باب اليمن أحد بوابات صنعاء الثمانية (الجزيرة نت)
 
ماهر خليل-صنعاء
 
تصنف المنظمة العالمية للتربية والثقافة والعلوم (يونيسكو) مدينة صنعاء القديمة بوصفها إحدى شواهد التراث العالمي. هذا التصنيف كان وليد مقومات وعناصر عديدة جعلت أيضا من هذه التحفة المعمارية مقصدا عالميا لعشاق الحضارة والتاريخ من مختلف أصقاع الأرض.
 
المدينة تحيط بها ثمانية أبواب أشهرها باب اليمن الذي يعد المدخل الرئيسي لها ولأسواقها العتيقة المتقابلة متاجرها في شوارع طويلة ومتشابكة بعضها ببعض حتى تكاد تشعر لدى التجول فيها كما لو كنت دخلت متاهة أسطورية.
 
أبرز ما يميز هذه المدينة طابعها المعماري الفريد الذي يوحي لمشاهده أنه دخل إلى حقبة ساحقة في التاريخ أو هو في ديكور فيلم سينمائي جهز خصيصا لتصوير تلك الحقبة.
 
وتتكون المدينة من شوارع طويلة غير مستوية أقيمت على جنباتها بنايات ذات معمار مميز. وتتكون هذه البنايات من طوابق متعددة قد تصل إلى أكثر من ست مخصصة للسكن، فيما يستغل الجزء الأرضي متاجر.
 
هذه المباني التي يصل عمر أقدمها إلى 800 سنة -وتتوسطها مآذن متفاوتة الطول للمساجد- يطغى عليها لونان لا غير هما الأبيض والبني، إضافة إلى "القمرية المزركشة" التي تعلو الشبابيك فتضفي ألوانا مختلفة عندما تعكس أشعة الشمس داخل الشقق.
 
تراث وحضارة
ليس المعمار فقط الذي يجعلك تتجول مندهشا، بل أيضا من تراهم يتجولون إلى جانبك من سكان المدينة والتجار فيها. باختصار كل ما يحيط بك في هذا المكان من جماد وإنسان هو عبارة عن تراث ثمين جدا ومخزون حضاري ضارب في القدم.
منزل صنعاني تاريخي (الجزيرة نت)
 
ترى من يرتدي اللباس التقليدي اليمني "الزنة" متباهيا بجنبيته الموثوقة وسط حزامه. ترى أيضا النساء المنقبات بالعبايات السوداء وأخريات مرتديات برقعا بألوان مزركشة يغلب عليها اللون الأحمر.
 
يقول أحد التجار مفتخرا إن النبي سام بن نوح هو من بنى هذه المدينة وإنه لا أحد يمكنه إنكار ذلك لأن الدليل موجود وشاهد حي على ذلك. "اذهبوا إلى جبل الجودي (شرق صنعاء) وسترون على قمته بقايا من سفينة نوح"، حسب قوله.
 
ويضيف التاجر أن "كل من ينفي ذلك هو مخطئ تماما"، في إشارة إلى رواية تركية تفيد بأن سفينة نوح موجودة على أراضيها. يذكر أن شكل السفينة موجود فعلا على قمة هذا الجبل ويحكى أن السفينة رست فوق قمته بعد انحسار الطوفان حتى تكون "آية للعالمين" كما جاء في القرآن الكريم (29-15).
 
 كنوز في المتاجر
الشوارع التجارية في المدينة لا تراها مخصصة لنوع معين من الأغراض لأنه يمكنك أن تجد متجرا للجنابي (الخناجر التقليدية) مثلا إلى جانب متجر للمنتجات الفضية أو بيع البهارات أو العطور والأقمشة.
 
أغلب التجار يرحبون بك في متاجرهم ولا يصرون أو يلحون على أن تشتري شيئا من بضائعهم الرخيصة مقارنة بقيمتها الحرفية، بقدر ما يبدي متعة في تبادل أطراف الحديث معك ويجيب على أسئلتك التي لا تنتهي برحابة صدر كبيرة.
 
مختار المعافي أحد العاملين في متجر للفضيات بسوق المدينة يقول مبرزا لنا سيفا تبدو عليه آثار الزمن إن بعض معروضاته تتراوح أسعارها بين 10 آلاف ريال (50 دولارا) و200 ألف ريال (1000 دولار).
 
ويضيف المعافي الذي يمارس هذه التجارة منذ 15 عاما أن الزمن الذي مضى على صنع السلع هو الذي يحدد جودتها وسعرها. ويتابع مشيرا إلى قلادة يعود صنعها إلى 100 سنة خلت أن حرفة الفضيات كانت محتكرة من قبل يهود اليمن.
المعافي يعرض سيفا أثريا (الجزيرة نت)

ويبرر تاجر آخر ممارسة اليهود اليمنيين واحتكارهم لهذه الحرفة بأنها كانت من الصناعات المهمشة التي لا يرضاها علية القوم لأبنائهم.
 
غير أن الإمام أحمد -حسب قول التاجر- قد تفطن لضرورة المحافظة على هذه الصنعة وأمر كل يهودي يريد الرحيل لإسرائيل في أربعينيات القرن الماضي بتعليم 10 يمنيين مقابل السماح له بالهجرة.
 
يذكر أن بعض المباني في المدينة تبدو عليها قلة الصيانة فيما سقط بعضها تماما. كما يضيف باعة متجولون منتشرون عشوائيا شيئا من النشاز على الطابع العام لهذا "الكنز الحضاري المهمل"، حسب تعبير أحد التجار.

المصدر : الجزيرة