صاغة الصفافير في بغداد يتحدون المخاطر الأمنية ويواصلون أنشطتهم (الجزيرة نت)  

فاضل مشعل-بغداد

تراجعت أعداد محال صناعة الأواني النحاسية في سوقها العتيق المعروف بسوق الصفافير وسط العاصمة العراقية بغداد بعد أن هجرها الزبائن، فيما تزايدت محال صياغة الذهب ورحلت خارج مقرها العتيد بشارع النهر لتنتشر في عشرات الأسواق الرئيسية الجديدة.

وبسبب تدهور الأوضاع الأمنية في بغداد اضطر عدد من الحرفيين لإغلاق محالتهم وتنويع أنشطتهم تماشيا مع الأوضاع الجديدة منذ الغزو الأميركي في مارس/ آذار 2003.

وتحديا لكل المخاطر الأمنية التي تهدد حياته لا يزال الصائغ خالد عبد الله (76 عاما) يفتح باب محل في شارع النهر الذي يطل على الضفة الشرقية لنهر دجلة.

وقد تعرض محل عبد الله لعدد من أعمال السرقة على غرار البقية القليلة المتبقية من الصاغة، وهو ما دفعهم لإعادة النظر في نوعية أعمالهم.

ويقول عبد الله "عملنا في شارع النهر صار نوعيا حيث أصبحنا نعمل في صياغة الفضة ونخاف جلب الذهب إلى محالنا، الحال تغيرت فالوضع الأمني في البلد غير كل المفاهيم".



صائغ يشكل بمهارة المعدن الأصفر (الجزيرة نت)
إصرار على المهنة
ويؤكد عبد الله أنهم لم يتخلوا عن مهنتهم التقليدية وهي صياغة الذهب ولكن هذه المهنة انتقلت إلى الغير حيث أصبح العديد ممن يملكون المال يفتتحون ورشا للصياغة.

ويشير عبد الله إلى أن هذه الورش لا تبتكر إنما تعيد ما يصنعه حرفيو الذهب الذين لا يزالون يمتلكون ناصية المبادرة والاختراع منذ زمن طويل لأنهم الشعب الوحيد في العالم الذي امتهن الصياغة منذ أكثر من 3000 عام، على حد قوله.

وغير بعيد عن شارع النهر يمتد سوق الصفافير داخل زقاقه الملتوي الذي يتفرع أيضا من شارع الرشيد ويربطه فيما بعد بأسواق السجاد والأقمشة الفاخرة التي كانت فيما مضى تعرض ما يأتي به طريق الحرير من بضائع آسيا الفاخرة.

وتتجمع أزقة هذه الأسواق التي تمتد أعمارها لقرون عدة عند سياج أقدم جامعة في العالم وهي المدرسة المستنصرية التي تأسست في زمن المستنصر العباسي قبل أكثر من 1300 عام من الآن.

وتوجد علاقة متينة بين صياغة الذهب في شارع النهر البغدادي ورسم الأشكال العراقية التراثية والتاريخية المعروفة على أواني البرونز والنحاس في سوق الصفافير الذي يعج بالحركة والضجيج.

ويتحدث عدنان البغدادي عن طبيعة تلك العلاقة قائلا "الصناعتان تتعلقان برقي الذوق ومعرفة نواحي ثقافة الأجداد وكلاهما تتطلبان التبحر عميقا في تاريخ بلاد ما بين النهرين".



المدرسة المستنصرية عنوان لأسواق الصناعة التقليدية في بغداد (الجزيرة نت)
بصمات الماضي
ويعترف البغدادي الذي أسس جده الأكبر قبل 200 عام من الآن محلا بسوق الصفافير لا يزال يحمل بصمات الماضي رغم تجديده بأن "صناعتنا أخذت تضمحل خاصة بعد توقف قدوم الأجانب إلى العراق نهائيا والبضاعة التي نصنعها تنام فوق أدراج المحل فترات طويلة دون أن تجد من يسوقها".

أما منذر عبد الصاحب أحد أمهر صناع سوق الصفافير فيرى أن "توقف هذه الصناعة التي نعتبرها هوية بغداد التعريفية خطير للغاية لأنه إنذار بمقتل أحد أبرز الفنون جمالا في العراق".

ويحذر عبد الصاحب من أنه إذا فقد العراق حرفتي صياغة الذهب ونقوشه البارعة التي تحمل بصمات كثير من الصاغة العراقيين المهرة وهم يرسمون المآذن العباسية والثيران المجنحة الآشورية فإن حال بلاد الرافدين سيصبح مثل الشعوب التي تجتر تاريخ غيرها وتنبهر به.

المصدر : الجزيرة