محمد البصيري (الجزيرة نت)

حاوره من الكويت: جهاد سعدي

أقر الدكتور محمد البصيري نائب رئيس مجلس الأمة الكويتي بالمسؤولية المشتركة للحكومة والبرلمان عن الأزمة السياسية التي تعيشها الكويت حاليا، وقال إن تشكيل الحكومة بني على أساس المحاصصة السياسية والطائفية. وخلص في حواره مع الجزيرة نت إلى القول إن التشكيل الوزاري جاء هجينا وغير متناسق استجابة لترضيات ومجاملات بعيدة عن أسس الموضوعية والكفاءة والمهنية.

نود أن نبدأ من حالة التأزيم السياسي التي تعيشها الكويت وتسببت بحل مجلس الأمة مرتين على التوالي. ما ردكم على اتهام الحكومة لكم في المجلس بأنكم السبب الرئيسي فيها؟

هذا اتهام غير موضوعي، فالأزمة التي أفضت إلى حل مجلس الأمة حلا دستوريا برأيي يتحمل مسؤوليتها الطرفان الحكومة والمجلس، فالحكومة منذ تشكيلها لم تكن متناسقة أو منسجمة وبعض وزرائها لم يكونوا على مستوى "رجال دولة".

فتشكيل الحكومة للأسف بني على أساس المحاصصة، محاصصة سياسية لترضية بعض التيارات، ومحاصصة اجتماعية لترضية بعض الشرائح المجتمعية والقبلية، ومحاصصة طائفية على ذات المنوال.

لذا جاء التشكيل الوزاري تشكيلا هجينا وغير متناسق استجابة لترضيات ومجاملات بعيدة عن أسس الموضوعية والكفاءة والمهنية، مما عرّض الفريق الحكومي لهزات سياسية عنيفة لم يستطع معها الصمود، فتحولت الحكومة لجهاز يتعاطى ويتحرك وفقا لردود الأفعال فاقدا عنصر المبادرة، لذا شهدنا استقالات واستجوابات وتعديلات متتابعة فضلا عن لجان تحقيق بحق بعض الوزراء.

وماذا عن مسؤولية النواب؟

في جانب مسؤولية النواب أقول إن مجلس انتخابات عام 2006 ولد وسط أزمة سياسية عنيفة حلّ بسببها مجلس 2003 قبل نهاية مدته الدستورية (المدة الدستورية أربع سنوات) على خلفية المطالبة بتقليص الدوائر من 25 إلى خمس دوائر، إضافة إلى أزمة الانسحاب من الجلسات (جلسات مجلس 2003 الذي حلّ عام 2006).

لذا عند إجراء انتخابات 2006 التي جاءت بالمجلس الأخير كانت الأجواء محمومة وساخنة وفيها تقريع وشعارات انتخابية صارخة تجاه الحكومة، تمخض عنها فوز المعارضين للحكومة مما أشعرهم بنشوة الانتصار ووجود نوع من "الفوقية السياسية" رأوا معها وجوب أن ترضخ الحكومة لمطالبهم، وكان عددهم كبيرا نحو 29 أو 33 نائبا تقريبا من أصل 50 عضوا مما يعني الغالبية، وهذا دفعهم لزيادة زخم معارضتهم ومناوشتهم للحكومة مما تسبب في إفقادها عنصر الاندفاع والمبادرة فتراجعت أمام سيل المعارضة لتحتل موقع المدافع والمتلقي للضربات بصورة شبه دائمة.

"
المجلس الأخير قدم سبعة استجوابات كانت أقرب للأسف للحظوظ الشخصية والتقاطع المصلحي بين الكتل البرلمانية، ولم تكن موضوعية ترتكز على مضمون يخدم الصالح العام
"
استجوابات مغرضة

لكن كثيرا من المراقبين علق على سيل الاستجوابات النيابية الأخيرة بأنها كانت لأغراض شخصية ودعائية بل زاد البعض بالقول إن أغلبها كان "عروضا فلكلورية" وليس للصالح العام ومصلحة البلد؟

حتى أقترب من الحقيقة الموضوعية أقول إن المجلس الأخير قدم سبعة استجوابات، برأيي الشخصي جميعها باستثناء اثنين فقط كانت أقرب للأسف للحظوظ الشخصية والتقاطع المصلحي بين الكتل البرلمانية، ولم تكن موضوعية ترتكز على مضمون يخدم الصالح العام.

لذا اتفق أن هذا الشكل من الاستجوابات أحدث حالة من التأزيم السياسي، حتى إنها أوصلت الحوار الداخلي (داخل البرلمان) إلى مستوى غير مسبوق من الدونية المرفوضة والتي أعطت انطباعا سلبيا لدى المواطن عن سلوكيات بعض النواب.

إذا تحدثنا عما يسمى "ملفات الفساد"، أين تقف الحقيقة برأيكم في هذا الإطار إلى جانب النواب الذين يتحدثون عن أدلة؟ أم إلى جانب الحكومة التي تعتبرها نوعا من "اغتيال الشخصية" دون برهان ودليل ولأغراض انتخابية؟

الفترة الماضية تميزت برفع شعار حماية المال العام، فحملات النواب الانتخابية تحدثت عنه بقوة، والحكومة بدورها رفعت شعار الشفافية والضرب على يد المهدرين لهذا المال، فكل فريق قدم نفسه في هذا الإطار على أنه "حامي الحمى"، فالنواب يتهمون الحكومة والأخيرة تدافع عن نفسها بالتأكيد إنها تراقب وتتابع وتلاحق من تثبت بحقه أية شبهة فساد.

الفساد المالي

في ذات السياق كان لك سؤال بارز تداولته جميع الصحف تقريبا بشأن المال العام في دورة المجلس الأخيرة، ما طبيعة وماهية هذا السؤال؟ وهل كان متعلقا بتهمة فساد محددة؟ وما الأدلة التي قدمتها؟

سؤالي كان بشأن طبيعة الإجراءات الحكومية لحماية المال العام في جميع الوزارات، وهل ثبت وجود تجاوزات في مؤسسات الدولة؟ وإذا ثبت التجاوز ماذا فعلت الحكومة تجاه المتهمين؟

وأضيف هنا أن العديد من الاستجوابات البرلمانية بنيت على هذا الأساس، أساس التهم بإهدار المال العام، حيث شكلت لجان تحقيق وصل عددها إلى زهاء عشرين لجنة للتحقيق في قضايا مختلفة.

وماذا عن نتائج التحقيق؟

غالبيتها أنهت أعمالها ورفعت تقاريرها لديوان المحاسبة وبعضها أخذ طريقه للنيابة العامة والقضاء، ونحن كسلطة تشريعية تتوقف حدود سلطتنا عند تسلم القضاء نتائج هذه التحقيقات وهو بعد ذلك المسؤول عن النتائج أيا كانت.

تنظيم الاجتماعات العامة

أصدرت الحكومة مؤخرا وبعد حلّ البرلمان مرسوما بقانون لتنظيم الاجتماعات العامة أثار جدلا ورفضا بين أوساط النخبة، بوصفكم نائب رئيس مجلس أمة سابقا كيف تنظرون للتوقيت والمبدأ والأهداف؟

كان هناك قانون في السابق شبيه بهذا المرسوم قدمته الحكومة أثار جدلا كبيرا مما دفع صوب تحويله للمحكمة الدستورية التي قضت ببطلانه، فألغي وقتها (قبل عامين)، ومنذ ذلك الحين والكويت تعيش بدون قانون ينظم الاجتماعات العامة. وشخصيا أرى من حيث المبدأ أن وجود قانون أمر لا يختلف عليه اثنان وهو ضروري لتنظيم المسألة ووضع حدود وضوابط لها.

لكن بخصوص التوقيت أقرأ فيه شخصيا "شبهة"، فهو جاء في ظل غياب للبرلمان، ووسط حملة وموسم انتخابي تشكل "الاجتماعات العامة" العمود الفقري فيه. لذا التوقيت سلبي وفي غير محله ولا يمكن اعتباره "مرسوم ضرورة"، وهذا المرسوم شكل للبعض مادة دعائية خصبة، فضلا عن توقعي أنه سيكون باكورة عمل ونقاش وهجوم النواب عليه في أولى جلسات انعقاد المجلس القادم الذي أتوقع أن يرد.

وهنا آمل أن يقدم المجلس الجديد قانونا عصريا للاجتماعات العامة ينظم المسألة ولا يقيدها يخدم المواطن وحريته ولا يقيدها كما فعلت ولا تزال دول عديدة بحجة تنظيم التجمعات العامة.

لكن ألا يشكل رفضكم هذا "بوصفكم برلمانيا" نوعا من أنواع التدخل في شؤون السلطة التنفيذية خصوصا أن الدستور منح الحكومة حق إصدار مثل هذه المراسيم وقت غياب المجلس؟

نعم أنا أقر بأن هذا حق منحه الدستور للحكومة، لكن رفضي جاء ليس على المادة الدستورية "بوصفها مادة"، بل اعتراضي على التوقيت فهو يثير الشبهة ويحد من حرية المرشح ومؤيديه، وكان الأحرى بالحكومة أن تتقدم به والمجلس منعقد، أو تنتظر لحين انعقاد المجلس الجديد الذي أتوقع أن يسقطه.

"
قانون الخمس دوائر ليس قانونا ملائكيا، فهو نعم لم ينه كل السلبيات، لكنه بحقٍّ حجّم وألغى وحاصر كثيرا منها
"
الدوائر الخمس

ما ردك على من يتهم مجلس الأمة بتكريس مفاهيم الطائفية والقبلية بإقراره قانون الدوائر الخمس الذي عارضته الحكومة وستجري الانتخابات القادمة بموجبه لأول مرة؟

أحب بداية أن أوضح مسألة، مجلس 2003 هو من بدأ حملة تعديل الدوائر من 25 إلى خمس دوائر بناء على سلبيات كبرى صاحبت نظام الدوائر الـ25، ومنها الطائفية والقبلية وشراء الأصوات وغيرها الكثير من السلبيات، لذا هذه التهم مردودة موضوعيا.

وأوضح أنه كانت هناك ثلاثة مقترحات للتعديل، الأول تقليص الدوائر من 25 إلى عشر دوائر، أو تقليصها إلى خمس، أو تقليصها لتصبح الكويت كلها دائرة انتخابية واحدة.

وصراحة كنت شخصيا مع خيار الدوائر العشر، لكن الزخم النيابي وقتها دفع صوب الدوائر الخمس نظرا لوجود شبهة دستورية في مقترح الدائرة الواحدة.

ومهما تحدث البعض عن اتهامات للمجلس والنواب، أقول بموضوعية إن قانون الدوائر الخمس ليس قانونا ملائكيا، فهو نعم لم ينه كل السلبيات، لكنه بحق حجّم وألغى وحاصر كثيرا منها.

وأشير هنا إلى أن نظام الدوائر الـ25 كان يكرس بدوره أنواعا عدة من الطائفية والقبلية، لذا شخصيا أرى الحل هو نظام الدائرة الواحدة فهو الكفيل بالقضاء على مجمل المشكلات والسلبيات بنسة مرتفعة وكبيرة.

وأعتقد أن المستقبل سيحمل توجهات نيابية قوية صوب اعتماد قانون الدائرة الواحدة بعد الدخول في حوار وطني بين مختلف التيارات والجهات، فهو الوحيد القادر -برأيي- على إذابة الفواصل والفوارق الطبقية والاجتماعية والطائفية والقبلية بل وسيقضي على ظاهرة "المال السياسي" المستعمل في شراء الأصوات إلى حد كبير.

دور الأحزاب

ما رأيك بمن يقول إن الحل الجذري لحالة التأزيم السياسي بين البرلمان والحكومة يكمن بإقرار قانون للأحزاب تخوض على أساسه الكتل الانتخابات ليشكل بعد ذلك حزب الأغلبية الحكومة أو يدعمها على الأقل؟

نحن في الكويت شئنا أم أبينا نعيش حالة حزبية لكن دون مسميات أحزاب، فالتكتلات والتيارات موجودة ولها أفكارها وبرامجها وطروحاتها، بالتالي لا ينقص هذه الصورة إلا إشهار المسمى ورسم الشعار وتعليق اللافتة.

"
هناك تخوف رسمي من بروز أحزاب ذات ارتباط خارجي وأجندة غير وطنية
"
وما الذي يمنع ذلك إذن؟

هناك تخوف رسمي من بروز أحزاب ذات ارتباط خارجي وأجندة غير وطنية.

وهل هذا مبرر لحجب الحياة الحزبية برمتها عن الجميع؟

بصراحة تخوف الحكومة يجده البعض مبررا، وهو ليس فقط موجود لدى الجهات الرسمية بل هناك تخوف أيضا يتحدث عنه الشارع.

كيف نفسر تقبلكم لوجهة النظر الرسمية وأنتم من الذين وقعوا على مشروع قانون للأحزاب تقدمت به الحركة الدستورية الإسلامية؟

أنا أوضحت أنني أتفهم دوافع الحكومة في الخشية من الارتباط الخارجي فقط وهذا الكل يرفضه طبعا، لكني لست مع رفضها لمبدأ القانون من حيث المبدأ.

وهل هذا السبب هو فقط ما يمنع الحكومة من تقبل القانون بحسب قراءتك؟

أعتقد أن التجربة الحزبية العربية المريرة عززت من تخوف الحكومة من تكرار التجربة، لكننا قلنا عن ذلك إن الأصل أن يكون القياس على التجارب الناجحة وليس الشاذة وغير السوية.

ثم إن الأصل أن توزن القضايا على ميزان الأفكار وليس على ميزان التجارب، فالفكرة سامية في مضمونها لكن قد يعتري بعض المجربين لها ظروف وعقبات تعطي انطباعا سلبيا عنها، لذا الفكرة والمبدأ برأيي هي الأصل في الدراسة وليس تجارب الآخرين، فلكل دولة ظروفها الخاصة بها.

إذن كأنكم تقولون إن حالة التأزيم بين السلطتين ستعود مجددا في المستقبل ما لم يقر قانون للأحزاب وتشكل على أساسه أو تسند به الحكومات؟

أظن ذلك بقوة لأن ظروف حلّ مجلس 2003 هي ذاتها تقريبا من حيث المبدأ ظروف حل مجلس 2006، مع تمنياتي طبعا أن يحصل التوافق والتواؤم التام بين السلطتين خدمة للدولة ولكي يتفرغ الطرفان لهموم الوطن ومصالح العباد والبلاد.

الكوتا النسائية

"
لا أتصور شخصيا ووفق تصوري لطبيعة الشعب الكويتي أن يأتي يوم تقيم فيه الكويت علاقات تطبيعية رسمية مع الكيان الصهيوني
"
هل نتوقع من مجلس الأمة القادم إقرار كوتا نسوية لتمكين المرأة من دخول البرلمان؟

الكوتا مخالفة للدستور والديمقراطية والعدالة بين المواطنين، ومبدأ تخصيص مقاعد للفئات سواء أكانت نسوية أو عمالية أو طائفية أو غيرها سيجلب تفتيتا للمجتمع، وسيخلف مشاكل ويكرس فجوات كبرى.

والمرأة الكويتية تستطيع دخول المعترك الانتخابي تماما مثل الرجل وعليها أن تجتهد وتقدم نفسها وبرامجها للجمهور ليحكم عليها كما يحكم على الرجل، وهنا معيار الكفاءة والرضا المجتمعي يصبحان المحرك لبلوغ المقعد البرلماني، فإن توافرت هذه الشروط فالباب مفتوح.

التطبيع

أخيرا أين تقف الحياة البرلمانية الكويتية من قبول أو رفض التطبيع المستقبلي مع إسرائيل؟

مجلس الأمة الكويتي معروف عنه أنه شديد التصلب تجاه الكيان الصهيوني والتطبيع معه، ومن قراءة لمواقف النواب الكويتيين هناك معارضة صارمة وشديدة لأية تعاملات أو حتى أفكار تطبيعية تعرض هنا أو هناك.

ولا أتصور شخصيا ووفق تصوري لطبيعة الشعب الكويتي أن يأتي يوم تقيم فيه الكويت علاقات تطبيعية رسمية مع الكيان الصهيوني.

المصدر : الجزيرة