البصرة المنفذ البحري الوحيد للعراق والمصدر الأكبر لثروته النفطية (رويترز-أرشيف)

عرفها العراقيون بأنها مدينة الطرب والكيف، كما كان يحلو لهم تسميتها، كانت مدينة تجمع كل الحضارات والثقافات وتعيش بتسامح وانسجام جعلها مقصدا للعراقيين، بل إن الكثير ممن عاشوا في تلك المدينة أيام الحرب العراقية الإيرانية في ثمانينات القرن الماضي عندما كانوا جنودا مازالوا يمنون القلب بزيارتها.

إنها مدينة البصرة التي تقع أقصى جنوب العراق وتطل على الخليج العربي، وتعد أغنى مدن البلاد بالنفط ومنفذها البحري الوحيد.

وقد اشتهرت المدينة بفرقها الموسيقية الشعبية التي كانت تملأ لياليها بالأنس والسمر، وهي تعتمد بالدرجة الأساس على تلك الآلات الخشبية من دف وغيره في إحياء حفلاتها، فكانت موسيقى "الخشابة" وفرقها تنتشر في عموم المدينة، حتى جاء الغزو الأميركي للعراق ليغير من معالم المدينة الثقافية وتقاليدها المتوارثة منذ أجيال وقرون خلت.

سيطرت المليشيات المسلحة على أغلب مرافق المدينة، فمن جيش المهدي إلى مليشيات ثأر الله إلى مليشيات بقية الله إلى مليشيات طلائع الإسلام وغيرها الكثير، حتى تحولت المدينة إلى واحدة من أكثر مدن العراق عنفا، فاختفت المظاهر التي اشتهرت بها البصرة، وكان من أبرزها اختفاء تلك الفرق الموسيقية الشعبية التي عرفتها المدينة.

"
مواطن بصري: المليشيات تدخلت في كل شيء ومنعت الموسيقى وقتلت عددا من المطربين المعروفين في المدينة، وأغلقت كل مكاتب تلك الفرق الشعبية، حتى باتت المدينة أشبه بمدينة من العصور الغابرة
"

سطوة المليشيات
يقول أبو جمعة البصري، وهو أحد أبناء المدينة إن ما جرى في السنوات التي تلت الغزو حول حياة الناس إلى جحيم.

ويضيف أن المليشيات تدخلت في كل شيء ومنعت الموسيقى وقتلت عددا من المطربين المعروفين في المدينة، وأغلقت كل مكاتب تلك الفرق الشعبية، حتى باتت المدينة أشبه بمدينة من العصور الغابرة، كما أغلقت كل محلات بيع المشروبات الكحولية وهددت أصحاب محلات الحلاقة النسائية بالقتل والتدمير والإحراق، ومنعوا طلبة جامعة البصرة من الاختلاط، وفرضوا الحجاب بالقوة على النساء، كانوا يقتلون المرأة مع ابنها إذا كانت غير محجبة.

لقد شاع في البصرة قتل النساء غير المحجبات، حتى إن قائد الشرطة اللواء جليل خلف أعلن قبل بدء العمليات الأمنية الأخيرة في المدينة أن نحو أربعين امرأة عراقية قتلت بالبصرة في شهر واحد على يد تلك المليشيات.

يقول الطالب أسعد العامري من جامعة البصرة إن المليشيات التي كانت تحكم المدينة أساءت استخدام الدين وأعطت انطباعا سيئا، ويتابع شارحا وجهة نظره "كيف يمكن لمدينة كانت واحدة من أكثر مدن العراق انفتاحا أن تسعى لتكبيلها بالقوانين والنواهي والأوامر الإسلامية بين ليلة وضحاها"؟

وأشار إلى أن ذلك ولد ردة فعل سلبية تجاههم وتجاه الإسلام نفسه، لقد قامت إحدى المليشيات قبل نحو عام ونصف العام بإيقاف حافلة لطلاب من جامعة البصرة كانوا في رحلة ترفيهية، واعتدوا بالضرب على الطلبة والطالبات وهددوهم بأن عقوبتهم ستكون الموت في حال تكرار هذه الرحلات.

اليوم وبعد نحو أسبوع واحد فقط من انتهاء العمليات العسكرية التي شنتها القوات العراقية في المدينة لمطاردة المليشيات، وبعد أن شعر أهالي البصرة بأن تلك المليشيات ربما تعرضت لضربة قاصمة، عادت المدينة إلى سيرتها الأولى.

ولعل من أبرز ما يمكن مشاهدته في البصرة اليوم، أن أعراسها لم تعد أعراسا مكتومة كما كان الحال طيلة أكثر من أربعة أعوام خلت، فلقد عادت الأعراس البصرية راقصة على إيقاع الموسيقى الشعبية، وبدأت الفرق الموسيقية تزين تلك الأعراس، على مرأى ومسمع الجميع، بل وصل الأمر في شارع بشار القريب من الخليج العربي لعودة فتح المحلات المخصصة لبيع المشروبات الكحولية، كما بات ممكنا أكثر من ذي قبل مشاهدة نساء لا يرتدين الخمار أو النقاب، وهن يمشين في شوارع وأزقة المدينة، دون تدخل من المليشيات.

أهالي البصرة وإن كانوا مرتاحين لما حققته "صولة الفرسان" التي نفذتها القوات العراقية ضد المليشيات في المدينة، إلا أنهم مازالوا حذرين من عودة تلك المليشيات. لذلك فلقد طالب الكثير منهم ببقاء القوات العراقية بشكل دائم في شوارع المدينة على الأقل في المرحلة الحالية، وأن تسعى حكومة المالكي إلى تنقية القوات الأمنية في المدينة من العناصر التي تنتمي إلى المليشيات والأحزاب، كما طالب الأهالي بأن تكون المدينة منزوعة السلاح بشكل كامل، وأن تُفتح المدينة بوجه الاستثمارات العالمية لدفع عجلة النمو فيها.

المصدر : قدس برس