الباحث والمؤرخ الفلسطيني د. سلمان أبو ستة

حاوره: محمد أعماري-الجزيرة نت

اعتبر المؤرخ والباحث الفلسطيني سلمان أبو ستة أن النكبة التي تعرض لها الفلسطينيون على يد إسرائيل ليست حادثة مرور وقعت عام 1948 وانتهت، مؤكدا أنها ما زالت مستمرة إلى اليوم.

وقال أبو ستة في مقابلة مع الجزيرة نت إن إسرائيل سعت وما زالت تسعى لطمس التاريخ الفلسطيني، وتمارس الإبادة والعنصرية بحق الفلسطينيين.

وأوضح الباحث الفلسطيني أن قضية اللاجئين وحق العودة صلب الصراع اليوم مع الإسرائيليين، داعيا إلى فتح الجبهة القانونية في المعركة مع إسرائيل عبر متابعة زعمائها أمام المحاكم الدولية بتهم جرائم حرب وجرائم العنصرية.تاليا نص الحوار:

أمضيتم نحو عشرين عاما في إعداد أطلس فلسطين.. انطلاقا من هذا العمل ما حجم التغيير الذي وجدتم أنه لحق بالتاريخ والجغرافيا الفلسطينييْن بعد نكبة 1948؟

أهداف الصهيونية ثلاثة، أولها اقتلاع الناس من أرضهم والثاني الاستيلاء على أراضيهم وممتلكاتهم، والثالث الذي لا يذكر كثيرا هو محو تاريخهم وذكراهم ومحو آثارهم من هذه الأرض المقدسة.

ولذلك بعدما انتهى توقيع اتفاقية الهدنة مع سوريا يوم 20 يوليو/ تموز 1949، أمر رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك بن غوريون في نفس الأسبوع بتكوين لجنة من مسّاحين ومؤرخين وعلماء توراة كي يمسحوا كل اسم في فلسطين -عربيا كان أو إسلاميا أو كنعانيا أو غير ذلك- ويغيروه بأسماء عبرية.

وقد حاولوا كثيرا كي يخترعوا تسميات عبرية لكنهم لم ينجحوا في أكثر من 5% منها، لأن التاريخ بقي في قلوب الفلسطينيين رغم أن الجغرافيا نزعت منهم وتشردوا في البلاد. لذلك عندما يتحدث الفلسطيني إلى أبنائه أو أحفاده فإنه ينقل إليهم بالتفصيل اسم بلدته ومكانها وتفاصيل دروبها ومسالكها.

وهذا التاريخ كاد يصبح مطموسا لو لم نسرع إلى إنقاذه، وقد اشتغلنا أكثر من 20 عاما كي نحفظ إلى الأبد إن شاء الله هذا التراث العظيم الذي يؤرخ لنحو 1300 مدينة و10 آلاف معلم تاريخي وحضاري وديني، إضافة إلى نحو 40 ألف اسم سجلناها وحفظناها من الاندثار.

إسرائيل دمرت أكثر من 400 قرية تدميرا كاملا، والسبب أنهم لا يريدون أن يعود الناس إلى ديارهم، ويريدون أن يضعفوا عزيمتهم على ذلك، وبنوا أيضا على هذه الأراضي كيبوتزات وموشاف، وإلى اليوم نجد أن معظم أراضي اللاجئين ما تزال خالية إلا من سكان الموشاف والكيبوتزات الذين لا يزيد عددهم عن 1.5% من مجموع اليهود.

"
اليوم نجد أن معظم أراضي اللاجئين ما تزال خالية إلا من سكان الموشاف والكيبوتزات الذين لا يزيد عددهم عن 1.5% من مجموع اليهود.
"
أما باقي أرض فلسطين التي سلبت عام 1948 فهي تستعمل رصيدا إستراتيجيا، وهذا هو الغالب في أكثر من نصفها، والنصف الآخر يستغله الجيش في بناء معسكرات ومطارات ومراكز تدريب وغير ذلك.

لكننا بفضل الله أولا وبفضل الأبحاث التي أنجزناها نستطيع أن نسترجع ونعرف كل دونم في فلسطين كيف كان ونعرف كيف هو اليوم ومن يعيش عليه وماذا يعملون فيه.

 

 تحدثتم الآن عن حفظ الأسماء والأماكن، أي حفظ الجغرافيا، ماذا عن التاريخ؟ وما أهم التغييرات التي وجدتم أن إسرائيل أدخلتها على تاريخ فلسطين؟

 أول هذه التغييرات أنها محت أي ذكر للوجود العربي في فلسطين، ولذلك عندما تقرأ كتاب التاريخ الذي يعلّمونه في مدارسهم، تجدهم يتحدثون عن حقب تاريخية معينة مثل ما يعرف بثورة اليهود، ثم يتحدثون قليلا عن حقبة البيزنطيين ثم عن الصليبيين ثم يمرون إلى مرحلة ما يسمونه دولة إسرائيل، وكأنه لم يكن هناك فلسطينيون عرب، وإذا ذكروا حكاما مثل الخلافة الأموية والعباسية والأتراك والمماليك فإنهم يذكرونهم حكاما للأرض وليس أهلا للبلاد.

وهذا الطمس يستمر إلى اليوم، ولذلك فالشباب منهم عندما يتنورون في الخارج -ونحن قابلنا بعضهم- يندهشون عندما يسمعون أن فلسطين كان فيها ناس وكان لهم تاريخ. هم غيروا في التاريخ، ولكن هذا من المقدور عليه لأننا نعلم تاريخنا جيدا، وإذا كان من حقائق يظنون أنهم طمسوها فهم قد طمسوها في مخيلتهم فقط.

 هل ترون أن على أوروبا وبريطانيا خصوصا مسؤولية تاريخية وأخلاقية عن تدمير فلسطين؟

 دور بريطانيا في قضية فلسطين دور بشع ومناف للأخلاق والقانون ومناف أيضا للسياسة الحكيمة، لأنه جرّ ويلاتٍ وحروبا على المنطقة منذ عام 1917، وشعبنا الفلسطيني شُنت عليه حرب لمدة 90 عاما، وهي أطول حرب شنت على شعب. وبريطانيا عليها مسؤوليات كثيرة أولها أنها أصدرت وعدا ليس له أساس وينافي ما وعدت به الدول الأوروبية من منح الاستقلال لفلسطين، إضافة إلى تطبيق سياسة على فلسطين تحت الغطاء البريطاني أدت إلى ظهور إسرائيل.

وبريطانيا أظهرت إسرائيل إلى الوجود بين عامي 1920 و1925، ففي هذه الفترة سن الاحتلال البريطاني قوانين الاستيلاء على الأراضي واعتمد اللغة العبرية لغة رسمية في الأراضي الفلسطينية، واعتمد نظام التعليم اليهودي نظاما مستقلا وسن لليهود قانونا مستقلا للبنوك، إضافة إلى إجراءات أخرى أهمها أنه سمح لهم بتكوين جيش "الهاغانا" وكلفه بحراسة المستعمرات وأخضع أفراده للتدريب ومكنهم من السلاح. فكيف يمكن أن يعطى ناس مهاجرون ولاجئون إلى بلد ما يريدون ويعطوا الفرصة ليكون لديهم سلاح وتدريب منفصل عن باقي الغالبية من السكان أهل الأرض؟

"
بريطانيا أظهرت إسرائيل إلى الوجود بين عامي 1920 و1925، ففي هذه الفترة سن الاحتلال البريطاني قوانين الاستيلاء على الأراضي واعتمد اللغة العبرية لغة رسمية في الأراضي الفلسطينية، واعتمد نظام التعليم اليهودي نظاما مستقلا وسن لليهود قانونا مستقلا للبنوك.
"
بالإضافة إلى ذلك فإن النكبة الأولى حصلت بين عامي 1930 و1936 لأن بريطانيا في هذه الفترة دمرت بالطائرات والدبابات المجتمع الفلسطيني ومارست عقابا جماعيا، وقتلت مئات بل آلافا من الشباب الذين كانوا يقاومون ويتظاهرون ضد الغزو الصهيوني، ومزقت وشردت جميع زعمائهم بأن طردتهم من البلاد ومنعت جميع الأحزاب السياسية واعتبرتها غير قانونية وغير شرعية، وكل من كان يحمل سكينا كان الاحتلال يحكم عليه بالسجن المؤبد، والذي كان يحمل مسدسا كان يحكم عليه بالإعدام.

وما أن حلت الحرب العالمية الثانية حتى علم اليهود أن فلسطين جاهزة للانقضاض عليها، ولذلك بعد نهاية الحرب بدأت الصهيونية تحارب من أطعمها وكساها وساعدها، وكي تتفرغ للفلسطينيين بدأت بضرب البريطانيين، فذبحت جنودا إنجليزا وعلقت آخرين على الأشجار و المشانق ونسفت فندق الملك داود وخطفت القضاة الإنجليز من محاكمهم، وسموا كل هذا حرب تحرير من الإنجليز.

ما قولكم في أن ما وقفتم عليه في أطلس فلسطين من طمس لمعالمها ما زالت إسرائيل مستمرة فيه إلى اليوم؟

 نعم هذا صحيح، ونحن دائما نقول ونكرر أن النكبة ليست فقط ما حدث عام 1948، وليست حادثة مرور وقعت وانتهى الأمر، بل إنها ما زالت مستمرة، ومن لم ير نكبة 1948 فما عليه إلا أن يزور منطقة بئر السبع اليوم ليرى كيف يحرق الصهانية بيوت الفلسطينيين ويهدمونها ويهجرونهم ويطردونهم من ديارهم، رغم أنهم نظريا مواطنون في إسرائيل. إضافة إلى أن الاستيلاء على الأراضي في الجليل بقوانين مغرضة ما زال يحدث كل يوم، وحدث ولا حرج عما يفعلونه الآن في الضفة الغربية التي توجد في وضع قانوني عجيب الشأن، فلا هي محتلة ولا هي مستقلة.

الجدار العازل أيضا من أكبر مظاهر طمس الهوية الجغرافية لفلسطين، أليس كذلك؟

طبعا، ورغم أن الاحتلال يتذرع بأنه وضعه لمنع المقاومين من الوصول إلى عمق فلسطين المحتلة، فإن من يتتبع الجدار يجد أنه يضم كمية كبيرة من الأراضي للإسرائيليين. وهناك نقطة أخرى لا تذكر كثيرا، وهي أنه إذا تتبعنا مجرى الجدار في الجهة الغربية نجد أنه يضم إلى الإسرائيليين الحوض المائي الكبير في الضفة الغربية، فهم يريدون أن ينزعوا مياه الضفة الغربية التي سرقوا 95% منها عام 1948 وبقي لهذه المنطقة 5% فقط.

هل ترون أن موضوع اللاجئين وحق العودة ما زال ضاغطا بالشكل الذي كان عليه من قبل؟

 اللاجئون اليوم صلب موضوع الصراع مع العدو الصهيوني ولا نقاش في ذلك، وكل ما يقال خلاف هذا سواء الحديث عن الدولة أو الحدود أو المياه ليس له معنى إلا إذا طبق حق العودة. وتطبيق هذا الحق يلغي هذه الأمور كلها، فما قيمة الحدود وما قيمة المياه إذا رجع كل إنسان إلى بيته.

واللاجئون غاضبون جدا منذ اتفاق أوسلو الذي وقعه المفاوضون الفلسطينيون مع إسرائيل عام 1993، لأنه أغفل القانون الدولي وأهدر حق اللاجئين في العودة. وقد تكونت منذ ذلك العام مجموعات من اللاجئين وتزايدت إلى أن صارت قوة لا يستهان بها، ولدينا مئات اللجان في كثير من البلدان، وأنشأنا في العاصمة البريطانية لندن عام 2003 مؤتمرا للاجئين ومؤتمرا آخر لبعض الشخصيات في بيروت عام 2006.

"
اللاجئون غاضبون جدا منذ اتفاق أوسلو الذي وقعه المفاوضون الفلسطينيون مع إسرائيل عام 1993، لأنه أغفل القانون الدولي وأهدر حق اللاجئين في العودة.
"
وإذا كنا نريد المحافظة على حق العودة فإنه لابد لنا من إطار قانوني يحفظ هذا الحق، ولكن لأنه منذ العام 1988 لم يكن هناك اختيار وانتخاب سليم لأعضاء المجلس الوطني الفلسطيني، فنحن نطالب بتجديد هذا الانتخاب لأنه لا يجوز أن يبقى الشعب بدون تمثيل والقدامى جالسون على الكراسي منذ نحو ربع قرن.

كما نطالب بانتخاب مجلس وطني جديد يرفع صوت الفلسطينيين كلهم خصوصا اللاجئين، الذين يشكلون 70% من الفلسطينيين ولم يشتركوا في انتخاب المجلس. ومحمود عباس يرفض هذه المطالب لأن لديه جدول أعمال مملًى عليه من إسرائيل وأميركا ولا يستطيع الفكاك منه ولذلك فشعبيته تدنت، وقد قابلناه عدة مرات نحن وآخرون وكتبنا إليه، لكن لا حياة لمن تنادي.

كيف ترون أفق حق العودة بعدما تراجع الموقف الرسمي العربي عن دعم القضية الفلسطينية، وبعد ما أصبح المفاوض الفلسطيني لا يقيم وزنا لحق اللاجئين الفلسطينيين في العودة إلى أراضيهم؟

الوضع الآن سيئ جدا من الناحية الرسمية، فالذين يتحدثون باسمنا يفسرون حق العودة تفسيرا يفرغه من محتواه، ونحن نرفض هذا، كما أن الدول العربية نفضت يدها من قضية فلسطين، وتضغط على الفلسطينيين ليقبلوا بما يعرض عليهم، وهذا أيضا خطأ شديد. وكل من له نظرة تاريخية وحتى نظرة إستراتيجية يجد أن الاستقرار لا يمكن أن يتحقق في المنطقة إلا بحل القضية الفلسطينية.

"
الوضع الآن سيئ جدا من الناحية الرسمية، فالذين يتحدثون باسمنا يفسرون حق العودة تفسيرا يفرغه من محتواه، ونحن نرفض هذا، كما أن الدول العربية نفضت يدها من قضية فلسطين.
"
ومما يؤسفنا أن بعض الدول العربية تتخاذل في دورها ولا تجد صوتا فلسطينيا قياديا يذكرها بأن عليها واجبا وطنيا تجاه فلسطين، والزعماء العرب يقولون كلمة تعفيهم من المسؤولية وهي أنهم يقبلون ما يقبله الفلسطينيون، الذين يختزلونهم طبعا في محمود عباس وجماعته، وهذا ظلم كبير في حق الشعب الفلسطيني.

 هل من طريقة لمقاضاة إسرائيل وفقا للقوانين الدولية بسبب تشريدها للفلسطينيين؟

 بالفعل، وهذا موضوع يكتسي الآن أهمية متزايدة، وأنا عضو في لجنة اختيارية للقانون الدولي والكل يجمع في هذه اللجنة وفي غيرها أن الحرب القانونية ضد إسرائيل وضد جرائمها واعتداءاتها ميدان مفتوح وليس فيه سلاح ولا اتهامات بالإرهاب ولا غيره، وهو ميدان قوي جدا.

ويكفينا فقط أن نعتمد في مرجعيتنا على كل ما تقدم به قانون محكمة العدل الدولية الصادر عام 2004، وشرح قضية فلسطين من أولها إلى آخرها وبين الانتهاكات الصهيونية، ولذلك نطالب بالاعتماد على هذا الرأي الاستشاري الذي اعتمدته الجمعية العامة للأمم المتحدة واعتبرته إحدى وثائقها الرسمية، ونطالب بتطبيق مضمونه.



المصدر : الجزيرة