حاورها إلياس تملالي
 
كيف تصفين وضع الحرْكى في فرنسا الآن؟

تحسن وضعهم المادي, لكن ما زلنا بحاجة لتعترف فرنسا رسميا بمسؤوليتها في هجرهم وفي المذابح التي تعرضوا لها. هناك ثلاثة خروق، أولها وضع إستراتيجيات تجنيد خلال الحرب خاصة منها التي مست القُصّر, والثانية هجر الحركى بأمر مع نهاية الحرب رغم كل الوعود بحمايتهم, وثالثا وضعهم في معسكرات في فرنسا.
 
كيف تقيمين تعامل الطبقة السياسية الفرنسية مع قضيتهم؟
 
في آخر انتخابات رئاسية تحدث المرشحون الثلاثة عن الحركى. فرانسوا بايرو قال إن هجرانهم قضية دولة, والحزب الاشتراكي قال "إذا وصلنا إلى السلطة سنعترف بهم", وقال نيكولا ساركوزي "إذا انتخبت رئيسا سأعترف بمسؤولية فرنسا في هجرهم وفي المجازر التي تعرضوا لها". باتت المسألة تحظى بالإجماع.
 
تخشون استعمالكم لأغراض انتخابية؟
 
طبعا, لذا لم تعط جمعيتي أية تعليمات حول التصويت. هناك احتمال ألا يفي ساركوزي بوعده, لكنني لا أستطيع أن أحكم على نواياه. سنكون يقظين ونذكره بعهوده.
 
عندما يتحدث ساركوزي عن مُرَحَّلي الجزائر, هل تشعرون بأن قضيتكم وقضية الأقدام السوداء (مستوطني الجزائر) واحدة؟
 
إطلاقا. لقد طلبا مثلا من فرانسوا هولاند من الحزب الاشتراكي ألا يتكفل بملفنا ذات الشخص الذي يتكفل بملف الأقدام السوداء. لم تعامل دولة فرنسا الشريحتين بذات الطريقة. مع نهاية الحرب كان هناك مليون من الأقدام السوداء, وكنا نحن عشر هذا العدد, ولم يوجد أي طلب أو أمر رسمي بعدم ترحيل الأقدام السوداء, لكن كان هناك أمر مكتوب فيما يخص الحركى الذين كانوا يسمون حينها المسلمين. في فرنسا كانت هناك مخططات لبناء سكن للأقدام السوداء, أما الحركى فوضعوا في معسكرات. كان هناك أيضا تمييز في القوانين, فلزمن طويل ظلت قضايا الحركى تدار بالمراسيم والإجراءات, بينما كانت للأقدام السوداء قوانين عوضتهم وحمتهم وقدمت لهم كل أنواع المساعدات.
 
طالما قالت فرنسا إن تقييم الوجود الفرنسي في الجزائر يقع على عاتق المؤرخين. ألا ينسحب ذلك على قضية الحركى؟
 
ذلك شيء مهم جدا, لكن ليس المؤرخون من هجر الحركى, ومن فعل هم السياسيون, وعليهم الاعتراف بذلك. هم من أرسلوا في لحظة معينة أوامر لتركهم. الوثائق التي بحوزتنا قدمها لنا مؤرخون ومختصون في علم الاجتماع. نسند أفعالنا علميا, لكن دور المؤرخ ليس الاعتراف بالهجران, بل تسليط الضوء عليه. الاعتراف يقع رسميا على عاتق الدولة الفرنسية.
 
كيف تفسرين نشوء ظاهرة الحركى؟
 
أضعها في سياق الاستعمار. قد يبدو غريبا أن يجد هؤلاء أنفسهم في صف فرنسا بعد كل مراحل المعاناة التي مروا بها والتي شملت مثلا سلبهم أراضيهم. إنها مسألة حساسة جدا بحيث يمكن استعمالها لأغراض معينة من الطرفين.
 
صعب جدا بعد نصف قرن تحديد ما الذي كان حاسما في مواقف الناس. قد يقول لك البعض إن من اختاروا فرنسا كانوا ببساطة مبهورين بها.
 
لا بد أن هذه الشريحة قد وجدت لكنها هامشية جدا, فعند دراستنا العائلات حالة بحالة لا نجد إعجابا بفرنسا, لكننا لا نجد إعجابا أيضا بالمقاتلين الجزائريين. هناك "هرم ماسلو" قاعدته هي ألا يشعر الإنسان بالجوع والبرد, ويستطيع معالجة أمراضه وأمراض عائلته, وكلما صعدنا تناقص العدد. يجب أن ندرس القضية اجتماعيا لنعرف من هؤلاء، إنهم قرويون. أغلبهم يقع في أسفل الهرم. لم يكن الاستقلال أوليتهم. أولويتهم حماية أنفسهم وتحصيل قوت أولادهم. هذه الهشاشة كانت تجعلهم يقفون في هذا الصف أو ذلك. كانوا بين نارين، نار الجيش الفرنسي نهارا ونار عنف بالغ تمارسه ليلا جبهة التحرير التي كانت تحتاجهم لتستمر في الوجود.
 
لكن إذا كان علينا أن نختار بين معسكرين يمارس كلاهما عنفا شرسا, لم لا نختار ذلك الذي قد يقود إلى الاستقلال؟

بين عنفين نختار على الأقل ذلك الذي يسمح لنا بأن نكون رجالا أحرارا. أوافقك تماما, لكن أعتقد أنه خطأ في جبهة التحرير. كانت تستطيع أن تكون في صف هؤلاء القرويين وكان من شأن ذلك أن يساعد في مواجهة الجيش الفرنسي الذي كان هدفه تحديدا جعل السكان الجزائريين في صفه لأسباب بينها تقديم صورة للرأي العام العالمي يظهر فيها بمظهر من يقاتل أيضا من أجلهم, وأيضا كون الحركى كانوا ذخيرة تستعمل في عين المكان, ففي فرنسا بدأ السخط يتصاعد, فخلال سبع سنوات ونصف شارك مليونا فرنسي في الحرب. أرى أن هناك تحالفا موضوعيا بين الجيش الفرنسي والجبهة. رحلت فرنسا خمس السكان لتستطيع التحكم فيهم, ولا يقدمون المؤونة للجبهة. كان عليها إيجاد إستراتيجيات لتخنق الجبهة. كان عنف الجبهة يستدعي عنف الجيش الفرنسي, وكان سكان كاملون ينضمون إلى هذا الجانب أو ذاك. مع مرور الوقت ازداد العنف.
 
الفترة التي جند فيها أكبر عدد من الحركى هي الفترة التي اتخذت فيها الحرب أشكال حرب أهلية عندما سلم الجنرالات والشرطة مطلق السلطات. لم يكن الحركى معجبين بفرنسا. كانوا لا يتحدثون حتى الفرنسية ولم يروا فرنسا مطلقا. كان لدى بعضهم خوف منها لكن لم يكن إعجابا. فكرة الاستقلال لم تكن واضحة. خلال الحرب كانت هناك عقدة المُستعمَر, لكن وجودها لا يعني أنهم كانوا يؤيدون فكرة الجزائر الفرنسية.
 
ألم يكن عنفا ثوريا قد يبرر التجاوزات؟ أليس ضربا من الترف أن تسمح الجبهة للناس باختيار مواقعهم هكذا؟
 
المؤرخ محمد حربي يسمي هذا سوء إدارة. يسألني تلاميذ المدارس أحيانا "هل كنت ستقومين بنفس الخيار مثل أبيك؟" لكنني أقول لهم "عليكم أن تتخيلوا أن لدي الخيار أولا". وعندما أسألهم "ماذا كنتم ستختارون أنتم؟" يجيبون أوتوماتيكيا "ما كنا لنختار فرنسا". وأقول لهم طبعا لكن هؤلاء الذين وجود أنفسهم في الصف الفرنسي وعدوا بأن يجدوا الحماية مهما حدث, وقيل لهم أنتم فرنسيون, لكن مع نهاية الحرب تذكر الفرنسيون فجأة أنهم مسلمون وتركوهم. منذ أن كانت الحكومة الجزائرية المؤقتة في القاهرة, عرفنا أن جبهة التحرير طلبت ألا يزعج الحركى، لأن أمرهم ترك لما بعد الاستقلال, وكان الجيش الفرنسي يعرف ذلك, ومع ذلك هجر الحركى. أبي وجد نفسه في هذا الصف, وكان يمكن أن يجد نفسه في صف الجبهة أيضا. عمي لأمي, كان في الجبهة, لكن رفيقه خانه, وانضم إلى فرنسا لأنه لم يعد يشعر بالأمان بين إخوانه, وبعد نصف قرن, يقول بما أن رفاق السلاح بلغوا عني, لا يخالجني أي ندم.
 
ماذا يمثل إذا استقلال الجزائر بالنسبة لك؟
 
إنها العدالة, فأنا مناهضة تماما للاستعمار.
 
أي لفظ تطلقينه على الحرب التي قادتها جبهة التحرير؟

حرب استقلال. لو جرت خلال الغزو لكانت بالنسبة لي حرب تحرير, لكن بعد 130 عاما من الاحتلال فإنني اسميها حرب استقلال.
 
هل كان بإمكانكم مغادرة المعسكرات في فرنسا؟
 
لم يكن المعسكر مغلقا, لكن ليغادره المرء كان يحتاج تصريحا, وليحصل عليه كان يحتاج وعدا بتوظيف وشهادة إقامة. كنا مقطوعين عن العالم, كانت هناك الأسلاك الشائكة. لم تكن الظروف سهلة, وكان التنظيم أقرب إلى تنظيم عسكري.
 
كيف كانوا يعاملونكم؟
 
كانت المعاملة سيئة في بعض المعسكرات كـ"بْياس", لكن في "ريفسالت" لم يكن هناك عنف. كان العنف يكمن في وضعنا. فقد كانت تثلج وكنا نعيش في خيم. لم يكن هناك نقص في الطعام, لكن كان هناك البرد, وقبل كل ذلك شعور بأننا لا نعرف أين نحن بالضبط. كنا في فرنسا, لكن لم نكن نرى فرنسا فعلا.
 
هل أحسست أن الندم ساور والدك لدوره في الحرب؟
 
ربما لو لم يُقْتَل جدي في ظروف مرعبة مع نهاية الحرب. كان أبي يحقد على فرنسا لكنه كان يحقد أيضا على الجزائريين لأنهم قتلوا أباه, ومرة أخرى كان بين نارين. لم يكن ليقول لك إنني مدين لفرنسا, لكنه لم يكن يحس نفسه جزائريا أيضا, فقد قتلوا أباه خاصة أن أباه كان يقدم الطعام لمقاتلي الجبهة. إذا قمنا بجرد لأحداث العنف فإن الجميع متورط. ما يجب أن نعرفه فعلا هو ما الذي جعل كل هؤلاء النساء والرجال يقاتلون في الجيش الفرنسي.
 
ربما كانت قصة كل استعمار. هناك دائما أناس يعملون مع الثورة وآخرون ضدها.
 
أرى تبسيطا مخلا جدا, فهناك اللامبالون وهؤلاء يصبحون لعبة بيد التاريخ. وحتى نعود إلى "سلم ماسلو", هم أناس لديهم أولويات. عندما أخذت شهاداتهم لم أطرح عليهم أبدا السؤال التالي "ما الذي جعلك تصبح حرْكيا؟" أو "ما رأيك في الاستعمار؟", لكن أغلبهم رجالا ونساء كانوا يحدثونني عن عنف الاستعمار وعن البؤس وما عانوه. إنهم مدركون لما عانوه, وكونهم وجدوا أنفسهم مع الجيش الفرنسي لا يعني أنهم نسوه.
 
ماذا يعنى بالنسبة لك أن تكتشفي أن أباك كان حرْكيا؟
 
سؤال مهم, فعندما يطرح هكذا نشعر وكأنه كان يقوم بأشياء سرية. كان هناك جيران لنا في جبهة التحرير وكان هناك حركى, لكن الناس حينها كان لديهم النضج أو الذكاء أو التواضع الذي يجعلهم لا يشتمون بعضهم, فمن كان حركيا, كان يمكن أن ينضم إلى الجبهة, ومن كان بالجبهة كان يمكن أن يخيب ظنه أحد قادته وينضم إلى فرنسا. كنت أصغر من أن أطرح السؤال على والدي, لكن لفظ الحركي بات جزءا من الهوية بعدما وصلنا إلى فرنسا.
 
زارني كادر جزائري رفيع يشتغل في فرنسا, وكان يعتقد فعلا أن لفظ الحركي يعني خائنا. لفظ الحركي من كلمة "الحَرَكَة". الدولة الفرنسية رغم كل الأذى الذي ألحقته بالجزائريين عموما وبعائلات الحركى خصوصا لم يصل بها الأمر حد وصفنا بالخونة. لقد جعل مني الاستعمار بعد حرب الجزائر ابنة حركي, وهو شيء أتحمل مسؤوليته تماما. يطرحون علي السؤال في فرنسا "هل أنت فخورة بأن يكون أبوك حركيا؟" وأرد "اسألوني أولا هل أنا فخورة به؟". نعم, فقد رباني في ظروف صعبة جدا, وأقول لهم "لم لا تطرحون السؤال على آبائكم الذين خدموا في الجزائر؟". بالنسبة لي هو وضع معين لا أفخر به ولا أخجل منه.

المصدر : الجزيرة