محمد عبد العاطي
 
هي حرب لكن ليست بالطائرات أو الدبابات، وضحاياها ليست المنازل المهدمة أو الأجساد الممزقة، إنها حرب القلوب والعقول، والسلاح الأمضى فيها هو الإعلام وقذائفه الكلمة والصورة.
 
فكيف انطبق ذلك على ما تابعه الملايين عبر الفضائيات لوقائع العدوان الذي جرى على غزة طوال الأسبوع الماضي ولا تزال فصوله تتابع حتى الآن؟
 
الإعلام الإسرائيلي
تخلى الإعلام الإسرائيلي عن ما كان يردده من مفاهيم الليبرالية وحرية الرأي وما يتبعها من حيادية وموضوعية وتخندق خلف أجهزة الدعم والتوجيه المعنوي في الجيش، وقدم إعلاما غلبت عليه فنون الدعاية وألاعيب الحرب النفسية كما يقول الباحث الفلسطيني المتخصص في الشؤون الإسرائيلية أنطوان شلحت.
 
وللبرهنة على هذا الحكم يسوق شلحت للجزيرة نت أدلة متعددة، منها ما قامت به وسائل الإعلام الإسرائيلية من تمهيد للرأي العام الإسرائيلي والعالمي قبيل العدوان على غزة والإيعاز بأن حدثا جللا ما سيحدث في الفترة القادمة ردا على ما تزعمه من تهديدات لصواريخ القسام.
 
وبعد اندلاع العمليات العسكرية غيب هذا الإعلام الصوت الآخر وأخفى صور من قتلتهم تلك العمليات من المدنيين والنساء والأطفال كما أخفى صور المناطق التي طالها القصف إلى حد بعيد وكأنهم -والوصف لشلحت- وقعوا نتيجة لهزة أرضية وليس لعدوان عسكري.
 
ويلاحظ الباحث الفلسطيني أن الإعلاميين الإسرائيليين باتوا في حرج لأنه استحال عليهم إخفاء الحقيقة بسبب الوجود النشط لقناة الجزيرة ولموقعها الإلكتروني وغيرهما من القنوات والمواقع العربية الجادة في قلب الحدث.
 
الإعلام العربي
أما الإعلام العربي فكان للمفكر الفلسطيني عزمي بشارة وجهة نظر في تناوله لوقائع العدوان على غزة، حيث فرق بشارة في اتصاله مع الجزيرة نت بين الإعلام الرسمي العربي وغير الرسمي.
 
فالأول كما قيَّمه بشارة تعامل في الأيام الأولى للعدوان على غزة وفق الأجندة الرسمية لدوله التي تُصنف في محور الاعتدال العربي، فأهمل الحدث وتجنب تفصيلاته ولم يعطه الأولوية في صدارة النشرات الإخبارية ونظر إليه على أنه حدث "عادي" اعتاد الشعب الفلسطيني مثله.
 
أما الإعلام غير الرسمي -والكلام لا يزال لبشارة- فإنه على الرغم من حرفيته وصدق نيته كما هو الشأن مع قناة الجزيرة "انجر" تحت ثقل الضغط الإنساني لفظائع المشهد إلى التركيز على البكاء والعويل والحصار والتجويع ورفع الصوت بالاستغاثة مما حوّل المسألة إلى "قضية إنسانية فقط"، وابتعد بها عن كونها قضية سياسية تسعى لتحرير الأرض واستعادة المقدسات والتخلص من الاحتلال.
 
وخطورة ذلك من وجهة نظر بشارة تكمن في الإقناع بمعادلة طرفها الأول وقف المقاومة وإطلاق الصواريخ لأن تكلفتها عالية ومردودها السياسي ضعيف كما يروج لذلك الرئيس الفلسطيني محمود عباس مقابل -وهذا هو الطرف الثاني من المعادلة- وقف العمليات العسكرية وتخفيف المعاناة الإنسانية.
 
ويلفت المفكر الفلسطيني النظر إلى "شَرَك" تنصبه إسرائيل للإعلام العربي المحترف الحسن النية، الذي يردد بترحاب ما تروجه بعض وسائل الإعلام الإسرائيلية من فكرة التفاوض مع حماس في غزة مقابل وقف الصواريخ، موضحا أن ذلك من شأنه تثبيت وضع غزة في مخيلة الرأي العام العربي على أنها كيان مستقل عن الضفة مما يعمق الشرخ الفلسطيني.

المصدر : الجزيرة