قبور آبائهم وأمهاتهم ولعبوا بجوارها، حيث غصت المقبرة بالمئات من ذوي الشهداء وأطفالهم بعد وقف إطلاق النار وإنهاء العدوان على غزة بعد 22 يوما من القتل وسفك الدماء.
لوعة الفراق
استشهد بهاء أبو زهري (17 عاما) في اليوم الأول للعدوان على غزة, وحول قبره تجمع عدد من النساء يذرفن الدموع، وكل منهن تتمتم بحديث غير مفهوم كأنها تناجي أحدا أمامها, إحداهن كانت أم الشهيد بهاء.
 
قالت الأم المكلومة بفراق ولدها وهي تكفكف دموعها "كان لابد أن أقضي هذا اليوم بجوار ولدي, أوانسه وأحدثه وأزيل وحشته وأحدثه".
 
وأضافت أم بهاء "الحق أنني لا أرى سوى كومة من الحجارة ولكني أشعر أنها جزء من ولدي، لأنها تضم تحت ثراها جسد ولدي الطاهر وروحه ترفرف حولها، فأشعر أن ولدي أمامي، فتهدأ قليلا نار الفراق خاصة أن هذه الزيارة الأولى له بعد وقف العدوان".
وعلى بعد أمتار قليلة من قبر أبو زهري، يقع قبر الشهيد معين القن الذي استشهد في اليوم الأول للعدوان أيضا بعد أن كان في طريقه بالقرب من مجمع الدوائر الأمنية الذي قصفته طائرات "أف 16" بمجموعة من الصواريخ.
تجمعت مجموعة من الأطفال تتراوح أعمارهم ما بين 10 و12 عاما حول قبر الشهيد القن يغرسون الزهور في كومة التراب الذي يحدد معالم قبره.
صبية كبار
"
الطفل محمد:
أقلّ شيء يمكن أن نقدمه للشهداء أن نزرع لهم وردة على قبورهم لنؤكد لهم أننا لن ننساهم وسنعيّدهم بدمائنا
"
عن سبب مجيئه إلى المقبرة بدل أن يذهب ليلعب كباقي الأطفال، قال الطفل محمد "أحب أن أزور أبي وكل الشهداء الأطفال الذين كنت ألعب معهم في الشارع"، ثم أضاف بنبرة حزينة "اليوم جميعهم بالمقبرة، فجئت لأزورهم وأقبّل قبرهم.. وأنا إن كنت لن أرى أبي ولكني سأقرأ له الفاتحة وأدعو الله أن يرحمه ويقبله شهيدا".
وقاطعه زميله هيثم بقوله "أقلّ شيء يمكن أن نقدمه للشهداء أن نزرع لهم وردة على قبورهم، لنؤكد لهم أننا لن ننساهم وسنعيّدهم بدمائنا"، وتساءل "متى أستشهد أنا وألحق بهم؟ أريد أن أموت وأنا صغير حتى لا أودّع مزيدا من الشهداء".
ولا يقتصر الأمر على وضع أكاليل الزهور، بل إن بعض الأهالي أخذوا يرشون قبور شهدائهم بالماء، وحول قبر الشهيد قريب عابد -وهو محام استشهد أول أيام العدوان- تجمع أفراد أسرته، فوالدته وخالته وأخته أخذن يسكبن الماء على قبره.
يخيل لك في البداية أنهن يغسلن القبر من التراب، ولكن عندما ترهف السمع تسمع والدته تخاطبه بقولها "اشرب يا ابني، لن أتركك عطشان، سأروي تربتك بالماء لعل الله يلين التربة تحت رأسك".
حزن نبيل
"
الأمر أشد صعوبة لدى أطفال الشهداء الذين ارتبطت عاطفة الأمومة لديهم بالقبر واختلطت عليهم الأمور، فأصبح أحدهم يعتقد أن أمه هي القبر فيحتضنه ويقبله ويتحدث إليه
"
وتقول أم قريب بنبرة حزن بادية "حملت معي الماء عند زيارته لأروي تربته بالماء"، واكتفت بهذه الجملة لتتحدث من جديد مع قبر ولدها "الكل يسلم عليك ويدعو لك بالرحمة، وسيقرأ أخوك لك القرآن"، وفور أن بدأ شقيق الشهيد عابد يقرأ القرآن جلس النسوة ينصتن لتلاوته.
 
وربما الأمر أشد صعوبة لدى أطفال الشهداء الذين ارتبطت عاطفة الأمومة لديهم بالقبر، واختلطت عليهم الأمور فأصبح أحدهم يعتقد أن أمه هي القبر، فيحتضنه ويقبله ويتحدث إليه.
 
فالطفل مجد ابن الشهيدة إيمان أبو عريضة اختلطت ذكريات أمه  بقبرها وأصبح يعتقد أن أمه -التي استشهدت في الخامس من يناير/كانون الثاني 2009 في قصف طائرات "أف 16" لتجمع منازل في مخيم الشابورة وسط رفح- تحوّلت إلى قبر.
 
وجاء مجد برفقة أشقائه السبعة لزيارة والدتهم الشهيدة لذلك أخذوا يلعبون فوق قبرها ويجرون حولها وكأنهم يداعبونها, أما أخته الصغيرة هند (عامان) فقالت ببراءة عندما سألتها عن أمها "ماما في الجنة".

المصدر : قدس برس