حافظ أتباع الطريقة الصوفية الحسونية على إحياء الاحتفال منذ عدة قرون (الجزيرة نت)
 
الحسن سرات-سلا
 
يترقب المغاربة عموما، وأصحاب الطرق الصوفية على وجه الخصوص عيد المولد النبوي الشريف كل عام لإقامة مواسم ثقافية ودينية يعود عمرها إلى قرون خلت بعدة مدن مغربية.

ففي منطقة مدّاغ القريبة من مدينة وجدة كبرى مدن شرق البلاد، يوجد مقر أكبر طريقة صوفية حاليا بالمغرب، الطريقة البودشيشية التي يتزعمها الشيخ حمزة، والتي تمرد عليها الشيخ عبد السلام ياسين فأنشأ جماعة العدل والإحسان.

وبلغ زوار هذه السنة حوالي 120 ألف زائر من داخل المغرب وخارجه بحسب ما ذكرت مصادر الزاوية البودشيشية. أما في مدينة مكناس فيتجمع أتباع الولي الهادي بنعيسى في موسم كبير يشهد ازدحاما لا نظير له. لكن مدينة سلا المجاورة للعاصمة الرباط تنفرد بموكب الشموع من دون المدن المغربية.

موكب الشموع
ويمتد الاحتفال بموسم الشموع هذه السنة بدءا من 22 فبراير/شباط إلى نهاية مارس/آذار عبر أنشطة مختلفة تعقد في أماكن ومؤسسات بالمدينة تتوج بموكب الشموع يوم 11 ربيع الأول بعد صلاة العصر.

وشاركت في موكب الشموع لهذه السنة جوقات صوفية وعصرية ومؤسسات للصناعة التقليدية في سلا، ووفود تمثل الزوايا الموجودة بالمدينة يترأسها وفد الشرفاء الحسونيين الذين أسس جدهم "مولاي عبد الله بنحسون" موسم الشموع. 
وتشير المعطيات التاريخية إلى أن الاحتفال بموكب الشموع اتخذ طابعه الرسمي في عهد الدولة السعدية بالمغرب التي حكمت البلاد منذ منتصف القرن السادس عشر وحتى منتصف القرن السابع عشر.
 
ولا تزال الدولة العلوية الحالية التي حكمت منذ العام 1666حريصة على تبني الموسم ورعايته، إذ يترأس الاحتفال والي مدينة سلا رفقة وفد كبير من الشخصيات المدنية والعسكرية.

وتجري الوقفة الرئيسية للموكب أمام باب المريسة الشهير بسلا، ويرقص حملة الشموع رقصتهم ويرفع الشرفاء أكف الدعاء للسلطان المغربي بالنصر والتمكين له وللأمة الإسلامية.

ولم ينقطع هذا الموسم سوى أيام الاستعمار بعد قيام فرنسا بنفي الملك المغربي آنذاك محمد الخامس إلى مدغشقر عام 1953. وحاول الاحتلال إرغام الشرفاء على تنظيم الحفل، وعندما اكتملت الترتيبات حينها ودعيت الصحافة، تسلل بعض الفدائيين إلى مكان الشموع فأحرق كل شيء ونسف الحفل.

أسبوع الشموع
السلطات ترعى احتفالات الطريقة الحسونية بحضور الولاة والممثلين الرسميين (الجزيرة نت)

وتختلف شموع المولد عن الشموع العادية المستعملة في الإنارة، إذ صنعت هياكلها من خشب سميك مكسو بورق أبيض ناصع ومزوق بأزهار الشمع ذات الألوان الجميلة المتنوعة بشكل هندسي وفقا للفن الإسلامي البديع.

وأفاد عضو الزاوية عبد المجيد الحسوني في حديث مع الجزيرة نت بأنه يتم الاحتفاظ بالشموع طيلة سنة في ضريح عبد الله حسون، وتسحب قبل شهر من ذكرى المولد ثم ترسل إلى منزل صانع الشموع لتطريزها وزخرفتها. وتختص بهذا الفن في سلا عائلة بلكبير وعائلة شقرون.

ويفتتح الاحتفال بعد صلاة العصر من يوم 11 ربيع الأول فيجتمع الموكب في السوق الكبير قرب صانع الشموع ويكون في مقدمته الشرفاء وأتباع الزاوية الحسونية ثم "الطبجية"  -وهم الموكلون بحمل الشموع- بزيهم التقليدي تصحبهم جوقات الموسيقى وأنغام الطبول.

ويتوجه الموكب مارا من أهم شوارع المدينة إلى ساحة باب المريسة. ثم يعود إلى دار الشرفاء لإقامة حفلات تدوم أسبوعا كاملا. كما تلقى قصائد في مدح النبي صلى الله عليه وسلم يصنفها الفنانون وفق موضوعاتها وألحانها إلى "مرسول" و"مداحي" و"جمهور" و"لخلوق" و"إدريسيات" و"حسونيات".

ويختتم الموسم في اليوم السابع بحفل ختان للأطفال اليتامى وأبناء الفقراء يقام بدار الشرفاء، كما تقام "الصبوحي" وتتضمن قراءة لقصيدتي البردة والهمزية للإمام البوصيري. ويتوج كل ذلك بحفلة "القصعة" التقليدية، وفي المساء الأخير تشارك طوائف "عيساوة" و"حمادشة" و"الغازيين" بأذكارها وأورادها.

المصدر : الجزيرة