المواجهة الروسية الجورجية تعيد الحديث عن التعددية القطبية
آخر تحديث: 2008/9/16 الساعة 11:23 (مكة المكرمة) الموافق 1429/9/17 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2008/9/16 الساعة 11:23 (مكة المكرمة) الموافق 1429/9/17 هـ

المواجهة الروسية الجورجية تعيد الحديث عن التعددية القطبية

روسيا تدخلت بحسم عسكري حماية لما تعتبره حدودها القومية (رويترز)
 
جمال العرضاوي-موسكو
 
يصعب النظر إلى أزمة القوقاز من زاوية الصدفة والضرورة، ولا تلغي هذه الصعوبة أهمية هذين المفهومين من حيث توفير فرصة الربط بين الجوانب المحلية والإقليمية والدولية لموضوع القوقاز كما تبدّى أخيرا.

ما كان صدفة بالنسبة إلى روسيا ليلة 8 أغسطس/آب الماضي لم يكن كذلك بالنسبة إلى الرئيس الجورجي ميخائيل ساكاشفيلي، وما كان من رد روسي حاسم كان صدفة للقيادة الجورجية وحلفائها، كما كان ضرورة للكرملين.

"
استمرت روسيا في مراقبة التسلح  الجورجي وتنتظر النهاية المنطقية لهذه العملية، ولكنها مع ذلك تفاجأت بقوة الضربة الأولى وتوقيتها
"
دعم تسلح جورجيا

ظل ساكاشفيلي يتسلح على مدى سنوات، ووفر حلفاؤه السلاح لإحداث الخلل الأخير في ميزان القوى في المنطقة.

وحافظ الغرب على مدى سنوات ما بعد انهيار الاتحاد السوفياتي على وتيرة متسارعة لتوسيع حدوده واقتراب مؤسساته العسكرية من روسيا، فضمت معظم دول المعسكر الشرقي السابق تباعا إلى حلف الناتو (بولونيا ورومانيا وبلغاريا ودول البلطيق وغيرها) وأصبح الهدف اللاحق هو أوكرانيا وجورجيا لما لهما من أهمية إستراتيجية في إتمام عملية حصار الدب الروسي.

ولم يكن اختيار البداية بجورجيا مصادفة، فأوكرانيا دولة يصعب المغامرة بزجها في حرب غير محسوبة العواقب، حيث إن النسيج الاجتماعي (نحو 20% من سكان أوكرانيا روس) والأمزجة الشعبية ليست موالية للغرب خاصة في الشرق الأوكراني وشبه جزيرة القرم، فاختيرت جورجيا الحلقة الأضعف في خاصرة روسيا.

وكانت روسيا تتابع عسكرة جورجيا وتنتظر النهاية المنطقية لهذه العملية، ولكنها مع ذلك تفاجأت بقوة الضربة الأولى وبتوقيتها، وأعلم رئيس الوزراء فلاديمير بوتين الرئيس الأميركي جورج بوش وهما يحضران افتتاح الألعاب الأولمبية في بكين بالخطب، ولكن هذا الأخير اكتفى بالتعليق بأن الحرب أمر غير جيد.

وبعد ذلك لن يحافظ بوتين على دبلوماسيته المعهودة إزاء الرئيس بوش وسيتهم واشنطن بالوقوف وراء ساكاشفيلي بكل صراحة.

"
جاء الرد الروسي من وعي كامل بضرورة الحسم العسكري، لأن الأمور بالنسبة لموسكو لن تقف عند حدود أوسيتيا الجنوبية أو حتى أبخازيا، بل المقصود هو التمكن من شمال القوقاز الروسي وتفتيت الفدرالية الروسية
"
الحسم الروسي

جاء الرد الروسي من وعي كامل بضرورة الحسم العسكري، لأن الأمور كما درستها موسكو لن تقف عند حدود أوسيتيا الجنوبية أو حتى أبخازيا، بل المقصود هو التمكن من شمال القوقاز الروسي وتفتيت الفدرالية الروسية.

وبمجرد أن أتمت القوات الروسية مهمتها الرئيسية تم تجاوز "الحاجز النفسي" ولم تعد موسكو قادرة على التراجع ولا راغبة فيه، وتغيرت الأحداث فلم يعد النزاع بين جورجيا وروسيا بل توضحت معالمه الإقليمية والدولية وكفت تبليسي عن لعب أي دور مهم في الحسابات الروسية، وأصبحت موسكو لا تحاور إلا العواصم الأوروبية مباشرة وواشنطن بشكل غير مباشر.

وأعادت موسكو إلى الأذهان استقلال كوسوفو الذي طالما عارضته، ولكنها استعانت بالأساس الذي قام عليه هذا الاستقلال، وهو الكلام عن إبادة جماعية وتطهير عرقي تعرض لهما الشعب هناك، وأصبح الكلام الروسي عن إبادة جماعية لشعب أوسيتيا الجنوبية الصغير يتردد بانتظام في خطاب الكرملين، وهو ما وجد له تجسيما في الاعتراف لاحقا باستقلال أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا.

هذا الاعتراف الرسمي سيسمح لموسكو منذ الآن بأن تتعامل مع حكومتين شرعيتين من وجهة نظرها، وأن تلبي جميع طلباتهما العسكرية بما يضمن إيقاف العدوان الجورجي ولجم النوايا الدولية الكبرى.

والملاحظ طوال هذه الأزمة أن موسكو حافظت على نفَس تصعيدي وتصاعدي إزاء الغرب أكدت فيه استعدادها لاستعادة مواقعها، وقد بدا هذا واضحا في تصريحات القيادة الروسية بأن الخاسر من قطع علاقات التعاون مع موسكو هو الغرب وحلف الناتو بالذات الذي سيخسر أي دعم روسي في أفغانستان.

وقد جاء تصريح الرئيس ديميتري ميدفيديف أخيرا بأن جورجيا كانت ستلاقي نفس الرد الروسي الحاسم حتى لو كانت قبل عدوانها على أوسيتيا الحنوبية قد التحقت بخطة الانضمام إلى حلف الناتو، ليؤكد أن المحاولات المستمرة لجر تبليسي إلى الحلف لن تجدي نفعا.

هزيمة عسكرية
صدفة 8 أغسطس/آب الماضي التي أريد لها غربيا أن تكون حربا خاطفة متعددة المنافع، من تضييق الحصار على روسيا إلى مزيد من زعزعة الأوضاع الداخلية فيها، إلى تهيئة الأرضية الجورجية ربما لضرب إيران.. هذه الصدفة تحولت بفعل الحسم الروسي الذي لم يكن منتظرا إلى هزيمة عسكرية على الأرض، وعودة روسيا إلى واجهة الأحداث العالمية وفتح الأبواب أمام عودة تعددية قطبية.

أما موسكو فلم تفوت الفرصة لتبين أن الدرع الصاروخي الذي سارعت واشنطن إلى عقد اتفاقيات بشأنها مع وارسو، هي موجهة ضد روسيا وليس ضد أي عدوان وهمي إيراني، وأن خير دليل على ذلك هو توقيت التوقيع عليها.

وتحركت موسكو بسرعة وبدا وكأنها تعيد ترتيب أوراقها وتحالفاتها في إطار منظمة شنغهاي ومنظمة معاهدة الأمن المشترك، والتقى الرئيس الروسي بنظيره الإيراني واستدعي الرئيس السوري إلى سوتشي للقاء ميدفيديف والبحث في أمور التعاون العسكري وطارت القاذفات الإستراتيجية إلى فنزويلا.

العودة الروسية بقوة إلى مسرح الأحداث العالمي تتناسب مع تطلعات كثيرة في العالم، فهناك دول تنادي الآن من أميركا اللاتينية إلى الشرق الأوسط بأهمية استخدام التحرك الروسي في مقاومة القطب الواحد.

والأهم هنا ليس عودة روسيا قطبا فاعلا في السياسة العالمية بقدر ما هو إحداث سابقة في العلاقات الدولية الراهنة، استخدمت فيها دولة القوة العسكرية دون تردد وذلك بما لا يخدم مصالح القطب الواحد. 
المصدر : الجزيرة