تربية الدواجن وسيلة الحاجة أم علي لتوفير مصاريف تدريس ابنيها في الجامعة (الجزيرة نت)
 
عوض الرجوب-الخليل
 
على أطراف الخط الأخضر أقصى جنوب الضفة الغربية، تعيش مئات العائلات الفلسطينية في قرية تسمى "الرماضين"، وفيها وجدت النساء أنفسهن أمام مسؤوليات عجز الرجال عن حملها.
 
تحتل هذه القرية الصدارة في تعدد الزوجات على مستوى الأراضي الفلسطينية، ومع ذلك فإن نسبة النساء العاملات تفوق نسبة الرجال بكثير، ليس بحثا عن المساواة أو العدالة وإنما بحثا عن اليسير مما يساعد الأسرة على البقاء.

ويعود سبب انقلاب المعايير في هذه القرية إلى الاحتلال الإسرائيلي الذي صادر أراضيها مرتين، وضيّع على الرجال فرصة التعلم بفتح مجالات مغرية للعمل في سنوات سابقة، ثم منعهم من حقهم في البحث عن لقمة العيش داخل الخط الأخضر.

ورغم تحرج كثير من النساء من التحدث لمراسل الجزيرة نت فإن أخريات  تحدثن بصراحة عن ضيق الحال، في حين أكدت مصادر المجلس القروي وجود معاناة متعددة المستويات يشكو منها سكان القرية.

"
يفيد رئيس المجلس المحلي لقرية الرماضين أن سلطات الاحتلال صادرت نحو 1600 دونم من إجمالي مساحة القرية البالغة 11 ألفا
"

ثمن الإغراءات
يبلغ عدد سكان القرية نحو خمسة آلاف نسمة، جميعهم ممن هجّروا عام 1948، وبقيت أراضيهم على مرمى حجر من ملجئهم الجديد، لكن هنا أيضا لاحقهم الجدار والاستيطان ليأخذ ما تم شراؤه من أراض تشرف على بلدة الظاهرية جنوب الخليل.
 
ومنذ ما قبل الانتفاضة الفلسطينية الأولى عام 1987 وحتى قبيل انتفاضة الأقصى عام 2000، فقد منحت إسرائيل إغراءات مادية واسعة للرجال من سكان قرية الرماضين أسوة بباقي المناطق الفلسطينية، للعمل داخل إسرائيل بأجور مرتفعة.

ودفعت هذه الإغراءات الرجال إلى البحث عن العمل وترك المدارس، ما تسبب في تقليص عدد المتعلمين وحملة الشهادات الجامعية، كما تسبب الرخاء آنذاك  بنشوء ملحوظ لظاهرة تعدد الزوجات وفق ما تؤكده مصادر المجلس المحلي.

وأعقب ذلك الرخاء المؤقت مرحلة من العوز والفقر حيث حرم الجدار الفاصل المواطنين من الوصول إلى أماكن عملهم، بل وصودرت مساحات واسعة من أراضيهم، في حين صادرت المستوطنات -ومنها مستوطنة أشكيلوت وتينا- أجزاء أخرى من أراضي السكان.

مصادرة الأراضي
ويفيد رئيس مجلس المحلي للقرية عبد الكريم شعور أن سلطات الاحتلال صادرت نحو 1600 دونم من إجمالي مساحة القرية البالغة 11 ألفا، مضيفا أن حياة سكان القرية بدائية وتفتقد الخدمات الأساسية من رعاية طبية ومياه وغيرها، كما أن مزارعي الماشية بشكل خاص يحتاجون دعما ماساً.

وقال رئيس مجلس المحلي في حديث للجزيرة نت إن 85% من السكان كانوا يعتمدون على العمل في إسرائيل، بينما عدد المتعلمين والموظفين في القرية لا يتجاوزون مئة شخص، لكنه أكد أن السكان بدؤوا يهتمون بالتعليم خاصة بعد توقف مجالات العمل في إسرائيل وانعدامها في الأراضي الفلسطينية.

وأوضح شعور أن نسبة تعدد الزوجات تصل إلى 40%، وأكد أن غالبية نساء القرية وجدن أنفسهن بعد توقف إعالة أزواجهن مضطرات للعمل في أعمال خفيفة للمساعدة في توفير أدنى الاحتياجات مثل بيع الحمام والدجاج والبط واللبن وغيره.

عبء ومسؤولية
بيع البيض مصدر رزق لمئات الأسر
في قرية الرماضين (الجزيرة نت)

أم علي الشعور (في العقد الخامس من العمر) لديها ثلاثون دجاجة، ومثلهن من طيور الحمام، وتعتمد على ما تنتجه تلك الطيور في القيام بأعباء المسؤولية وتوفير مصاريف اثنين من أبنائها يدرسان في أحد فروع جامعة القدس المفتوحة في الخليل.

وتقول أم علي إن زوجها كان يعمل مزارعا ويوفر مصاريف العائلة من خلال المزروعات وتربية الأغنام في أرضه البالغة مساحتها نحو 160 دونما، لكن قوات الاحتلال صادرتها لصالح الجدار الفاصل ما أفقد العائلة هذا المصدر واضطر زوجها للبقاء في البيت خاصة مع تقدمه في السن.

وبدورها تقول أم محمد التي تناهز الستين من العمر، إنها تبيع البيض والزبدة لتاجر يأتي إلى القرية كل أسبوع، ليتسنى لها توفير الاحتياجات الأساسية للبيت مثل الملح والسكر والشاي والصابون وغيرها.

وتتركز أعمال النساء في هذه المنطقة بشكل ملحوظ على تربية الطيور، إضافة إلى تربية المواشي والأبقار وبيع إنتاجهن من اللبن والزبدة والسمن.

ويتطلع سكان قرية الرماضين المهمشة إلى شيء من الاهتمام من قبل المؤسسات الرسمية والأهلية المنتشرة بكثرة في الأراضي الفلسطينية المحتلة حتى يتمكنوا من تجاوز الأزمة التي يعيشونها.

المصدر : الجزيرة