دراسة إعلامية جديدة أشارت إلى أن الصحافة الإسرائيلية لم تنتقد إلا في نهاية الحرب(الفرنسية-أرشيف)

وديع عواودة-حيفا

كشفت دراسة إعلامية جديدة أن الصحفيين الإسرائيليين لجؤوا أثناء الحرب الثانية على لبنان إلى الحيل والبلاغة للتوفيق بين الولاء لمعايير المهنة ونقائضها المتمثلة في الانتماء القومي والإجماع الصهيوني.

وتفحص الدراسة -التي أجراها د. موطي نايجر ود. أيال زندبرغ ود. أورن مايرس- الصفحات الإخبارية لصحيفتي يديعوت أحرونوت وهآرتس طيلة الحرب. ويتركز جهد الباحثين فيها على تقصي الأنماط المتعددة لمصطلح "النقد الصحفي" وعلى فهم البلاغة النقدية المعتمدة كممارسة صحفية رئيسية في أوقات الأزمات.

وتوزع الدراسة الانتقادات الصحفية أثناء الحرب الثانية على لبنان على ثلاثة مستويات، الأول يتعلق بالناحية المبدئية وفيه طرح سؤال لماذا الحرب؟ ولماذا الآن؟ وتضمن نقدا للمسيرة التي أدت للعملية ولمنطقها. وهذا ما لم يحصل إلا نادرا وعند نهاية الحرب.

أما المستوى الثاني فيتعلق بالناحية الإستراتيجية وبالأسئلة عن مدى قوة العملية العسكرية و"تفعيلها بين التقتير والإفراط في استخدام النار"، في حين يتناول المستوى الثالث النقد في الناحية التكتيكية المتعلقة بالموضوع اللوجستي وإدارة القتال والجبهة الداخلية.

وتؤكد الدراسة أن الصحافة الإسرائيلية لم تقدم على النقد إلا في نهاية الحرب، أي بعدما توفرت معطيات كافية عن نتائجها. واتضح أنه على خلاف ما جاء في وسائل الإعلام الدولية, التي اتهمت إسرائيل باستخدام رد عسكري مفرط, وجهت الصحافة الإسرائيلية انتقادات معاكسة حول استخدام قدر "قليل" من القوة.

يديعوت نشرت تصريحات للجنود الذين قاتلوا ببنت الجبيل وتصريحات مناقضة لذويهم(رويترز)
نقد متحايل
وتفيد الدراسة أنه في هذا السياق برز استخدام الصحافيين الإسرائيليين نوعا من النقد المتحايل على شكل توجيه انتقادات للحكومات السابقة التي تجاهلت تصاعد قوة حزب الله مثلا.

وتورد عينات من الصحيفتين يوجه الصحفيون في سياقها انتقادات يفضي مضمونها إلى شرعنة شن الحرب, صراحة أو مواربة, عبر الاقتباس من مصادر عسكرية وسياسية انتقدت سكوت إسرائيل على تعاظم قوة حزب الله قبل الحرب. وتضيف الدراسة "بهذه الطريقة وفّق الصحفيون بين التزامهم بالنقد كقيمة صحفية وبين رغبتهم بعدم الظهور كمن يناهض القيادة الحالية ويعارض الحرب الدائرة".

كما يلجأ الصحفيون -بحسب الدراسة- إلى أسلوب الصياغات الغائمة الذي يوجه النقد دون توضيح هوية الجهة المستهدفة وماهية النقد, تاركا للقارئ الاستنتاج بنفسه. كما ظهر في  يديعوت أحرونوت التي عنونت صفحتها الرئيسية يوم 13 يوليو/ تموز 2006 بـ"لقد يئسنا وفاض بنا" تعبيرا عن مشاعر سكان شمال البلاد دون أن يتضمن النبأ توضيحا لماهية اليأس ولمطالب السكان.

وتكرر ذلك في موضوع آخر بعنوان يوم 31 يوليو/ تموز 2006 يقول "في ظل الكاتيوشا عاد الأولاد للتبول الليلي والشبيبة للسموم"، دون توضيح المتسبب بالتدهور الحاصل أو الجهة المسؤولة والمستهدفة بالنقد.

"
توضح الدراسة أن الصحفيين الإسرائيليين استخدموا حيلة أخرى للتوفيق بين نزعاتهم وولاءاتهم المتناقضة، وهي اللجوء للاقتباس من مصادر أجنبية والاختباء خلفها
"

انتقاد ومديح
كما توضح الدراسة أن الصحافة العبرية استخدمت نصوصا صحفية فيها تحايل وُظّف لتوجيه انتقادات لأوساط معينة ولكيل المديح لجهة أخرى في الوقت ذاته.

المثال على ذلك فيما جاء في يديعوت أحرونوت يوم 28 يوليو/ تموز2006 حيث تقتبس أقوالا غاضبة لجنود شاركوا في معركة بنت جبيل إلى جانب تصريحات ذويهم القلقين على مصائرهم. وبينما ركز الآباء على انتقاد الجنود, فإن اقتباسات الجنود وردت كخلفية لإبراز "بطولتهم" عبر الإشارة إلى أنه رغم قلة العتاد وأخطاء القيادة "تمكن الجنود من التغلب على العدو".

وتوضح الدراسة أن الصحفيين الإسرائيليين استخدموا حيلة أخرى للتوفيق بين نزعاتهم وولاءاتهم المتناقضة وهي اللجوء للاقتباس من مصادر أجنبية والاختباء خلفها, لافتة إلى أن ذلك يكمل تقليدا عريقا في الصحافة العبرية يجري فيه الاقتباس من مصادر صحفية أجنبية لا تنطبق عليها قوانين الرقابة العسكرية.

وتضيف "بل إن بعض الصحفيين الإسرائيليين يسرب المعلومات لزميل أجنبي ومن ثم يعود هو ليقتبسها".

المصدر : الجزيرة