تشهد تونس جدلا حول الحجاب منذ ثمانينات القرن المنصرم (الجزيرة نت)

خميس بن بريّك-تونس

تجدد الجدل القائم حول الحجاب في تونس بسبب انتقادات أطلقتها الأوساط الإسلامية بعد إصدار السلطات منشورا يمنع ارتداء الحجاب أو القبعات المتميزة من قبل المربين والأطفال المنخرطين في المؤسسات التربوية.

الجزيرة نت رصدت في مدينة نابل (70 كلم جنوب شرق العاصمة) آراء مديري رياض الأطفال والإطارات التربوية، واستطلعت وجهات نظر بعض المربين وردود فعلهم إزاء هذا القرار الذي أصدرته في 23 أبريل/نيسان مديرة إقليم ولاية نابل التابع لوزارة شؤون المرأة والأسرة والطفولة والمسنين، وطالبت مديري رياض الأطفال الالتزام به.

وفي هذا الصدد، أكدت مديرة روضة فضلت عدم الكشف عن اسمها أنها تسلمت نسخة من المنشور عن طريق مراسلة بريدية من قبل فرع وزارة شؤون المرأة. وأبدت استغرابها من مسألة منع الحجاب عن الأطفال بقولها إن "الأطفال صغار السن ليسوا مطالبين في حقيقة الأمر بلبس الخمار، وإنها لم تر أي طفلة مرتدية أي نوع من أغطية الرأس في مؤسستها".

وعبرت المديرة عن "ارتياحها" من عدم وجود أي مربية متحجبة تعمل في روضتها، مشيرة إلى أنها ربما كانت ستواجه إحراجا كبيرا لو كنّ متحجبات، وتساءلت "هل من حقي مثلا أن أفرض على مربية تعمل معي منذ سنوات نزع الحجاب؟ أليس هذا تدخلا في شؤون الآخرين"؟

وقالت المديرة من جهة أخرى، إن منع الحجاب بتونس له أسباب، مضيفة أن المنشور الوزاري الأخير يأتي في إطار تأثير المربية على شخصية الطفل وسلوكياته وحتى على ثقافته في اللباس حسب تعبيرها.

ويشدّد منشور وزارة شؤون المرأة -الذي اطلعت الجزيرة نت على نسخة منه- على اتخاذ الإجراءات اللازمة لمنع ارتداء ما وصفه بـ"اللّباس الطائفي" ووجوب إعلام السلطات في حالة عدم تطبيق ما جاء به المنشور من قبل الإطارات العاملة بالمؤسسات التربوية.

يقول أنصار المنع إن السلطة تعارض التطرف لكنها أشادت نموذجا وسطيا للإسلام (الجزيرة نت)
صون المرأة

من جهة أخرى اعتبرت السيدة س. م وهي مربية أطفال متحجبة أن "منع ارتداء الحجاب يمثل تعسفا يمس حرية اللباس، ويتنافى مع تعاليم الإسلام الذي يدعو إلى صون وعفاف المرأة" وتساءلت "لماذا يمنعونني من ارتداء الحجاب وأنا في عمر تناهز الخمسين سنة"؟

وعبرت عن استغرابها من إصدار هذا المنشور وعن رفضها لما تسميه الأوساط الحكومية "باللباس الطائفي" وطالبت بمراعاة حقوق المرأة في اللباس المحتشم والمحافظة على كرامتها حسب تعبيرها.

وأضافت المربية المتحجبة أن "السلطات في تونس أصبحت متخوفة أكثر مما يجب من عودة الإسلاميين والسلفيين، وأنا لا أوافق على هذه الإجراءات التي تحد من الحريات وتطلق العنان للمضايقات والتحرشات انطلاقا من مثل هذه التبريرات".

من جهة أخرى، نفت المربية أحلام وهي مديرة روضة متحجبة أن تكون قد تلقت المنشور الوزاري، لكنها قالت إنها كثيرا ما تسمع بمثل هذه القرارات، وأكدت أن الحملة على الحجاب في تونس تواصلت بتقطع منذ فترة الثمانينات حتى اليوم لأسباب أمنية، بحجة اتساع دائرة التطرف والإرهاب، حسب قولها.

وأشارت المربية أحلام إلى أنها ستتقيد بكل ما تلزمه الوزارة، لأن ذلك مرتبط بمسألة "الحفاظ على لقمة العيش" لكنها تمسكت بارتداء ما سمته "الفولارة التونسية" وهي نوع من الأغطية يلف على الرقبة في الأساس.

تطالب نسوة بما يسمينه احترام حق المرأة بلباس محتشم يحفظ كرامتها (الفرنسية-أرشيف)
حملة مغالطة

في المقابل، يرى الكاتب والإعلامي التونسي برهان بسيس أن الانتقادات التي تواجهها الحكومة التونسية في مسألة الحجاب "حملة تستهدف المغالطة والتشويه" وتصدر عن "أبواق دعائية للحركات الإسلامية".

وأوضح بسيس أن المنع يطال "الزيّ الطائفي الغريب عن التقاليد التونسية" أمّا غطاء الرأس الذي تعوّد عليه التونسيون في تقاليدهم "فلا أحد يستطيع منعه، والدليل أن الشارع التونسي يعج بالمتدينين". وأضاف أن البلاد أشادت نموذجا وسطيا قدم "صورة لإسلام معتدل ومنفتح يرفض التعصب والتطرف".

وحول ما إذا كانت هناك تجاوزات قانونية ترتبط بفرض منع الحجاب قال الإعلامي التونسي إنه "يقع في بعض الحالات سوء فهم من طرف بعض المشرفين على تطبيق مثل هذه المناشير، ناتجة إمّا عن قصد أو عن جهل، لكن القوانين التونسية تضمن حرية اللباس في نطاق العرف الاجتماعي".

يذكر أن المواقف بشأن الحجاب في تونس تتباين، حيث سبق أن عارضت أطراف سياسية المنشور الوزاري من منطلق الدفاع عن الحريات، بينما اعتبرت جمعيات نسائية ليبرالية ويسارية كجمعية النساء الديمقراطيات المعارضة والاتحاد التونسي للمرأة القريب من الحزب الحاكم، أن منع الحجاب في المؤسسات العمومية يمثل شكلا من أشكال الترويج لقيم الحداثة.

المصدر : الجزيرة