نجم ساركوزي لمع في جورجيا بسبب دبلوماسيته الوسطية والنشطة (رويترز)
 
 نور الدين بوزيان-باريس

في الوقت الذي لم يستفق فيه بعد الفرنسيون من الزلزال الذي أحدثه مقتل عشرة من جنودهم في أفغانستان، وبينما بدأت بعض أصوات المعارضة ترتفع لتحمل بطريقة مبطنة الرئيس نيكولا ساركوزي وزر ما جرى، بدا هذا الرئيس وكأنه منشغل في المقام الأول فقط باحتواء النزاع الروسي الجورجي.
 
بيئة ممهدة
وينخرط الرئيس الفرنسي في هذا الصراع مستغلا الشرعية التي منحته إياها رئاسة بلاده للاتحاد الأوروبي لنصف عام وموظفا غياب الولايات المتحدة التي أقصت نفسها بنفسها بتأييدها الواضح لجورجيا ولحساسية رئيس الوزراء فلاديمير بوتين من الولايات المتحدة والذي يقال إنه لن يغفر لها التسبب فيما يسميه بوتين "الكارثة الكبرى" التي حدث في القرن الماضي وهي تفكيك الاتحاد السوفياتي.
 
وبينما بدت الأمم المتحدة ومنظمة الأمن والتعاون الأوروبية مشلولتين، ظهرت الساحة فارغة للرئيس ساركوزي لكي يحتل الواجهة الدبلوماسية والإعلامية.
 
آليات دبلوماسية
"
تميزت الدبلوماسية الفرنسية  بالابتعاد عن المواقف التي سارعت الولايات المتحدة وبلدان من داخل الاتحاد الأوروبي إلى اتخاذها حيال روسيا ووصفها بالمعتدي
"
ولحساسية النزاع اختار الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي من البدء تقمص دور الوسيط بل تقمص دور الحكم.
 
ومن هنا تميزت دوما مواقف فرنسا بالابتعاد عن المواقف التي سارعت الولايات المتحدة وبلدان من داخل الاتحاد الأوروبي إلى اتخاذها حيال روسيا بوصفها بالمعتدي.
 
لكن باريس ظلت ترفض نعت موسكو بالمعتدية وذهبت أحيانا بتصريحات مبطنة وأحيانا أخرى علنية إلى تحميل مسؤولية بدء النزاع إلى جورجيا.
 
فقد صرح وزير الخارجية الفرنسي برنار كوشنر بأن جورجيا لم تتصرف بحكمة بينما كان يردد محيطه الدبلوماسي على مسامع البعض كلاما من نوع أن الرئيس الجورجي ساكاشفيلي ورط نفسه وأوروبا وأنه خرب ودمر كل ما حققه الغرب في 20 عاما لاحتواء دول الاتحاد السوفياتي سابقا.
 
فرنسا تصدت ولا تزال لأصوات الداعين إلى التصعيد مع موسكو برفض عقوبات عليها لحملها على سحب جنودها من جورجيا.
 
إذ يسهر الرئيس ساركوزي شخصيا على تناغم المواقف الفرنسية والحرص على أن لا يغرد أي مسؤول خارج السرب كما حدث مع وزير الخارجية الفرنسي برنار كوشنر.
 
فالرئيس الفرنسي حتى عندما انزلق وزير خارجيته وأطلق عشية القمة الأروربية في بروكسل مطلع سبتمبر/أيلول تصريحا أكد فيه أن هذه القمة ستفرض عقوبات على روسيا، سارع ساركوزي إلى توبيخ وزيره للخارجية بحسب بعض المصادر.
 
وما يشير إلى ذلك أن الرئاسة الفرنسية سارعت إلى إصدار بيان تنفي فيه مسألة العقوبات، في حين قال البعض إن كلام كوشنر عن العقوبات ربما سيكلفه منصبه الوزاري في التغيير الحكومي المرتقب في فرنسا.
 
تناقضات مقصودة
ومع ذلك وقعت فرنسا في تناقضات كثيرة عبر بعض المواقف فهي أحيانا تلوح بالعقوبات وأحيانا أخرى بالاستمرار في سياسة اليد الممدوة لروسيا.
 
التناقض هذا يفسره محيط الرئيس ساركوزي كان على فرنسا بالضرورة الحتمية باعتبارها رئيسا للاتحاد الأوروبي أن تعبر أيضا عن الخط المتشدد داخل الاتحاد الذي تقوده بولندا وبلدان البلطيق وأن تلويحها بالعقوبات في الحقيقة كان الهدف منه ترضية وتهدئة أعداء روسيا الألداء.
 
للمعارضة رأي آخر
"
الرئيس ساركوزي كان حازما في رده على خصومه فقال إنه هو من أوقف المعارك وبأنه بفضل جهوده مكن الاتحاد الأوروبي من تبوء دور فعال في احتواء أحد أخطر النزاعات بعد انتهاء الحرب الباردة
"
لكن ورغم أن الرئيس ساركوزي ساهم في انتزاع هدنة من الرئيس ميدفيديف فإن أحزابا سياسية فرنسية معارضة -وفي محاولة واضحة منها لإفساد صعود ساركوزي في استطلاعات الرأي بسبب ما حققه في موسكو- ذهبت إلى اتهامه بأنه تسرع في التفاوض مع قادة موسكو وأنه فاوض منفردا ولم ينتزع بوضوح من نظيره الروسي التزاما بالانسحاب من أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا.
 
ولكن ساركوزي كان حازما وعنيفا في رده على خصومه، فقال إنه هو من أوقف المعارك وبأنه بفضل جهوده تمكن الاتحاد الأوروبي من تبوء دور فعال في احتواء أحد أخطر النزاعات بعد انتهاء الحرب الباردة.
 
فرنسا تحت رحمة روسيا
وفي هذا السجال المستمر حول الموقف من روسيا، يرى الرئيس ساركوزي ومحيطه والموالون له إعلاميا أن الداعين إلى قطع الجسور مع روسيا إنما يرتكبون خطأ جسيما لا تقدر عواقبه على فرنسا ومصالحها الحيوية.
 
فأصحاب هذا الرأي يتسألون عن الجدوى من الدخول في مواجهة مع العملاق الروسي خاصة أن فرنسا وبلدان الاتحاد الأوروبي لا يملكون وسائل تلك المواجهة كما يتسأل هذا المعسكر من أجل من يجب الدخول في مواجهة؟
 
وبسبب الأزمة القوقازية دب الذعر في نفوس الفرنسيين الذين اكتشفوا أنهم تحت رحمة روسيا التي تزود فرنسا بـ20% من الغاز واكتشفوا أن روسيا ميدفيديف وبوتين عازمة على رد الصاع صاعين كما أدركوا أن فرنسا قوة عظمى لكن من الحجم الذي لا يملك قوة التأثير في مجرى الأحداث.

المصدر : الجزيرة