الطبخ في جرد النجاص مازال يتم على المواقد البدائية (الجزيرة نت)

نقولا طعمة-جرد النجاص

بعيدا من التوترات الأمنية والسياسية المراوحة في مكانها في لبنان، ثمّة مجموعة بشرية تغادر هذا النمط الحديث من الحياة كلّ عام، تتجه إلى أراضيها في "جرد النجاص"، تنعزل عن العالم لتؤمن قوتها السنوي.

لم يبق من الحياة الريفية اللبنانية إلاّ النادر. ربما كان هذا الجرد الواقع على ارتفاع ألف وسبعمائة متر عن سطح البحر في أعالي الضنية آخر معاقل الحياة الريفية التي سبقت وفود الكهرباء وتكنولوجياتها إلى لبنان، ووسائط الاتصال المختلفة بدءا من الطريق مرورا بالإذاعة والتلفزيون، وانتهاء بالهاتف والإنترنت.

يقيم في جرد النجاص نحو أربعمائة عائلة منتشرة في الجبال. وتتمدّد أراضيهم حتى القرنة السوداء، أعلى قمم جبال لبنان، وتاليا أعلى قمة على شرق المتوسط، وعلى جانب منها غابة أرز الربّ الشهيرة. لكن منازلهم تلازم المنحدرات الشمالية والشمالية الشرقية للقمة، ولا تصل إلى الغابة.

أواسط أبريل/نيسان من كلّ عام يغادرون منازلهم الشتوية في بلداتهم، حيث يقيمون نحو ستة أشهر، ويتجّهون إلى الجرد، ويبدؤون إحياء صيغة الحياة الزراعية للأرياف التي كانت سائدة حتى أواسط القرن الماضي. يزرعون وينتجون ويبيعون إنتاجهم ليؤمنوا مصروفهم شتاء حيث يلازمون منازلهم دون عمل.

حجارة لبناء المنازل في جرد النجاص (الجزيرة نت)
حفرناها بأيدينا
ستة أشهر ينعزلون فيها عن العالم بصورة كاملة. يقول علي طالب للجزيرة نت "الطريق ترابية وقد حفرناها بأيدينا لمسافة سبعة كيلومترات حتى أول منازلنا الجردية، وشبكات الكهرباء والهاتف لم تصل، ولا مجال هنا لمتابعة الأخبار والتطورات، ولا للسهرات على البرامج التلفزيونية، والمماحكات السياسيّة المتعبة. المنطقة مهملة، والقيادات السياسيّة ملتهية عن مشاكلنا".

ينتجون وسائط تسلياتهم في الأوقات الضيّقة المتبقيّة لهم ما بعد الانتهاء من الأعمال الزراعية، فيجتمعون مع هبوط الليل على لعب الورق، أو المسامرة أمام المنازل التي بنوها من الحجر، أو الخيم، يمضون أماسيهم بشرب الشاي أو القهوة، ولفّ سجائر الدخان الذي ينتجون.

يقول محمد طالب وهو عضو بلدية بقاعصفرين التي يسكنونها شتاء للجزيرة نت "نحن في العزلة القديمة في إقامتنا الربيعية والصيفية. نخلد إلى النوم مبكرا كسبا للراحة المطلوبة للعمل الشاق في اليوم المقبل".

وتقول أمينة طالب، وهي صبية تعود إلى المنزل مع شقيقها الصغير "هنا لا نخشى حيوانات كاسرة، ولا حشرات سامّة، ربما كان الارتفاع الكبير يسبب برودة لها فلا تستطيع العيش هنا. يشجعنا ذلك على النوم في الخارج طالما كانت البرودة محمولة".

البيوت من حجر صخري أو خيم، يوضح محمد "نعتمد على الحجر لأن المنطقة معرّضة للتجلّد، والملاّح –الجليد- يسبب تشقّق الجدران إذا لم تكن من الصخر القاسي. فالثلوج ترتفع شتاء إلى أربعة أمتار، أي أنها تغطي أسطح المنازل".

هناك يبدؤون باستغلال الأرض، يفلحونها، ويغرسونها بشتى أنواع الخضار والحبوب. يوضح طالب "نمدّ أنابيب من أعالي الجبال، حيث تصمد الثلوج دون ذوبان حتى أواسط آب، فنستفيد من المياه الذائبة المجرورة عبر الأنابيب إلى برك محفورة قرب المنازل، نغطي أرضياتها بشرائح عريضة من البلاستيك تمنع الأرض من امتصاص الماء".

مزروعات القرية المعزولة تضم الخضراوات والإجاص والتفاح والحبوب (الجزيرة نت)
المياه تروي الأرض، وبعض الينابيع تروي العطاش. المنتوج يستقدم إلى باحات المنازل، فتجتمع النسوة والأولاد على فرزها وتوضيبها تحضيرا لإرسالها إلى أسواق الخضار في المدن بواسطة ناقلات كبيرة. أما هم فلا دور لهم في التوصيل خارج المنطقة.

الطبخ والإنارة
وعلى مقربة من كلّ منزل، تنّور لتحضير الخبز، وموقدة حطب تطبخ عليها المأكولات، والإنارة بشمعة أو قنديل زيت أو كاز.

أما أهم الزراعات فهي الخضار على أنواعه، وفاكهة التفاح والاجاص، وبعض الحبوب للاستهلاك المنزلي، ونبتات دخان للملتزمين بالتدخين.

نائب رئيس بلدية بقاعصفرين علي صبرا يقول "نتأمّل بالانتخابات المقبلة لتجلب لنا الزفت والكهرباء عسى تصبح حياتنا أسهل، أما المياه فمن ذوبان الثلوج نجرّها إلى أكثر من ستماية حفرة حفرناها بأيدينا خصصت لتخزين المياه".

ربما كان هناك في المدن من يخالف صبرا الرأي حالما بحياة طبيعية هانئة، وهواء نقي.

المصدر : الجزيرة