غالوي: أشعر بالخجل لدور بريطانيا في المأساة الفلسطينية
آخر تحديث: 2008/5/14 الساعة 23:44 (مكة المكرمة) الموافق 1429/5/10 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2008/5/14 الساعة 23:44 (مكة المكرمة) الموافق 1429/5/10 هـ

غالوي: أشعر بالخجل لدور بريطانيا في المأساة الفلسطينية

غالوي لا يتوقع أن الغالبية الموجودة في إسرائيل تسعى لتحقيق سلام (الجزيرة نت) 

أجرى الحوار/ محمد النجار-عمان
 

قبل فترة قصيرة قلت بمناسبة الذكرى الستين لاحتلال فلسطين إنك تخجل من كونك بريطانياّ لدور بريطانيا في نكبة الفلسطينيين وتشريدهم من أرضهم، هل ما زلت عند مقولتك؟

 

قلت إنني أشعر بالخجل من  دور بريطانيا في المأساة الفلسطينية، التي بدأت عندما أطلق وزير الخارجية البريطاني في ذلك الوقت آرثر بلفور وعده الذي منح فيه أرضا ليست ملكا له بل يملكها شعب هو الشعب الفلسطيني لشعب آخر.

 

هنا بدأت المشكلة التي استمرت مائة عام والمأساة الدموية التي لم تكن فقط للشعب الفلسطيني وإنما أيضا لليهود والشرق الأوسط والعالم، وكل يوم عليّ أن أجلس في مبنى البرلمان البريطاني حيث جلس بلفور ورئيس الوزراء السابق إيدن ورئيس الوزراء السابق توني بلير، هذا مبنى ارتكب فيه الكثير من الجرائم للناس في العالم العربي وكذلك في العديد من بقاع العالم.

 

إذن كيف تقيم مسار القضية الفلسطينية في هذه المرحلة؟ هل تتوقع حلا قريبا للصراع؟

 

لا، لا أتوقع أن يتم التوصل إلى تسوية سياسية للقضية الفلسطينية قريبا، وإن كنت أتمنى أن تسير المناقشات الحالية بين المبعوث المصري رئيس جهاز الاستخبارات المصرية عمر سليمان والحكومة الإسرائيلية بشكل جيد، وآمل أن ينجح في مسعاه للوصول لتهدئة، لكنني لا أعتقد أن الحل السياسي ممكن لعدة أسباب، أولها أن رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت سيكون قريبا في السجن بدلا من منزل رئيس الوزراء، ولن يتم استبداله بشخص أفضل منه، بل على الأرجح بشخص أسوأ منه.

 

الأمر الثاني، حالة الانقسام الفلسطينية التي تضعف موقف المفاوض الفلسطيني، فمنذ منتصف السبعينيات كان للفلسطينيين عنوان ورئاسة واحدة هي منظمة التحرير الفلسطيني ورئيس واحد هو الرئيس الراحل ياسر عرفات، لكن اليوم المعسكر الفلسطيني ممزق لعدة أقسام.

 

لذلك لا أعتقد أن الغالبية الموجودة في إسرائيل تسعى لتحقيق سلام يقوم على العدالة، الإسرائيليون يريدون السلام، لكنهم لا يريدون أن يدفعوا ثمن السلام، المحتلون جميعا يريدون السلام دون أن يدفعوا الثمن، لذلك فهم يريدون أن تستسلم الشعوب المحتلة وليس السلام العادل ومنح الشعوب المحتلة حقوقها.

 

إسرائيل تحتفل هذه الأيام بالذكرى الستين لقيامها وسيحضر عدد من زعماء العالم هذا الاحتفال أبرزهم الرئيس الأميركي، بوصفك سياسيا غربيا كيف تقيم هذا الاحتفاء بقيام دولة على أنقاض مأساة وتشريد شعب آخر؟ 

 

هذا الاحتفال هو بمثابة الرقص على قبور أعداد لا تحصى من الفلسطينيين الذين خسروا حياتهم ومحيت دولتهم من الخارطة، ويعيش الملايين منهم لاجئين مشتتين في مختلف أنحاء العالم.

 

لكن علينا أن ندرك الضعف والانقسام الذي تعاني منه تلك الشخصيات التي ستحضر الاحتفال، فرئيس الوزراء البريطاني غوردون براون في أدنى معدلات شعبيته واليوم شعبيته 26%، والرئيس الأميركي سيغادر منصبه قريبا، وأولمرت قد يدخل السجن، كما أن محمود عباس لا يمثل نصف الفلسطينيين في الداخل.

 

"
غالوي: العرب حاليا في موقف ضعيف ومنقسمون أكثر من أي وقت مضى، ففي الوقت الذي تنشغل به جامعة الدول العربية بحل مشكلة وجود بضع مئات من المسلحين في بيروت، تعجز عن التحرك تجاه وجود مليون مسلح إسرائيلي في الأراضي الفلسطينية منذ ستين عاما

"

ما أريد أن أقوله أيضا هو أن العرب حاليا في موقف ضعيف ومنقسمون أكثر من أي وقت مضى، ففي الوقت الذي تنشغل به جامعة الدول العربية بحل مشكلة وجود بضع مئات من المسلحين في بيروت، تعجز عن التحرك تجاه وجود مليون مسلح إسرائيلي في الأراضي الفلسطينية منذ ستين عاما، وكذلك تعجز عن مواجهة احتلال العراق من قبل قوات أجنبية.

 

إن انشغال جامعة الدول العربية في مناقشة مسألة الاشتباكات في شارع الحمراء في بيروت عن القضايا الجوهرية والمصيرية للأمة العربية يؤشر على صعوبة التوصل إلى أي تسوية عادلة للقضية الفلسطينية.

 

برأيك ما هو الحل المناسب لقضية اللاجئين الفلسطينيين هل هو العودة أم إيجاد تسوية أخرى؟

 

طبعا المطلب القانوني والأخلاقي هو عودة كافة اللاجئين، وأن يسمح لكل لاجئ بالعودة، والبديل الوحيد عن ذلك هو التوصل لاتفاق يقبل به اللاجئون وممثلوهم، لكن الإسرائيليين لا يضعون قضية اللاجئين على أجندة التفاوض، لغاية الآن لا توجد تسوية مطروحة على الطاولة لحل مشكلتهم.

 

هناك من يرى أن هناك تراجعا في أولوية القضية الفلسطينية بالنسبة للدول العربية، وهذا يلاحظ في الاهتمام الأكبر بتمكين الحكومة العراقية رغم أنها تحت الاحتلال، وحل الأزمة اللبنانية، كيف ترى ذلك؟

 

لا أعتقد أن هذه القضايا منفصلة عن بعضها، فكل ما ذكرته يصب في قلب الموضوع، وهو ضعف ومرض النظام السياسي العربي، هذا المرض أضعف العرب بحيث إنهم لم يعودوا قادرين على مناقشة المسألة الأساسية التي تخص عالمهم ألا وهي القضية الفلسطينية.

 

وللأسف هذا هو لب المشكلة، فعلينا أن ندرك أن حل المشكلة الفلسطينية غير موجود في لندن أو بروكسل أو حتى واشنطن، فهو موجود في العالم العربي وهذا ما عليهم إدراكه.

 

العرب يريدون البحث في احتلال حزب الله لشارع الحمراء في بيروت فقط، لأنهم عاجزون عن الحديث عن احتلال إسرائيل لفلسطين والاحتلال الأنجلو أميركي للعراق، لذلك يريدون الحديث عن احتلال كورنيش بيروت بدلا عن القضايا الكبرى.

 

وهنا أود القول إنه لا وجود لحكومة في بيروت، فالحكومة تعرّف بأنها ذلك الجسم القادر على التحكم في رقعة معينة، لكن للأسف فإن حكومة فؤاد السنيورة لا تستطيع بسط سيطرتها على الشارع خارج مجلس الوزراء.

 

المرض في لبنان هو نفسه المرض في النظام العام في بغداد، ذلك النظام الذي لا يستطيع السيطرة على أي جزء من البلاد يمثل تماما ضعف النظام العربي.

 

بالحديث عن لبنان أيضا، الدول الغربية وبعض الدول العربية ترى أن أحداث بيروت الأخيرة هي نتاج مؤامرة إيرانية سورية في ظل التطلعات الإيرانية لتصبح قوة إقليمية تسيطر على المنطقة، كيف تقيم ذلك؟

 

أنا أرى أن هذا الافتراض غير صحيح وخال من الدقة بل هو أقرب للنكتة، فالمؤامرة هي مؤامرة أميركية إسرائيلية للسيطرة على العالم العربي.

فحسن نصر الله هو شخص عربي ومسلم وهذا ما يجب أن يتم أخذه بعين الاعتبار، لكن ما تسعى إليه الولايات المتحدة وإسرائيل الآن هو بث التفرقة بين المسلمين من خلال خلق فتنة بين السنة والشيعة، وهذا هو الفخ الذي يحاك ضد الدول العربية.

 

حسن نصر الله وحزب الله دافعا عن لبنان وسيادته، ومن دونهما كان لبنان سيكون بلدا عربيا آخر محتلا، لكن هناك من يروج أن نصر الله تابع لإيران وسوريا وأنا أعتبر أن ذلك ذر للرماد في عيون الناس لتضليلهم عن رؤية الحقيقة القائمة بأن زعماء الدول العربية يدعمون أميركا والقوى الإمبريالية.

 

أنا أرى أن السيد نصر الله هو نموذج نادر من القادة العرب فهو يصدق حين يقول، وأعتبر أن ما حدث في لبنان هو أن الحكومة اللبنانية أرادت نزع سلاح الحزب دون مشاورات، الأمر الذي دفع بالحزب للدفاع عن نفسه.

 

"
لا أعتقد أن حزب الله يريد السيطرة على لبنان رغم أنه يستطيع ذلك لأنه يدرك طبيعة التركيبة اللبنانية وتنوعها

"

لا أعتقد أن حزب الله يريد السيطرة على لبنان رغم أنه يستطيع ذلك لأنه يدرك طبيعة التركيبة اللبنانية وتنوعها.

 

بالنسبة لإيران أنا أستغرب كلام القادة العرب عن تخوفهم من سيطرة إيران على المنطقة خاصة أنهم هم من سمحوا لإيران بالتدخل في العراق عندما ساعدوا قوات الاحتلال الأنجلو أميركية باحتلال العراق، وسهلوا عملها من خلال السماح لها باستخدام أجوائهم وأراضيهم للهجوم على العراق واحتلاله الذي أدى لمقتل نحو مليون عراقي.

 

ولكن ألا ترى أن ما يحدث في لبنان والعراق سيقود إلى فتنة سنية شيعية خاصة بعد الاشتباكات بين حزب الله وقوى الموالاة التي أخذت بعدا طائفيا واضحا في لبنان؟

 

لا أعتقد أن حزب الله انساق إلى الفتنة، فما قام به كان رد فعل تجاه قرار الحكومة اللبنانية بقطع شبكة اتصالات المقاومة، وأنا أرى أن حزب الله تصرف بمسؤولية.

 

لكن نعم  أنا أشعر بأن هناك مؤامرة أميركية إسرائيلية لخلق فتن في المنطقة وهذا ليس بجديد، فاتفاقية سايكس بيكو كان الهدف منها خلق الانقسام في العالم العربي، فقبل الاتفاقية كانت هناك بلاد الشام والآن قسمت بلاد شام إلى أكثر من دولة، والآن يستمر المخطط الإمبريالي في زرع الفتنة والتقسيم من خلال محاولة خلق فتنة سنية شيعية.

 

وهنا أذكر أن الهدف من احتلال العراق والقضاء على نظام صدام حسين هو القضاء على التعايش الذي كان يعيشه العراق بين كافة الطوائف الدينية والعرقية.

 

أنا لا أقول هنا إن صدام حسين كان شخصا جيدا، بل سيئا، لكن الهدف من الحرب كان القضاء على الأمور الجيدة التي قام بها صدام كخلق الوحدة والتعايش وبناء عراق غني وقوي ومتعلم.

 

بوصفك برلمانيا بريطانياً كيف تقيم الوضع في قطاع غزة والحصار على المتواصل على الشعب الفلسطيني، ما الحل أمام حركة حماس والفلسطينيين لمواجهة الوضع المأساوي في غزة، هل عليهم  الاستمرار في المقاومة أم الوصول إلى تسوية؟

 

المقاومة الفلسطينية ستستمر سواء أعجب العالم ذلك أم لا، ما يحدث في غزة كارثة دولية كما هو الحال في بورما، لكن الفارق أن العالم كله تحرك لمساعدة بورما، في حين يغض البصر عما يحدث في غزة، بل ساهم في تجويع الفلسطينيين الذين يرزحون تحت الحصار والعقوبات الإسرائيلية.

 

فالأمم المتحدة أعلنت أنها لن تكون قادرة على توفير الغذاء للاجئين في غزة رغم أن ذلك مسؤولية قانونية ودولية عليها، غالبية أبناء الشعب الفلسطيني في غزة يعيشون على دولار واحد في اليوم، وفي الغالب هذه الأموال تأتي حوالات من الخارج، والوضع في الضفة الغربية أيضا سيئ، لذلك لا دليل على أن الاستسلام للمطالب الإسرائيلية سيحسن الوضع.

 

الاستسلام للمطالب الإسرائيلية يعني القبول باندثار الدولة الفلسطينية لتصبح مجرد تراث نتطلع عليه عبر الزجاج، كما جرى الحال مع الهنود الحمر وحضاراتهم التي باتت مجرد تاريخ، لكن هذا أمر لن يقبله الفلسطينيون الذين صارعوا للحفاظ على أمتهم وبلادهم نحو 100 عام.

 

"
 
آمل أن يتم التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار والوصول إلى تسوية سياسية 

"

طبعا آمل أن يتم التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار والوصول إلى تسوية سياسية لكن يستحيل تحقيقها لأن الإسرائيليين يصرون على عقد اتفاقية أقل بكثير من الحد الأدنى لمطالب وحقوق الشعب الفلسطيني.

 

إذا كان الرئيس عباس غير حكيم ووقع اتفاقية تقدم أقل من الحد الأدنى لمطالب وحقوق الفلسطينيين فإنها لن تعيش طويلا، خاصة أن الرئيس ياسر عرفات قبل وفاته وضع أسس الحل بالحدود الدنيا التي تتضمن إقامة دولة فلسطينية في الضفة الغربية وغزة متصلة وقابلة للحياة عاصمتها القدس وليست أبوديس وحدود عربية ودولة فلسطينية خالية من المستوطنات والحواجز العسكرية وأن تكون الأرض والهواء والماء ضمن السيادة الفلسطينية معترفا بها ومضمونة من قبل القوى العظمى، وإيجاد حل لمسألة اللاجئين، هذا هو الحد الأدنى الذي يجب أن يدرج في أي تسوية سلمية وهو أقل بكثير من العدالة لكنه الحد الأدنى من العدالة، ولكن الحكومة الإسرائيلية لا تقبل بكل هذا فكيف تتوقع التوصل إلى حل في ظل رفض الحكومة الإسرائيلية الحالية ورفض الحكومات التي تأتي لاحقا.

 

تعلمون أن توني بلير أصبح مبعوثا للجنة الرباعية الدولية للسلام، رغم مواقفه غير المحايدة عندما كان رئيسا لوزراء بريطانيا، كيف تقيمون هذا الاختيار؟

 

أعتقد أنه كان أسوأ قرار اتخذ على مدى التاريخ أن يتم تعيين بلير في هذا المنصب، فبلير غارق في دم العرب بالعراق وفلسطين ولبنان، خاصة بعد رفضه القرار الأممي بوقف إطلاق النار في حرب إسرائيل الأخيرة على لبنان.

 

وأذكر أن بلير سبق أن قال إنه الصديق الأوفى لإسرائيل، وهذه هي المرة الوحيدة التي صدق فيها بلير، فكيف من الممكن أن يكون وسيطا مناسبا لحل الصراع؟.

ومن المعروف أن بلير مشغول حاليا بتسيير أمور أعماله الخاصة من استثمارات وأموال، لذلك فهو غير متفرغ للعمل على إيجاد حل للقضية الفلسطينية.

 

لنذهب للندن، فقد تم انتخاب عمدة جديد معروف بتطرفه وانتمائه للمعسكر المحافظ، بينما خسر كين ليفنغستون، ما هو تحليلكم لخيار الناخب البريطاني، هل يميل نحو التيار المحافظ أم أن المسألة لا تعدو كونها انتخابات على قواعد محلية وخدمية لا أكثر؟

 

بداية يجب ألا نحمل فوز العمدة الجديد أكبر من حجمه، فالعمدة السابق كين ليفنغستون المعروف بمواقفه المساندة للقضايا العربية حصد كذلك أصواتا أكثر من المرة الماضية بكثير ولم يتجاوز الفارق بينه وبين العمدة الجديد 100 ألف صوت.

 

على كل حال هناك عدة أسباب كانت وراء خسارة ليفنغستون، أولها تراجع شعبية حزب العمال الذي ينتمي إليه رغم أنه حصل على أكثر من توقعات شعبية حزب العمال، كذلك صداقته مع الشيخ يوسف القرضاوي وهو شخصية غير محبوبة بين فئات لا بأس بها من البريطانيين وتحديدا الشواذ جنسيا، كما أن علاقة العمدة القديم لم تكن جيدة مع اليهود البريطانيين.

 

لكن علينا أن ندرك أن مجتمع لندن مميز سياسيا ومتنوع عرقيا، فلندن يسكن فيها خليط من الإنجليز والمسلمين والسود والسيخ والهندوس، وهنا أذكر بضرورة أن يكون العمدة قادرا على كسب ود وقلوب جميع الفئات بمن فيهم البيض من الفئة العاملة.

 

ولكن في المحصلة أعتقد أن العمدة الجديد سيسبب -بفضل أفكاره التي تؤيد الحرب، وكونه من مدرسة تاتشر وجورج بوش وتوني بلير، ويدعم إسرائيل والاحتلال، وغيرها من الأفكار- كثيرا من المشاكل التي ستجعل هناك فرصة أكبر لعودة العمدة القديم.

 

 

المصدر : الجزيرة